كان أبو نواس — فيما تقول الفكاهة الشعبية — يهزُّه الشوق إلى أبي طوق، فيتدحرج من أسفل إلى فوق، وكان أبو نواس شاعرًا في جده وهزله، فلم يكن يحفل بالمنطق ولا يأبه لطبيعة الأشياء. أمَّا أمور السياسة في مصر فإنها تحب المنطق أشد الحب، وتكلف به أعظم الكلف، وهي إذا أرادت أن تتدحرج لم تعكس الحقائق الواقعة، ولم تخالف طبيعة الأشياء، وإنما تدحرجت من فوق إلى تحت، وهبطت من القمة إلى الحضيض.

وأمور السياسة في مصر لا تحب أن تصعد دائمًا؛ لأنها تشفق من الجهد والإعياء، وهي لا تحب أن تنحدر دائمًا؛ لأن لها ماضيًا يدعوها إلى الرقي، وأملًا يدفعها إلى التصعيد.

وهي من أجل ذلك تصعد أحيانًا، وتصوب أحيانًا أخرى، تمضي في سبيل الحرية والديمقراطية الصحيحة، ثم يتعبها ذلك فتعود خطوة أو خطوتين أو خطوات، وتهبط درجة أو درجتين أو درجات، والله يمتحنها بالمحن والخطوب في حالي التصعيد والتصويب جميعًا. والذين يراقبون الحياة السياسية المصرية يلاحظون أن مصر قد اتخذت لنفسها قانونًا — أستغفر الله — بل إن الظروف قد فرضت على مصر قانونًا في التطور السياسي يقضي عليها أن تتقدم خطوة لتتأخر خطوات.

والطريف أنها تلهو بذلك وتضحك منه، ولعل مصدر هذا اللهو والضحك أنها مؤمنة بالحق، واثقة بالمستقبل، مطمئنة إلى أن طبائع الأشياء أقوى من مقتضيات الظروف، وإلى أن قوانين الحياة أعظم سلطانًا، وأبعد نفوذًا، وأرسخ ثبوتًا من هذه القوانين الطارئة التي يفرضها تتابع الأحداث وتوالي الخطوب.

والناس يعرفون أن المصريين قد عادوا في الأعوام الأخيرة إلى سنَّة قديمة نسختها الحضارة، وهي تأريخ الأحداث بما يلم بالناس من الكوارث والنكبات، فكانوا يقولون: وقع كذا في العام الذي تولى فيه صدقي باشا الحكم، وكانوا يقولون: وقع كذا في الوقت الذي غيَّر فيه صدقي باشا الدستور، وكانوا يقولون: وقع كذا في الوقت الذي أُطلق عليه الرصاص في المنصورة أو في بني سويف، ووقع كذا في اليوم الذي غُيرتْ فيه طريق القطار بالزعماء، فوُجِّه إلى الصحراء وضلَّ فيها يومًا كاملًا، ولم يعد الزعماء إلى دورهم إلَّا حين تقدم الليل.

وكانوا يقولون: وقع كذا وكذا من الحوادث في الوقت الذي أعلنت فيه محكمة النقض أن حوادث البداري كانت كلها إجرامًا في إجرام، وكانوا يقولون: وقع كذا وكذا من الحوادث في الوقت الذي أجرى فيه صدقي باشا الانتخابات، وأذاق فيه فريقًا من المصريين طعم النار والحديد، ثم أعلن بعد ذلك رقمه المعروف الذي جرى مجرى الأمثال للانتخابات التي تُطبخ طبخًا، وتنضج إنضاجًا، وتُصنع في كثيرٍ جدًّا من المهارة في فن الكيمياء، يضاف إليها لون من هنا ولون من هناك حتى تصبح مزاجًا عجيبًا يتألف من أخلاط عجيبة.

