صناعة سهلة

التنجيم صناعة سهلة؛ لأن المجهود الأكبر فيها يقوم به الزبون، ولا يبقى على الصانع غير مجهود قليل، يشاركه الزبون فيه على أكثر الاحتمالات.

وأغبى الأغبياء هو الذي يتكلم عن المستقبل فيثبت كذبه مائة في المائة قبل أن يأتي المستقبل، إن أكثر الناس يكذبون على الحاضر في رائعة النهار فيصدقهم الناس مرة بعد مرة بعد مرات. فما أغبى المتكلم عن المستقبل الذي يتعرض للتكذيب في الحال! حسبه أن يعثر على خمسة في المائة من الأقاويل التي يلوح عليها القبول، ولا عليه بعد ذلك … فإن «المجني عليه» يتمم له الخمسة والتسعين الباقية وهو مستريح.

كلنا يحب أن يداعب الغيب المجهول، وكاتب هذه السطور يحسب أنه من أعداء التنجيم، أو من أعداء التشاؤم والتفاؤل. سكنت منزلًا رقمه «١٣»، واخترت رقمًا للتليفون مبدوءًا ﺑ «١٣»، وهجمت على شؤم ابن الرومي في معقله الحصين، ووضعت على مكتبي تمثالَيْ بومتين غلب شؤم إحداهما على الأخرى فانكسرَتْ، ولا تزال الأخرى تعمل عمل الاثنتين بكل ارتياح!

ومع هذا، لا أكتم القارئ أنني أصطنع التنجيم بيني وبين نفسي في كثير من الأيام، وطريقتي في مداعبة الغيب أن أتناول كتابًا ثم أفتحه على صفحة ما، ثم أعد ست صفحات وأعد من السابعة ستة سطور، والسطر السابع هو المقصود.

وأمامي الساعة كتاب عن الحيوان أنوي أن أرجع إليه، وسيرى القارئ قريبًا لماذا أرجع إليه. جرَّبْتُ فيه هذه الطريقة وانتهيتُ إلى الصفحة التاسعة والثمانين، فقرأتُ في السطر السابع منها هذه العبارة: «إن الطيران الناجح ليلًا ينقض ما يُقال عن اهتداء الحمام بالنظر في معرفة الاتجاه.»

والحق أنه كلام موافق في هذا المقام، وقِسْ عليه كثيرًا أو قليلًا من هذا القبيل.

الشاطر «هانس»

والشاطر هانس هذا هو اسم حصان سموه في القرن الماضي بهذا الاسم Clever Hans؛ لأنه برع في إجابة الأسئلة على طريقة المنجمين.

يسأله السائل عن مجموع سبعة وثمانية مثلًا، فيضرب بقدمه خمس عشرة مرة. ويسأله سؤالًا يُجاب بالكلام، ثم يعرض الحروف الأبجدية، فيضرب بقدمه عند كل حرف مطلوب، حتى يتم الجواب بكلمة أو اثنتين، وتألفت لجانٌ من العلماء لمراقبته وكشف حقيقته؛ فارتفعت من أمامهم كل شبهة للغش والخداع، وتبيَّن أخيرًا أن الحصان يتفرس بنظره ويرى من حركات سائله أين يقف بضربات قدمه، وبلغ من دقته في هذه الفراسة أنه يلمح علامات الإجابة الصحيحة وإن لم يقصد السائل أن يدله عليها.

هذا يستطيعه حصان، فهل كثير من المنجمين من بني آدم أن يسأله السائل عن أسراره وآماله؛ فيأخذ من ملامحه الجواب؟!

كلا … ليس بكثير، إلا إذا كانت معرفتنا ببني آدم صحيحة جدًّا فوق اللزوم!

والسياسيون أحصنة

نعم؛ ولولا أن الشاطر هانس كان حصانًا ولم يكن حمارًا لما كذب، بل يقول إنهم حمير.

والدليل بالإحصاء كجميع الأدلة التي يُعتمَد عليها في هذه الأيام.

