أذاعت الصحف منذ حين أن دار المندوب السامي البريطاني أرسلت إلى وزارة الأشغال المصرية مذكرة زعمت فيها أن الماء لا يوزع بين الناس بالقسط في بعض أنحاء مصر، وأن صغار الملاك والزراع يظلمون ويحرمون ليستأثر نفر من كبار الموظفين بالماء، وألحَّت الصحف في إذاعة هذا النبأ، وطلبت إلى الوزارة أن تبيِّن للناس وجه الحق فيه، وألحَّت في هذا الطلب أيضًا.

ولكن إلحاح الصحف في الإذاعة وإلحاحها في الطلب، لم يُغْنِيا شيئًا، ولم يخرجا وزارة الأشغال ولا رياسة الوزراء عن هذا الصمت العميق المريب.

هنالك انتقلت الصحف من الإلحاح في الإذاعة، والإلحاح في الطلب، إلى تحدي الوزارة والجزم بأن الخبر صحيح لا غبار عليه، ولا شك فيه، ثم أخذ بعضها يتحدَّث عن نزاهة الحكم ويسأل النيابة ما بالها لا تحقق هذه القصة كما حققت قصصًا أخرى من قبل؟ والوزارة مع ذلك مغرقة في صمتها العميق المريب. ثم ظهرت المقطم مساء أمس وفيها أن وزارة الأشغال قد ردت على مذكرة المندوب السامي، وأثبتت بالبرهان القاطع أن مصلحة الري لم تتورَّط في جور ولا حيف، وأن المصريين جميعًا سواء يأخذون حظوظهم من الماء بمقدار حاجتهم، لا فضل لموظف على غير موظف ولا فضل لقوي على ضعيف، ولا فضل لصاحب لقب ورتبة على غير ذي لقب ورتبة.

ومعنى هذا كله أن النبأ في جوهره صحيح، ما دامت الوزارة لم تكذبه إلى الآن برغم هذا الإلحاح المتصل الطويل، وإذن فقد أرسلت دار المندوب السامي مذكرة إلى وزارة الأشغال، تتحدث فيها عن الري وتوزيع الماء، وتطلب فيها إلى وزارة الأشغال، دفعًا لبعض الشبهات أو رفعًا لبعض المظالم، وإذن فقد ردت وزارة الأشغال على دار المندوب السامي، فحاولت دفع هذه الشبهات، ولعلها وفقت من ذلك إلى ما تريد. ولكن المسألة التي تعنينا الآن ليست هي نزاهة الحكم، وليست هي توزيع الماء بالقسط بين المصريين، وليست هي ارتفاع مصلحة الري عن إيثار الأقوياء على الضعفاء، ومحاباة الأغنياء دون الفقراء، فكل هذه مسائل نتحدث فيها فنطيل الحديث، وهي موضوع الخلاف المتصل بين المعارضة والوزارة لا في الري وحده، بل فيه وفي غيره من المرافق المصرية كلها.

إنما المسألة التي تعنينا والتي يجب أن يُعنى بها المصريون جميعًا والتي نحبُّ أن نعرف فيها رأي رئيس الوزراء ووزير الخارجية لا رأي وزير الأشغال، هي تدخل دار المندوب السامي بين المصريين والوزارة المصرية في مثل هذه الأمور. فالذي نعلمه أن إنصاف المصريين للمصريين أو ظلم المصريين للمصريين، وأن إيثار فريق من المصريين بالماء على فريق، وأن انحياز الوزارة لجماعة من المصريين دون جماعة، كل هذه مسائل مصرية خالصة، لا تمسُّ الأجانب من قريب ولا من بعيد، وهي إذن لا تستطيع أن تتصل بالتحفظات التي يتعلق بها الإنجليز، وهي إذن لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون موضوع حديث بين دار المندوب السامي وبين الوزارة المصرية؛ لأن دار المندوب السامي حين تعرض لها تتجاوز ما احتفظت به لنفسها من الحق، أو مما تسميه الحق في تصريح ٢٨ فبراير؛ ولأن الوزارة المصرية حين تقبل مثل هذا الحديث من دار المندوب السامي تفرط في الاستقلال، وتقصر في ذات الوطن، وتُبِيح للإنجليز ما لم يبيحوه لأنفسهم.

