قرأنا هذين الخطابين بما هما جديران به من الاهتمام والعناية والاحترام، ومع أن خطاب الأستاذ الثعالبي، كما نشرته الصحف في وصف الاجتماع الذي أقامته جمعية الشبان المسلمين أوفر إسهابًا، فإنه الجوهر، وفي طائفة غير يسيرة من التفاصيل متوافق وخطاب مولانا شوكت علي، فحمدنا للأستاذ الثعالبي بيانه عن روح السلم والسماحة في الإسلام، كما حمدنا لكل من الزعيمين الكبيرين محبتهما لهذا الشرق العظيم ورغبتهما في إنهاضه وتحريره وإسعاده باستعادة مجده السالف ليكون مؤثِّرًا في الأمم دون الاقتصاد على تلقي التأثير منها. وبديهي مِنَّا الاهتمام والحمد، ونحن عناصر من هذا الشعب تنادي اليوم جميعًا بالتكاتف والنهوض والسير إلى الأمام، لأننا أدركنا هذه الحقيقة الحيوية، حقيقة التفاعل الثقافي والاجتماعي والبيولوجي وغيره بين أبناء البلد.

وقد استوقفنا من خطابي الزعيمين القول الواحد الذي يعني وجوب مقاطعة كل فكرة جديدة وكل أسلوب مستحدَث، والاكتفاء بما خلَّفه الماضي من الأفكار والأساليب ووسائل المعيشة.

استوقفنا ذلك القول — نحن الذين درسنا تاريخ الإسلام وأكبرنا الخدم التي قدَّمها الإسلام للعالم — ذكرنا أن الإسلام لم يكن منذ نشأته إلا متحركًا، سائرًا، مجدِّدًا، مستفيدًا من كل ما تَحسُن الاستفادة منه، ذكرنا أن الإسلام بفضل استيعابه حكمة الإغريق وعلوم اللاتين، وتلخيصه آداب الفرس والهنود وغيرهم، استطاع أن ينمي آدابه وعلومه وحكمته مرتكزًا على وحي الكتاب الكريم، فأسَّس الجامعات الأولى التي كان يتعلم فيها المسلمون وغير المسلمين، واستطاع أن يكون رابطةَ الثقافة والنور بين حضارات الماضي وحضارة الحاضر.

وها هي ذي الهندسة الإسلامية نراها ماثلة في الجوامع الفخمة الأنيقة تحفة فنية تباهي العصور، فنعلم أنها مقتبَسة من هندسات بنائية شتى، عرفت المدنية العربية أن تؤلِّف بينها بسليقة فنية ناضجة دقيقة، وتطبعها بطابعها الخاص، فأصبحت طرازًا بنائيًّا خاصًّا بين مختلف العمارات.

وَلْنَجُزْ في لمحة واحدة جميع العصور السالفة لنصل إلى يومنا هذا، ناظرين مثلًا إلى بنك مصر الذي نباهي به جميعًا ونعتز برجاله البررة الأماجد، ونعتقد أنه مع الشركات التابعة له من أهم أُسُس الاستقلال والنشاط في البلاد. تُرَى أكان طلعت بك حرب وإخوانه يستطيعون أن يفوزوا بالتفاف الشعب حولهم، وأن يجابهوا ببنكهم وشركاتهم المعاهد المالية والصناعية الأجنبية، لولا أنهم عرفوا أن يأخذوا بنفس النُّظُم الجديدة، منتفعين بالمستحدَثات العصرية من أدوات وأساليب وترتيب؟ وهذا المجلس الصحي الاستشاري الذي قرَّر سعادة الدكتور شاهين باشا، طبيب الأسرة المصرية الشاملة وأعوانه في مصلحة الصحة، دعوته وعقده ليدفعوا عن القطر المصري شر الأنفلونزا الفاشية في بعض الأقطار الأوربية — أيكون عمله مستنكَرًا لو هو استعان بوسائل الوقاية الحديثة، واتخذ الإجراءات اللازمة لصيانة البلاد من الوباء الداهم؟