أرقام ولا كلام …

فماذا تقول الأرقام إذا سجلت على ساسة العالم أخطاءهم في الطرق التي يسيرون عليها والطرق التي يتجنبونها، ثم سجلنا هذه الأخطاء على عدد مثلهم من الحمير؟

فمما لا شك فيه أن الحمير تخطئ في اختيار طريقها مرتين، وإن هي أخطأت مرتين لم تخطئ أربع مرات. أما الساسة فلا لزوم هنا للبحث عن عدد الأخطاء فإنها لا تُحْصى ولا تُستَقْصَى. وأيسر من ذلك أن نعد الصواب وهو قليل جدًّا في مراتب الأرقام، إلا إذا كانت من الأصفار.

ومن أراد التحقيق فليسمع منهم ما يقولونه في مطلع هذا العام، وليذكر ما قالوه في مطلع العام السابق، ولينظر بعد ذلك في نسبة الصدق منه والكذب ونسبة الخطأ منه والصواب.

وليترحم بعد هذا وذاك على شهيد العلم والصدق في القرن الماضي «الشاطر هانس».

وله أن يعلو قليلًا أو يهبط قليلًا، فيذكر بالخير «حمار الحكيم» أطال الله حياته وأبقاه.

من أين لك هذا؟

ومن أين لك هذا؟ سؤال مصحوب بالشتيمة المعهودة من كاتب لم يوقع خطابه باسم صريح ولا باسم مستعار، ولكن الخطاب كله توقيع صريح باسم كارل ماركس.

واسم كارل ماركس يشمل كل تلاميذه «المهذبين»! يسألني كاتب الخطاب: من أين لك ما زعمت عن «السياسة السوفيتية» في عهد مالنكوف؟!

وأجيبه بالإيجاز أنه ضرب من التنجيم، وأنني أُفَضِّل أن أكون في معلوماتي التنجيمية تلميذًا للشاطر هانس ولا أكون تلميذًا للمعلم كارل ماركس «رحمة الله عليه»!

فكارل ماركس اللبيب سمع قبل مائة سنة بثورة في باريس؛ فظن أن نبوءاته قد صدقت وذهب إلى باريس ليقبض بيده على زمام الحكومة الأوروبية، أو الحكومة العالمية إذا ساعدت الظروف والفرص، قبل أن يسبقه الزحام إلى ذلك الزمام!

ذهب إلى باريس قبل مائة سنة ليقبض على زمام العالم، فخرج منها بعلقة مليحة …

ونعتقد اعتقادًا لا يشوبه الشك أنه لو ذهب اليوم إلى الكرملين لخرج بنفس النتيجة … مع الفرق بين «ألف أكسو» وواحد (ناوله).

أي مع الفرق بين العلقة الباريسية والعلقة المسكوفية، وبين التكدير بالأمس و«التصفية» اليوم.

من أين لي هذا؟! من مسألة بسيطة لا غرابة أن تفوت على الأستاذ كارل ولا تفوت حتى على الشاطر هانس.

من خطبة مولوتوف على ضريح ستالين، فإنه لم يذكر فيها مالنكوف بحرف واحد، وذكر فيها الجيش وأطنب في ذكره. ولو كان مالنكوف هو الحاكم بأمره هناك لكان الصريع الأول مولوتوف وبقي بريا بمنجاة من السقوط والهلاك …

وإذا شاء تلميذ الأستاذ «كارل» أن يعرف طرفًا من تنجيمنا دون أن يسألنا عن سر الصنعة، فليرجع إلى تحقيقات الصحفي المشهور محرر الشئون الخارجية بوكالة الصحف المتحدة، وقد سجلها بعد ثلاثة أشهر قضاها في البلاد الروسية وترجمتها «الأخبار الجديدة» في الثامن والعشرين من ديسمبر الماضي؛ حيث يقول: «وقفت على أخطر تطور في روسيا للثورة البلشفية. إن في روسيا الآن ثورة تتطور في هدوء وبسرعة … وقد أم هذه الطبقة المتوسطة الجديدة في روسيا مديرو المصانع، وأساتذة الجامعة والعلماء والكتاب والمهندسون، وضباط الجيش ورؤساء العمال.»

