لما صدر الأمر الخديوي باستبعاد الضباط الجركس المتَّهَمِين بالتآمر على عرابي ورفاقه من خدمة الجيش استبعادًا بسيطًا كما أشار عليه قنصل فرنسا — كما قلنا أمسِ — ازداد الوطنيون غضبًا؛ لأن الخديوي أدخل الأجانب في حكم البلد، ولأنه وقع الأمر العالي دون قرار مجلس النظار، وإن كان قد عمل برأي المجلس في تعديل الحكم.

فعزا قنصل فرنسا غضبَ الوطنيين في تلغرافه إلى حكومته إلى سخطهم من رؤية نفوذ الأجانب دائمًا مستمرًّا، وعزاه السير مالت إلى شدة غضبهم على خصومهم الذين كانوا يريدون طردَهم من الجيش وهم ملوَّثُو السمعة والعرض. فغنموا فرصة توقيع الأمر العالي قبل موافقة النظار على نصه، وأعلنوا غضبهم وجَهَرُوا به.

في المساء من يوم صدور الأمر العالي ذَهَبَ محمود سامي إلى السراي، فلما دخل على الخديوي رمى بصورة الأمر العالي على الكرسي، وطلب من الخديوي تعديلَها طبقًا للآراء التي أبداها مجلس النُّظَّار، فرفض الخديوي إجابةَ طلبه، فغضب لذلك وهدَّدَ وتوعَّد وأعلن إشفاقه على الأجانب من أن يذهبوا ضحيةَ هذه السياسة، فأخرجه الخديوي من حضرته واستدعى في الحال قناصلَ الدول وبَسَطَ لهم ما كان، فجزع القناصل لهذا الحادث، وطلبوا جميعًا من قنصليْ فرنسا وإنجلترا التوسط لدى رئيس الوزراء لإعادة الأمور إلى مجاريها، فأخذ القنصلان في البحث عنه إلى أن وجدوه في مأدبة أعدَّها الثوار، ولم تكن المحادثة بينهم مُرضية؛ لأن محمود سامي نعت الخديوي بالكذب وأنكر ما رواه الخديوي للقناصل، ولما سأله القنصلان: هل حياة الخديوي وعرشه في خطر؟ أجاب جوابًا أشار فيه إلى غموض المستقبل، ولما أحرجوه بالسؤال قال لهم: إن سلطة الخديوي تظلُّ في مأمن ما دامت الوزارة في مناصب الحكم، ففهم القنصلان أنه يهدِّد.

***

وبعد خروج القنصلين اجتمع النظار، وكانت جلبة شديدة الحماسة والاضطراب، فألقى عرابي خطابًا ملؤه الحماسة حَمَلَ فيه أشد حملة على الأسرة الحاكمة من أول عهدها إلى ذلك اليوم، وقد ورد كلامه في ذلك الخطاب بشهادة أحمد بك رفعت، الذي كان سكرتير مجلس النظار أمام المجلس الذي حاكم العرابيين، فقد قال هذا الشاهد إن هذا الخطاب عُدِّل ثلاثَ مرات بعد إلقائه ليخفِّفُوا من شدته، ولكنهم لم يستطيعوا إطلاع الخديوي عليه رغم التعديل الكبير. واقترح عرابي في ختام خطابه دعوة مجلس شورى النواب في الحال؛ لأنه أقدرُ على صيانة قوة الرأي العامِّ من الوَهَنِ والضعف.

ولما كان القانون الأساسيُّ يحفظ للخديوي حقَّ دعوة المجلس، أظهر المعتدلون من النظار بعضَ الاعتراض على العمل غير المشروع، ولكن المتطرفين حكَّموا إرادتهم فانصاع لها الآخرون. وألقى محمود فهمي خطابًا ناريًّا طلب فيه أن تُرسل في الحال التلغرافات إلى المديرين ليدعوا النواب إلى الاجتماع في القاهرة وليهدئوا روع الدول، وأرسلت النظارة تلغرافات أخرى إلى المديرين والمحافظين والحكمدارين والمأمورين تُوقع عليهم تبعةَ الأمن والنظام.

وفي ١٠ مايو قابل محمود سامي القناصلَ وتلا عليهم التصريح الآتي:

إن مجلس الوزراء رأى أنه يستحيل عليه الاتفاق مع الخديوي، وهو في الوقت ذاته لا يستطيع استعفاءه؛ فلذلك قرَّر دعوةَ مجلس شورى النواب للاجتماع في أقرب وقت، فعلى المجلس التذرع بالوسائل التي تضمن سلامة الوطن.

وستعرض الوزارة على المجلس جميعَ وجوه الشكوى من مسلك الخديوي، لا سيما المسألة الخطيرة جدًّا، وهي أنه ارتكب دون استشارة مجلس النظار عملًا ملؤه الخضوع والخنوع للباب العالي.

على أن المجلس يضمن بوجهٍ قطعيٍّ — حتى في حالة تدخُّل تركيا — الأمنَ العامَّ.

وبعد أن تلا محمود سامي هذا التصريح على القناصل قال: «أنا لا أقابل بعد اليوم الخديوي توفيق باشا.»

خرج القناصل وهم في ارتباك شديد، وأرسل قنصل فرنسا إلى حكومته تلغرافًا قال فيه:

نحن الآن أمام حكومة ثائرة، وخلعُ الخديوي أمر لا شك فيه.

