الشيخ أحمد يافع أصفر الوجه نحيل الجسم، إذا مشى سار الهوينا لضعفه وانحلال قواه، وإذا نظر إليك انبعث من عينه بريق يهز أوتار قلبك، ويبعث فيه الشفقة والحنان. تراه في صبيحة كل يوم يحمل على ظهره المقوس ألواحَ الثلج يسير بها في شوارع الرمل؛ ليُودِعَها في البيوت والقصور، وما ساقته لذلك غير الحاجة، ولا قادته غير البلوى؛ فهو من الفقراء البائسين الذين لا حول لهم ولا طول. ولقد أطلق عليه أطفال الرمل اسم الشيخ أحمد لسذاجة طبعه وضعف قُوَّتِه؛ فهو في نظرهم ألعوبة يقتلون به الوقت، والوقت في نظر الأطفال لا قيمة له. بيد أن اسم الشيخ أحمد التصق بشخصية ذلك العامل المسكين، فردده الكبير والصغر والغني والفقير والشريف والحقير، وأصبح حامل الثلج لا يُعرف في حي الرمل بغير ذلك الاسم.

اعتدنا أن نرى وجه ذلك المسكين في كل رصيف عند مجيئنا للإسكندرية، وكأنَّا نرى برؤيته جزءًا من رمال الرمل وغياضها وبحرها الهائج، غير أنَّا في هذا العام حُرِمْنَا رؤية وجهه البائس شهرًا من الزمن، شعرنا باختفاء شيء اعتدنا رؤيته كل صيف. ثم ظهر الشيخ أحمد في ربوع الرمل يحمل على ظهره ألواح الثلج، ورأيناه في صبيحة يوم من الأيام يطرق بابنا ويدخل فِناءنا، وهو يبتسم كأنه يقرئ أرض الدار وجدرانها وكل شيء فيها سلامه ويبثها أشواقه، ولو كان للأرض والجدران لسان يتكلم لسمعنا حديث الشوق وتحيات اللقاء بعد الفراق. ناديته فلبَّى ندائي ووافاني يتعثَّر في مِشيته، فسألته عن سر غَيبته فقال: كنت رهين السجن يا سيدي.

– الشيخ أحمد يُزَجُّ في أعماق السجون؟!

– إني واللهِ بريء.

– وكيف كان ذلك؟

– سيدي لا يعرف الرجل الذي يشتري الملابس الرَّثَّة ثم يبيعها في الطرق بعد إصلاحها؟

– أعرفه يا شيخ أحمد، وأسمع صوته كل يوم؛ فما هو إلا حانوت متنقل.

– بورك فيك يا سيدي؛ فقد عرفتَ الرجل، لقد سألتُه يومًا شراء ثوب كان في يده، وساومته على الثمن، فأبى أن يبيع الثوب بعشرة قروش وغادرني وسار في طريقه، ولكنه التفت إليَّ بعد حين وناداني قائلًا: هات الثمن وخذ الثوب. فأعطيته ما كان في جيبي، وكنت لا أملك سوى عشرة قروش، فوضع الدراهم في جيبه وسار في طريقه، فجريت وراءه لآخذ الثوب، ولكنه نهرني ثم ضربني وربح الصفقة مني، فالتفتُّ يمنة ويسرة لعلِّي أجد في الطريق رجلًا ذا شهامة ومروءة يرد إليَّ مالي، فلم تقع عيني على غير آكام الرمل، فعدت أدراجي صِفر اليدين لا أملك أبيض ولا أسود، ولكني أقسمت أن أنتقم من ذلك الوحش، بل من ذلك الجبان الذي وجد ضَعفي وبؤسي وسيلة يبرر بها جريمته. وقابلته بعد أيام ثلاثة وكان قد وضع حمله أمام بيت دخل فيه يساوم بعض الخدم على شراء ثوب عتيق، فأخذت من بين بضاعته الثوب الذي دفعتُ ثمنه، وما دفعني لذلك غير الانتقام، وإذا بالرجل خرج من البيت وجرى ورائي وأمسك بي، ثم أخذ الثوب مني، وما زلت بين يديه يصفعني تارة ويهزني طورًا إلى أن سلَّموني ليد البوليس، وحُكِمَ علي بشهرين قضيتهما بين جدران السجن. ثم تبسم الشيخ أحمد وقال: ولكني لا أكذب القول، لقد كنت على أحسن حال في سجني، فما شكوتُ ضِيقًا ولا جوعًا. وغادرني الشيخ أحمد وهو يبتسم حاملًا ألواح الثلج كعادته، فقلت في نفسي: حرام أن يعاقَب الأبرياء، أما المجرمون فما زالوا يعيثون في الأرض فسادًا. ثم ألقيت نظرة أخرى على الشيخ أحمد وهو يتوارى عن نظري، فرأيت فيه صورة البائس الذي يخرجه المجتمع الإنساني من حيِّز الأبرياء إلى حيز المجرمين، وكيف لا يكون الأمر كذلك والشيخ أحمد لم يشْكُ في سجنه ضِيقًا ولا جوعًا؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.