هذه التحقيقات بنت الساعة (نجمناها) نحن قبل ثلاث سنوات في رسالتنا عن «فلاسفة الحكم في العصر الحديث»، ولخصنا فيها الرأي الذي ينبئ بهذه النتيجة وهو كما جاء بالصفحة (١٠٦) من تلك الرسالة:

إن حساب كارل ماركس قد اختل في مسألة من أهم المسائل التي بنى عليها تقديراته ونبوءاته، وهي مسألة القضاء على أصحاب الأموال باستيلاء العمال على المصانع وإدارتها لحسابهم، واستيلاء الجند على الأسلحة واستخدامها في مقاومة القادة والرؤساء. فقبل مائة سنة في أيام كارل ماركس كانت الآلات الصناعية من البساطة بحيث يُستطاع أن تُدار بأيدي العمال، وكانت الأسلحة على مثل هذه البساطة بالقياس إلى خبرة الجندي وذكائه. أما اليوم فقد أصبحت خبرة المهندس لازمة كل اللزوم لتناول الأدوات الدقيقة، وتحصيل العلم الضروري لتنظيمها في جملة حركاتها، وأصبحت الخبرة الفنية التي يتدرب عليها المهندس العسكري، أعظم وأدق من أن تسلم مقادها للجندي أو للثائر الذي لم يتدرب على استخدام الأسلحة المختلفة بالأساليب الفنية. ومن هنا نشأت طبقة غير طبقة أصحاب الأموال، وغير طبقة الصناع والعمال تشرف على أدوات الإنتاج ولا يتأتى الاستغناء عنها في المجتمع القائم على الصناعات الكبرى. وهذه هي طبقة المديرين الفنيين … وخبراء الصناعة وما إليها.

ونحن نؤكد لمن يسألنا من أين لك هذا. إن هذا من هذا، وإن هذا إذا وجب أن يكون واحدًا من اثنين: الشاطر هانس أو المعلم كارل … فنحن نفضل الأول على الأخير، وكلاهما من مواليد القرن التاسع عشر، مع الفارق في دقة الحساب.

الكرة الأرضية تدور يمينًا

وعلى هذا، وبعد العلم بمن أين لنا هذا نقول إن الكرة الأرضية في العام المقبل ستدور يمينًا، ولا تزال تدور إلى اليمين حتى يلتقي اليمين بالشمال.

ومنذ خمس سنوات قلنا إن المذاهب الهدامة لا تبقى لها بقية بعد عشر سنين، ولم يبقَ منها اليوم غير خمس. فلينتظرها المتفائلون أو المتشائمون؛ فلعلها أسرع مما يظنون.

إن «أديبًا» من العراق كتب بعد الثورة الصينية يسألنا: ألا تزال على رأيك في هذا الميعاد؟

ولو لم يكن هذا «الأديب» وأمثاله ممن يأخذون بالظواهر لما فهم من الثورة الصينية أنها تنقض ذلك التقدير، ونحسب أننا الآن في مقام التنجيم عن العام الجديد، نستطيع أن ننقص من السنوات الخمس الباقية خمسة أيام «بقشيشًا» لتلاميذ المعلم كارل، إذا بقي منهم من يُفضِّله على الشاطر هانس أو على حمار الحكيم.

طوالع العالم

ومن التقدم، أو من التوسع، في علم التنجيم أنه يتناول طوالع الكون كله في أمثال هذه المحطات الزمنية. فإن أردنا نحن أبناء القرن العشرين أن نتواضع بعض الشيء فلا تقدم في الأمر ولا توسع؛ لأن المنجمين ما زالوا منذ القرون الوسطى يتنبئون عن يوم القيام ويُحدِّدون له التاريخ بالسنة والشهر واليوم، ويقولون قديمًا إن القيامة قائمة في سنة ألف للميلاد … فلمَّا مَضَتْ سنة ألف نظروا في التأجيل إلى أمد قصير أو طويل.