والدكتور علي إبراهيم باشا، «الجزار الرحيم» الذي هو أحد أعضاء هذا المجلس، ماذا عساه يصنع إنْ هو لم يأخذ في عملياته وعلاجاته بالطرق المستحدَثة كلَّ يومٍ في تشخيص العلل والجراحة والطب، واصطناع كل مستحدَث مفيد من الأدوات والأجهزة والآلات والعقاقير الطبية؟ وهل أَخْذُ جميع هؤلاء الأفاضل بهذه الوسائل الحيوية يُعَدُّ «تقليدًا»؟ أم يُعَدُّ عِلمًا وخيرًا وبركة؟ أم هو بالحري واجب لازب لتأدية العمل على وجه الكمال الميسور وإتقانه الإتقان المطلوب؟ إننا مع محبتنا للزِّيِّ الشرقي الجميل، ومع استحسانه لطائفة من رجال الدين والعلماء، نتساءل هل هو يُستحسَن لباسًا للمجموع؟ وإذا وجب على المجموع مقاطعة الزِّيِّ الذي نسمِّيه أوربيًّا، أفلا يجب كذلك مقاطعة سائر مرافق المعيشة؟ تجب مقاطعة السيارة والقطار والباخرة، ومقاطعة النور الكهربائي للاستضاءة بنور الشمعة أو السراج القديم، ومقاطعة التلغراف اللاسلكي وربما السلكي أيضًا، والتليفون والمطبعة … إلى ما لا نهاية له من وسائل المعيشة: الراحة والوقاية والتعليم والثقافة في صيغها الجديدة.

إن الأقدمين من الإغريق والرومان كان لباسهم أقرب إلى الزِّيِّ أو الأزياء الشرقية الحديثة، حتى الإنجليز والفرنسيس والألمان وغيرهم من الشعوب التي جاءت بعد عصور اليونان والرومان، كانوا جميعًا يصطنعون أزياء هي غير الزِّيِّ الذي شاع اليوم بينهم، كما شاع بين خلفاء إغريقا وروما من اليونان والطليان، وما ذلك إلا لأن هذا الزِّيِّ أنسب لمقتضيات العصر، وأوفق لما تتطلبه الحياة الراهنة من سرعة الحركة والانتقال والاقتصاد في نفقات الملابس أيضًا.

وها هي اليابان التي ليست بالدولة الإسلامية ولا بالمسيحية؛ ومع أنها لا تزيد على الخمسين مليونًا إلا قليلًا، فهي الدولة الشرقية التي تحسبها دول أوربا من مرتبتها في الحرية والاستقلال، والجانب المرهوب والكلمة العالية والصوت المسموع، فما الذي وصل بها إلى هذه المكانة التي تُحسَد عليها؟ إنها اقتبست كل ما يَحْسُن اقتباسه من العوامل الجديدة، وتلقفت بذكاء وسرعة مستحدَثات الغرب، وأخذت تنشئ في هاتيك المناهج وتبتكر، حتى تمكنت من الوقوف أمام الدول القوية علمًا بعلم، وأسطولًا بأسطول، وتجديدًا بتجديد، وهي مع ذلك لم تنبذ دينها القديم، حتى ولا أقلعت عن طائفة من تقاليدها السحيقة، على نحو ما جاء في محاضرة قنصل اليابان بالإسكندرية منذ أسابيع قليلة، فهل يُحسَب هذا فناء لليابان، أم هو انتعاش وبعث تتمنَّى مثله الشعوب الإسلامية، وكل شعب مغلوب على أمره؟

أقول «كل شعب مغلوب على أمره» لأنه جاء في خطاب الزعيمين الجليلين أن دول الغرب تتقصد الشعوب الإسلامية بوجه خاص، والواقع أن الدول القوية ترمي إلى السيطرة على كل شعب ضعيف، مسلمًا كان أم مسيحيًّا أو غير ذلك.