فهل يستطيع رئيس الوزراء، ووزير الخارجية — وهو بحكم منصبه أمين على ما في يد مصر من الاستقلال، مكلَّف أن يزيده، ممنوع أن ينقصه أو يعرضه للنقص — هل يستطيع رئيس الوزراء أن يبيِّن لنا كيف استطاعت دار المندوب السامي أن تدخل فيما لا ينبغي لها أن تدخل فيه من شئون المصريين، وكيف قبل منها هو هذا الدخول، فسكت عليه، نستغفر الله، بل أجازه إن صح ما روته المقطم أمس، فردَّ أو ترك زميلًا له يرد على هذه المذكرة، التي أرسلتها دار المندوب السامي إلى وزارة الأشغال؟

الذي نعلمه أن الواجب كان يقضي على وزارة الأشغال بإحدى اثنتين ليس لهما ثالثة؛ فإما أن تهمل هذه المذكرة إهمالًا؛ لأنها صدرت عمن لا يملك إرسالها، وهذا أضعف الإيمان بالاستقلال، ولكن فيه إيثارًا للعافية واحتفاظًا سلبيًّا بالكرامة، وإما أن تحوِّل هذه المذكرة إلى وزارة الخارجية، أو إلى رياسة الوزارة ليرد عليها رئيس وزرائنا الرجل الطيب، لا بالمناقشة في موضوعها، ولا بالدفع لما اشتملت عليه من تهم، أو شبهات، بل بإنكار توجيهها من جهة، وتوجيهها إلى وزارة الأشغال دون رياسة الوزراء أو وزارة الخارجية من جهة أخرى.

هذا هو الذي نعلمه ويعلمه غيرنا من الذين يريدون أن يصدقوا أن لمصر حظًّا من الاستقلال، وأن وزارة الرجل الطيب تفهم واجبها لصيانة هذا الاستقلال، والقيام دونه وحمايته من أن يتحيَّفه الإنجليز.

ولكن وزارة الرجل الطيب تفهم الأمور على وجه آخر؛ فنحن مستقلون، ولكن استقلالنا لا يمنع الأجنبي من أن ينصف ضعفاءنا من أقويائنا، وفقراءنا من أغنيائنا، ومن أن يردَّ وزراءنا إلى العدل إن آنس منهم جورًا، وإلى الإنصاف إن آنس منهم تحيزًا أو محاباة. وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تقبل تدخل الإنجليز في مثل هذا الأمر فكيف لا نعذر الناس إذا شكوها إلى الإنجليز؟ وإذا أباحت وزارتنا لنفسها أن تدافع عن أعمالها أمام دار المندوب السامي فكيف لا نعذر الناس إذا استعدوا عليها هذه الدار؟

إن الأمر خطير حقًّا، وهو في حاجة إلى بيان رئيس الوزراء، فقد نحبُّ أن نعلم أحق أن دار المندوب السامي قد تدخلت في شئون الري، وأن وزارة الأشغال ردت عليها مدافعة عن مصلحة الري؟

فإن كان هذا حقًّا فقد أثمت الوزارة في ذات الوطن، وقد فتحت الوزارة للإنجليز هذا الباب الذي يستفتحونه منذ أمد بعيد، وهو باب العهد الكرومري، وقد رضيت الوزارة أن يكون الإنجليز قضاة بينها وبين المصريين في الشئون المصرية الخالصة.

وكل هذه سيئات ثقال ما نظن الوزارة تستطيع أن تحملها، فلتبيِّن لنا الوزارة حقيقة هذا الأمر، فلن نتأخَّر عن الثناء عليها إن كانت قد وقفت دار المندوب السامي عند حدها، وردتها إلى ما يجب عليها من احترام الاستقلال المصري. ولن نتردد في أن نصارحها بأن بقاءها في مناصب الحكم شرٌّ إن كانت قد تورطت في هذه السيئات التي تحمل عليها، وقبلت من دار المندوب السامي هذا العدوان الصارخ على الاستقلال.

أما بعد؛ فإن أمر هذه المذكرة أخطر ألف مرة ومرة من أمر النزاهة في الحكم، وعلى الصحف المصرية الوطنية واجب ما نظن أنها ستقصِّر في القيام به، وهو أن تلحَّ وتلحَّ حتى تحمِلَ الوزارةَ على أن تصارح الناس بحقيقة ما كان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.