وفي الواقع إن رجال الحكومة كانوا يذيعون في كل مكان أن مجلس شورى النواب سيجتمع في ١٣ مايو، وهو لا يجتمع إلا ليخلع الخديوي، حتى الوزراء ذاتهم كانوا يملئون أفواههم بمثل هذه الأقوال إما تلميحًا وإما تصريحًا.

والذي يؤخذ من شهادة أحمد بك رفعت ومحمود أفندي شافعي والموسيو غالوا أمام المجلس العسكري الذي حاكم زعماء الثوار: أن محمود فهمي كان يكرِّر القولَ أمام كل سامع أنه لم يبقَ أمام الخديوي توفيق إلا أن يأخذ شنطته ويذهبَ للسكن في فندق شبرد ككلِّ غريبٍ مثله.

وكانوا إذا ما تكلَّمُوا عن العرش تكلموا عنه وكأنه خالٍ، حتى رشح جماعة الأميرَ عبد الحليم بن محمد علي الذي حُرم من العرش هو والأمير فاضل باشا بن إبراهيم باشا وأخو الخديوي إسماعيل باشا، بعد أن غيَّر إسماعيل باشا بفرمان سلطاني وراثةَ العرش من أكبر الأمراء سنًّا من سلالة محمد علي إلى أكبر الذكور سنًّا من أولاد الخديوي. وأخذت أخته الأميرة زينب تروِّج له في مصر بواسطة وزيره عثمان باشا فوزي وأحد أصدقاء الثوار السيد حسن موسى العقاد، وأخذوا يوقِّعون في دواوين الحكومة عريضةً للباب العالي يطلبون فيها تعيين حليم باشا. وكان توقيع العريضة يُرضِي محمود سامي ومحمود صادق ومحمود فهمي وعرابي وعلي راغب وسليمان سامي والموسيو ثينت أمام المجلس العسكري. ولكن الموسيو سينكيوكز — قنصل فرنسا — يقول في تلغرافاته التي أرسلها إلى وزارة الخارجية في ذاك الحين: إن عرابي لم يكن يهتمُّ بهذا أو ذاك، ولكنه كان يهتم بنفسه؛ لذلك كان يجمع الأدلة ضدَّ توفيق باشا ليحاكمه ويدعو أصدقاءه لتوليةِ عباس بن توفيق — وكان طفلًا — ليكون قيِّمًا عليه ووصيًّا على الخديوية.

***

وصل النوابُ إلى القاهرة، وأخذ عرابي ومحمود سامي يلقنونهم آراءهم وما يريدون، ولكنه ظهر لهم أن هؤلاء النواب ليسوا من اللين بين أيديهم كما كانوا يظنون، لا سيما رئيس المجلس سلطان باشا، وقد كان له نفوذ كبير على زملائه النواب.

فلما اجتمعوا في منزل محمود سامي ليتداولوا بالأمر، كانت بينهم وبين سلطان باشا مشادة عنيفة جدًّا، انتهت بعد ذلك بأنهم اتفقوا على أن المجلس يطلب من الخديوي أن يصدِّق على دعوته للانعقاد، وعلى أن المجلس بعد انعقاده يضعُ نظامًا يحدد فيه سلطة الخديوي وسلطة مجلس النظار، وأدمج عرابي في هذا الاتفاق أنه في حالة معارضة توفيق باشا وإصراره يحتفظ هو باللجوء إلى إسقاطه.

وفي صباح ١٣ مايو اجتمع النواب في دار رئيسهم، فتلا عليهم محمود سامي وجوه الشكوى من الخديوي، وخطب فيهم عرابي خطابًا حماسيًّا شديدًا مستندًا إلى نُتَفٍ من أقوال كان الموسيو فرسينه — رئيس وزارة فرنسا — قد فاه بها في مجلس نوابهم، وقال إنهم يستطيعون الاعتماد على فرنسا، وختم كلامه بالاقتراح عليهم تعيين الأمير عباس خديويًّا مع تأليف مجلس وصاية.

واختير بعد ذلك وفد ليذهب إلى الخديوي ويطلب منه التصديق على عقد مجلس شورى النواب.

وفي الساعة الرابعة انعقد مجلس النظار في نظارة الداخلية ليلقي بنتيجة مهمة الوفد عند الخديوي، وعاد الوفد إليهم بأن الخديوي رفض كلَّ الرفض التصديق على دعوة المجلس للانعقاد، وأن مهمة الوفد انتهت، وما كانوا ينتظرون مثلَ هذا الحزم من الخديوي، فأُسقط في أيديهم، وراح النظار يتباحثون ويتشاورون في الأمر مع مكتب المجلس؛ فأعلن سلطان باشا أن مهمة المجلس قد انتهت فلم يدروا ما يصنعون.

وكان أول ما خطر لبعضهم طلب العفو والسماح، ولكن اليائسين اقترحوا اقتراحات اليأس والقنوط. ولكن مسلك الجيش ثبَّط العزائم؛ لأنه لم يكن كله على خطة واحدة، فعرابي أمر قومندان القلعة أن يوجِّه مدافعه إلى المدينة، فرفض إطاعة أمره، وفي اليوم ذاته ورد من الباب العالي على توفيق باشا وعلى الوزراء بأنه الآن منصرف إلى إصلاح بلاد الأناضول، فالواجب على النظار والخديوي الاتفاق.

كل هذا أسقط في يد محمود سامي، فكلَّف سلطان باشا أن يعرض استعفاءه على الخديوي.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.