وكان المصريون يؤرخون بوزارة صدقي باشا وبما وقع فيها من الأحداث كما كان العامة في الأقاليم يؤرخون بالثورة العرابية حينًا، وبالكوليرا أو الشوطة أو الهيضة — كما يقول الجبرتي — حينًا آخر؛ لأن وزارة صدقي باشا كانت امتحانًا للشعب المصري المجيد بهذا النابغة السياسي العظيم، كما كانت امتحانًا لصدقي باشا نفسه بهذا الشعب أيضًا؛ فقد امتحن صدقي باشا أمته في أنفسها ودمائها وأموالها، وفي حريتها الفردية والاجتماعية، وفي كرامتها الإنسانية أيضًا، وثبتت الأمة المصرية لامتحان صدقي باشا ثباتًا رائعًا، فلم تهن ولم تضعف ولم يدركها يأس ولا قنوط، وامتحنت ابنها العاق لها في صحته، وفي مكانتها، وفي سلطانه، وفي نفوذه حتى على أشد الناس اتصالًا به وانتصارًا.

وقد فقد الشعب المصري في وزارة صدقي باشا نفوسًا وأموالًا، واحتمل خطوبًا وأهوالًا، وتعرض صدقي باشا نفسه لألوان من البلاء جنَّبه الله شرها بعد لَأْيٍ، ولكنه ما زال يذكرها وما زال الناس يذكرونها.

وكان لصدقي باشا خطوب طريفة، فالناس لم ينسوا بعد — ولن ينسوا آخر الدهر — أنه طبخ الانتخابات طبخًا، ولم ينس أن يُضيف إلى القدر الذي طبخ فيه هذه الانتخابات مقدارًا غير قليل من دماء المصريين ودموع اليتامى والأيامى والبائسين. وصنع من هذا كله مجلسًا نيابيًّا ممتازًا أيَّده أعظم التأييد ما استقام له الحكم، وخذله أصعب الخذلان حين تولى عنه الحكم وحين خلفه في الوزارة زميل من زملائه الذين تضامنوا معه أشد التضامن وأوثقه.

والناس لم ينسوا بعد — ولن ينسوا آخر الدهر — أن صدقي باشا أنشأ حزب الشعب إنشاءً، وابتدعه ابتداعًا، ونظر ذات يوم فإذا حزب الشعب قد لفظه كما تُلفظ النواة، وطرحه كما يُطرح العبء الثقيل المريب، ثم لم يمض وقت غير طويل حتى لفظ حزبُ الشعبِ نفسه لفظًا، وطرحه طرحًا، وانحلَّ كما ينحل الهباء الذي تعبث به الريح، وصدق الله العظيم: ().

والناس لم ينسوا بعد — ولن ينسوا إلى آخر الدهر — أن زميل صدقي باشا لم يكد يخلفه على الحكم، ويستأثر من دونه بالبرلمان والحزب، حتى جد واجتهد، وحقق ودقق، وهمَّ بمحاكمة زعيمه القديم وخصمه الجديد، وقضى صدقي باشا أعوامًا كانت محنته فيها أشد وأقسى من أن تدعو إلى الشماتة، فعطَّفتْ عليه قلوبًا رحمةً له، وإبقاءً عليه. وفي المصريين ميل إلى الرحمة يعصمهم من القسوة، وفيهم استعداد للعفو يزهدهم في الانتقام. كل هذا قد كان، ولم ينس المصريون شيئًا.

ثم نهضت مصر من كبوتها التي اضطرها إليها صدقي باشا، فصعدت في سبيلها إلى الاستقلال حينًا، وظفرت من خصمها الإنجليزي بشيءٍ قليلٍ أو كثيرٍ، ولكنه شيءٌ على كل حال، ومضت في طريقها متعثرة تكبو حينًا، وتنهض حينًا، وتصعد في طريقها إلى المجد تثبت استقلالها في الخارج، وتحاول أن تصلح أمرها في الداخل، وأن تلائم بين نظامها الاجتماعي ومثلها العليا في العدل دون أن تضطر إلى العنف أو تنحرف عن الاعتدال، ثم كانت الأحداث التي يعرفها الناس، وأظلنا العهد الجديد السعيد، وكان صدقي باشا دعامة من دعائمه، وسندًا من أسناده، ولكن صدقي باشا لا يهدأ ولا يستقر، ولا يحب أن يسند أحدًا، وإنما يحب أن يسنده الناس جميعًا.