ودليلنا الحاسم هو الهند، والمسلمون فيها أَقَلِّيَّة والهندوس أكثرية وأية أكثرية، هل هي الآن على حالها إلا لأن إنجلترا يوم أن وضعت يدها عليها، لم يكن للهند من الحول العلمي والطول الميكانيكي والصناعي ما يَرُدُّ عنها هجمات الهاجمين؟

وبين دول الغرب اليوم من التناشز والتنافر والطمع ما بينها، مع أنها جميعًا مسيحية، وقد اشتبكت فيما بينها بالحروب الدموية مرات عديدة في أدوار التاريخ، والسبب مرةً التنافس على المستعمرات، ومرةً اقتحام إحداها أو بعضها أرضَ جاراتها الأوربيات، والرغبة في ضمِّها إلى أملاكها. وحسبنا أن نذكر منها هنا الألزاس واللورين التي ما زالت سببًا للخلاف، وبلجيكا وهولندا اللتين لم تتمتع كل منهما باستقلالها إلا منذ قرن وبعض قرن فقط، وبولندا التي يتوقعون منها كل يوم تطاير الشرارة التي تُلهِب القارة الأوروبية بأسرها، وهناك مشاكل إيطاليا وفرنسا التي ليست قاصرة على الممتلكات الآسيوية والأفريقية، بل أهمها بينهما في قلب القارة الأوربية، وأما مشاكل بلقانيا فهي عديدة، ولا نرى للأديان فيها يدًا، بل هي اقتصادية، أو هي توسُّعية طلبًا للموارد الاقتصادية في صميمها. وللوقوف في وجه القوي المقتحِم من أي النواحي أَقْبَلَ، وسيلةٌ واحدةٌ هي اصطناع وسائل العلم والميكانيكا والكيمياء والصناعة وغيرهما على النحو الذي تفوَّقتْ فيه أوربا، وهي منه كل يوم في تجديد وابتكار، بل إن الدول الأوربية لا تتنافس فيما بينها وتبغي التغلب وبسط السلطان إلا بواسطة هذه الوسيلة المتعددة الوجوه والفروع. أما «التقليد» فلا يترددون في اقتباسه إذا كان مفيدًا، ومثالٌ صغيرٌ لذلك: أن خلال الحرب أدركتْ بعضُ الدول أن أزياء جنودها ذات الألوان الزاهية أو البارزة كانت تجعلهم أكثر تعرُّضًا لنار الأعداء، فسارعت إلى استبدالها بلون «الكاكي» دون أنْ تبحث أي الدول كانت أسبق إلى استعماله، ودون أن تخشى الاتهام بالتقليد.

هذه هي ملاحظاتي، وإنْ أنا أقدمت على بسطها فلأني لا أرى في الزعيمين الكبيرين إلا ما عهدناه في كبار علماء الإسلام من رحابة الصدر، وسعة المدارك، ودقة الملاحظة، والنظرة الشاملة إلى حالة العالم والدوافع الجوهرية التي تسوق الشعوب، ولأني أعتقد أنه مع وجوب المحافظة على الصميم القديم من المبادئ والأفكار والتقاليد، لا نهضة حقَّة للشرق إلا باقتباس المفيد الحيوي من الوسائل الحديثة التي يخلقها العلم والاختراع والابتكار والاكتشاف في اطِّراد عامًا بعد عام، وفي متعدد الفروع والأبواب. وهي بَعْدُ ملاحظاتي منذ درست تاريخ الحضارة، فأكبرت ما حواه الإسلام من المبادئ الشريفة والعواطف الإنسانية السامية، وقدَّرت فضله في خِدَمه الجُلَّى لترقية العالم، كما أنها تعجب بنهضة أبنائه اليوم للدفاع عن كيانه.

… وملاحظات مَنْ تشعر هي كذلك بالحاجة الوجيعة إلى أن يكون لها وطن …

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.