والظريف أن هؤلاء المنجمين الذين قرنوا موعد القيامة بميلاد السيد المسيح، لم يكن لهم علم قاطع بتاريخ ذلك الميلاد، واختلفوا فيه بين السنة الرابعة والسنة السابعة قبل الميلاد.

كان الراهب دروثمار يضرب للقيامة موعدًا في الرابع والعشرين من شهر مارس سنة ألف … فتوافد الحجاج بالألوف إلى بيت المقدس من جميع الأقطار الأوروبية ليشهدوا يوم القيامة بجوار مولد السيد المسيح!

ثم خاب الظن — إن صح هذا التعبير — فتفضل متنبئ آخر بتأجيل اليوم إلى سنة ١٥٣٧؛ لأن عُمُر الدنيا في تقدير هذا المتنبئ — وهو فنشانت فرار الإسباني — لا يزيد على عدد الآيات في المزامير.

وحصل تعديل من جانب آخر، فقال الفلكي الألماني ستوفلر إن القيامة قائمة بطوفان يُغْرِق العالم سنة ١٥٢٤؛ لأن زحل والمشتري والمريخ تقترن يومئذ في برج الحوت.

ورصد المنجمون مذنبات المنظومة الشمسية بعد ذلك بقليل فجعلوا للقيامة موعدًا عند مطلع كل نجم ذي ذنب … فمرَّتْ هذه النجوم بأذنابها واحدًا بعد واحد «وعمر الشقي بقي» كما يقولون.

أما هذه الطوالع في القرن العشرين فهي شيء محترم تصدر به الكتب العلمية ويستحق بعضها أن يُقدِّمه العلامة أينشتين بكلمات يقول فيها: «إنها مبنية على معرفة ثابتة سهلة الهضم جذابة الأسلوب.»

وأحد هذه الكتب ظهر قبيل نهاية السنة الماضية، أي في الموعد الملائم، فتفضَّلَ مؤلِّفُه بتأجيل طويل لذلك الموعد المنتظر يمتد إلى ملايين السنين.

لهذه النهاية يجوز أن تصيبنا من جانب القمر؛ لأنه يتباعد عنا ويبلغ غاية البعد في مدى خمسين ألف مليون سنة، ثم يقترب ويقترب حتى يختلَّ نظام المد والجزر فتغرق الأرض بالطوفان.

هذا أو تصيبنا النهاية من جانب الشمس فتنفجر أو تنتحر، بعد أجل أطول من تلك الملايين.

هذا أو تصيبنا النهاية من أيدينا نحن يوم نبلغ الغاية من البراعة في إتقان القذائف الذرية، فننسف بها عالمنا مشهودًا لها في الكون كله بغاية البراعة والإبداع.

ومن أسباب الطمأنينة لشركات التأمين أن المنجمين في عصرنا هذا لا يزالون على عادات الصناعة من الكذب والخلط والتردد بين النقيضين، فمنهم من ينذرنا بالقيامة لأن الشمس تَفْقِد حرارتها شيئًا فشيئًا إلى أن تبوخ وتموت، ومنهم من ينذرنا بالقيامة لأن الشمس تزداد حرارة بما يجري فيها من عمليات الانشقاق والالتحام في الذرات والأجرام.

وأدعى من ذلك إلى الطمأنينة أن المؤلف يعوِّل على رأي العلامة هويل الذي يقول إن الأكوان تتكون على الدوام في أنهار المجرَّة التي تملأ السماوات، فإذا ذهبت الأرض فلتذهب غير مأسوف عليها، ولنا منها بديل في كرة أخرى من تلك الأكوان.

ومن اليوم إلى أقرب تلك المواعيد وقت كافٍ يسمح لنا أن نصدق هؤلاء المنجمين أجمعين، أو نكذبهم أجمعين، فلا فرق بين التصديق والتكذيب على مسافة الملايين من السنين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.