وصدقي باشا ممتاز في طبعه وفي عنصره، يذيب ما حوله ومن حوله، فهو دعامة تصيب البناء الذي تدعمه، وهو عمود يقوض السقف الذي يحمله، حتى إذا انهار البناء وتراكم الأنقاض من حوله ظلَّ هو عمودًا قائمًا مرتفعًا في الجو، مستعدًّا لحمل سقف آخر وتقويضه، مستعدًّا لدعم بناء آخر وهدمه. فصدقي باشا قوة ما في ذلك شك، ولكنها قوة تذكر نفسها ولا تذكر غيرها، وهي قوة كانت في حاجة إلى أن تُوجَّه إلى الخير. وإذن فقد جعل صدقي باشا ينخر في جسم العهد الجديد الذي كان دعامة من دعائمه، وسندًا من أسناده، وجعلت ظروف الحياة المصرية تقاوم هذا العهد الجديد أولًا، وتهاجمه ثانيًا.

كان صدقي باشا ومكرم باشا عِلَّتين تنهمان العهد السعيد من داخل، وكانت ظروف الحياة المصرية عِللًا تُهاجم العهد السعيد من خارج، وكانت وزارة العهد السعيد تنتقص لتنتقص، وتنقص لتنقص؛ حتى كان يوم الجمعة أول أمس، وإذا بقية الوزارة تجتمع في دار الرياسة حين كان الناس يصلون، تجتمع لتتفرق ولتنهار، وتصبح حديثًا من الأحاديث، وطللًا من الأطلال كأن لم تغنَ بالأمس.

وتنظر مصر فإذا صدقي باشا عماد العهد السعيد وهادمه، وسند الوزارة ومذيبها، ينهض ليحمل أعباء الحكم من جديد، ويبسط يده ليقبض على أعنة السياسة المصرية.

وإذن فإلى أين يريد صدقي باشا أن يذهب بمصر في هذه المرة؟ وكيف يريد أن يسلك بها الطريق إلى غايته التي يقصد إليها؟ مسألة فيها نظر؛ فصدقي موتور قد ظلمه زميله صاحب الدولة عبد الفتاح يحيي باشا، وأخذ منه البرلمان والحزب، وليس من المهم أن يثأر صدقي باشا من زميله، فزميله ليس في الحكم ولا من برلمانه؛ فبرلمانه قد ذاب كما يذوب الملح، ولا من حزبه؛ فحزبه قد تفرق كما يتفرق الهباء.

وإنما المهم أن يثأر من أي إنسان، ومن أي برلمان، ومن أي حزب. ألا يمكن أن يأخذ صدقي باشا من صديقه أمس، وخصمه أول أمس، وخصمه غدًا؛ من دولة النقراشي باشا كثرته البرلمانية، كما أخذ دولة يحيي باشا منه تلك الكثرة البرلمانية في يوم من الأيام؟ إحدى اثنتين: إمَّا أن تنحاز الكثرة في مجلس النواب إلى صدقي باشا على رغم الأصدقاء والخصوم، وإمَّا أن يطلب صدقي باشا حل مجلس النوَّاب.

أليس تأجيل البرلمان يجري ذكره على الألسنة منذ أمس؟ فإذا انحازت الكثرة إلى صدقي باشا؛ فوارحمتاه لزعيم السعديين، ووارحمتاه للمجاهد الكبير. فأمَّا الأحرار الدستوريون فقد عرفوا من أين تؤكل الكتف، وقد أخذوا من هذه الكتف نصيبهم وإن كان ضئيلًا. وإذا انحرفت الكثرة عن صدقي باشا — وأكبر الظن أنها لن تنحرف — فحل مجلس النوَّاب ميسور، وطبْخ الانتخابات أشد منه يسرًا، والرقم المشهور ما زال مذكورًا، ولا بأس بأن يجري على الألسنة من جديد. وإذا أُثيرت المصاعب أمام صدقي باشا ولم يكْفِ حلُّ مجلس النواب؛ ففي إماتة الدستور وإحياء دستور آخر مُتَّسعٌ للذين يريدون أن يؤدِّبوا الشعب المصري ويحملوه على الجادة راضيًا أو كارهًا.

كل شيءٍ جائز. إذن جائز أن يجد صدقي باشا في مجلس النواب كثرة تؤيده وتنحاز إليه يودها مكرم باشا والنقراشي، وجائز أن يحل صدقي باشا مجلس النواب ويطبخ مجلسًا نيابيًّا جديدًا، وجائز أن يقيم صدقي باشا دستورًا مكان دستور. فأمَّا السياسة الخارجية فأمرها إلى الله، وأمَّا العدل الاجتماعي فيجب أن يستخفي إن أراد ألَّا يتعرض للموت، وألَّا يصبح هزءًا وسخرية. وأمَّا الأهداف الوطنية فيجب أن تُكظم في الصدور، وألَّا تنطق بها الألسنة إلَّا في تحفظ وخوف واستحياء. لقد هزل المصريون فأكثروا الهزل، ومازح بعضهم بعضًا فأسَفُّوا في المزاح، وهمَّ النقراشي باشا أن يعلمهم الجد فلم يفلح؛ لأن حظه من المرونة ضئيل، ولأن نصيبه من اتساع الأفق لا يكاد يذكر. فأمَّا صدقي باشا فمرن إلى أبعد غايات المرونة، واسع الأفق إلى غير مدى، ولَّاج خرَّاج لا يضيق به شيء، ولا يضيق هو بشيء.

دعا الأحزاب التي كانت مؤتلفة إلى أن تتبعه، فلما امتنعت عليه مضى وهو يقول لنفسه: ستعلم هذه الأحزاب أنها إنما عرَّضت نفسها لشرٍّ عظيم. ليس المهم إذن أن تتحقق المطالب الوطنية، ولا أن تتحقق الديمقراطية صحيحة أو مزيفة، وإنما المهم هو أن يحكم صدقي باشا، وأن يحكم غدًا كما حكم أمس:

فالشيخ إن قومته من زيفه

لم يقم التثقيف منه ما انحنى

وقد نيف صدقي باشا على السبعين فيما يقال، فلم ينتفع — ولن ينتفع — بتجارب الذين خلوا من قبله، ولكنه سيضعف ما أطاقت صحته العنف، إلَّا أن يكون الشعب المصري نفسه قد انتفع بالتجارب؛ فصدقي باشا شيخ لأنه فرد، والأفراد يشيخون ويضنون أيضًا. والشعب المصري فتى؛ لأنه شعب والشعوب الحية حقًّا لا تشيخ ولا تضعف ولا تفنى، وهي تنتفع بالتجارب، وتستفيد من الأحداث والخطوب، وكلما تقدمت بها الأيام ازدادت قوةً وبأسًا وقدرةً على المقاومة.

والشعب المصري قد صرع وزارة صدقي باشا مرة، وصرع وزارة النقراشي باشا أول أمس، وسيصرع وزارة صدقي باشا غدًا أو بعد غدٍ ما في ذلك شك، ولكن الشيءَ الذي يحزن القلوب حقًّا هو هذا الوقت الذي يضيع في تجارب لا تغني ولا تفيد. فإذا اقتضت الظروف أن ينهض صدقي باشا بالحكم اليوم؛ فإن طبيعة الأشياء وحقائق الحياة تقتضي أن ينزل صدقي باشا عن الحكم، وأن ترد أمور الشعب إليه، وستُردُّ إليه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.