١

ما أجمل الربيعَ الذي وُلدتُ فيه، وما أجملَ الشمسَ التي تبزغ في الصباح فتملأ جسمي حرارة! وما أجمل سلم القصر الكبير الذي نشأت في حديقته، أرى الناس تصعد إليه وهم ينظرون إليَّ نظرة إعجاب، وتارة يبتسمون ابتسامة حلوة لذيذة أرقص لها طربًا وأميل تيهًا ودلالًا. وإذا مشى رَبُّ الدار في الحديقة يقف أمامي، ويمد يده إليَّ، ثم تأخذه الشفقة على جمالي الفاتن، فيسير في طريقه وهو يبتسم، وما رَبُّ الدار إلا رجل من سراة القوم وأغنيائهم منيع الحوزة عزيز الجانب، قطع من الحياة مرحلة كبيرة، ولكنه ما زال غض الإهاب صبيح الوجه.

أنا بيضاء اللون، جميلة الشكل، تبللني قطرات الندى في الفجر، وتنعشني أشعة الشمس في الصباح، وتؤلمني حرارتها في منتصف النهار. وإذا مر بي النسيم وقد مالت الشمس للغروب، أشعر بلذة غريبة، ويدب النعاس في أجفاني، فإذا أقبل الليل أنام نومًا هادئًا لطيفًا إلى أن توقظني قطرات الندى، وهي تتساقط على غلائفي البيضاء. أنا في هذه الحديقة زهرة الحسن والجمال.

٢

استيقظت في فجر اليوم، فوجدت أمامي شابًّا وضيء الطلعة رقيق القشرة، يترقرق في وجهه ماء الجمال، يئنُّ ويبكي، ويمشي في الحديقة مِشيَةَ الحائر اليائس، ثم يعود إليَّ، ويقف أمامي وهو ساهي الطرف قلق الخاطر.

مسكين أيها الشاب الجميل! ما الذي استوقد صدرك ومزَّق أحشاءك؟ وعلامَ أنت متلهف القلب ناكس البصر؟ ومن أنت؟ لا تجب أيها الشاب! لقد عرفتك، أنت ابن رب الدار. أنت غني ابن غني وسري ابن سري، تسكن القصر المنيف، وتلبس الحرير، وتنام على الدمقس، فعلام تبكي وتنتحب؟! ما الذي تفعله أيها الشاب؟ قف لا تتقدم … لا تمد يدك إليَّ! حرام أن تقطفني وأنا في ربيع العمر، صبرًا أيها الشاب انتظر!

ولكنه لم يأبه لقولي، لقد مد يده إليَّ، وقطع ساقي الجميل، وصعد بي على السلم، ثم دخل غرفته، وهناك بللني بدموعه الحارة، فامتزجت دموعه بقطرات الندى.

٣

ثم أشرقت الشمس، فوضعني على صدره، وغادرنا الدار معًا، وأنا لا أعلم إلى أين يسوقنا القدر. ثم وصلنا لبناء كبير اجتزنا بابه، ودخلنا فناءه. وهناك سمعت صفيرًا، ورأيت دخانًا، فعلمت أننا في محطة كبيرة. ومشى الشاب على إفريز المحطة وهو يحملني على صدره، وكان ينظر تارة إلى الأرض، وطورًا إلى السماء، ويخرج ساعته من جيبه، وينظر فيها. ثم نشط من عقاله، وهمَّ يستقبل شخصًا لم ترَ عيني أجمل منه.

وحدَّقت نظري في الشخص القادم، فوجدته فتاة رقيقة ناعمة هيفاء القوام سمراء الوجه، تلوح عليها ديباجة الحسن، وينبعث من عينيها بريق العفاف والطهر.

ثم تعانقا، فشعرت بلهيب تلك النار التي كانت تتأجج في صدريهما، وافترقا خشية أن تحرقني تلك النار. وركبت الفتاة في عربة من عربات القطار، فنزعني الشاب من صدره، وأعطاني للفتاة وهو يقول: «إليك هديتي، إليك زهرة الحب، إليك نبع الذكرى والوفاء.» فأمسكتْ بي، ووضعتني في صدرها.

ثم دق الحارس الناقوس، وسمعنا صفير القاطرة تتأهب للرحيل، فسالت دموع الفتى والفتاة، وتعانقا مرة أخرى، ثم سار القطار بين المروج الخضراء.

كنت في حديقة القصر زهرة الحسن والجمال، فأصبحت على صدر الفتاة زهرة الحب ونبع الذكرى والوفاء.

٤

جلست الفتاة في غرفة من غرف العربة، وهي تلثمني وتضمني وتبللني بدموعها، ولم يكن في الغرفة سوانا، فحادثتني الفتاة قائلة: «يا زهرة الحب، ويا نبع الذكرى والوفاء، لقد حكم الدهر بيني وبين من أحب لفراق إخاله أبديًّا. هو غني وأنا فقيرة، هو سعيد وأنا تعسة، وحرام أنا أهدم سعادته، وأحطم آمال أبيه. ولكني صادقة الوعد كريمة العهد، وسوف أفي له بعهدي، تلك اليمين بررت بها، وأمضيتها على الصدق.»

ثم وقف القطار في محطات كثيرة إلى أن وصل إلى محطة صغيرة نزلت فيها الفتاة وهي تحملني على صدرها.

وسارت في طريقها إلى أن وصلت إلى دار حقيرة صعدت سلمها، فقابلتها امرأة عجوز، وتعانقا عناقًا طويلًا، ثم قالت الفتاة: «لقد أتيت يا خالتي إليك، وفي دارك ألقي عصا ترحالي. لم أنجح في المدينة، فآثرت أن أعمل هنا في البلدة الصغيرة.» ومكثا يتحدثان إلى أن أقبل الليل، وأوى كلٌّ إلى مضجعه، مسكينة تلك الفتاة، لعلها يتيمة لا أب لها ولا أم.

٥

مر يومان على هذا الحادث، فدخلت الفتاة في غرفتها وهي ضاحكة السن وفي يدها مكتوب. ثم انتزعتني من لفائف القطن التي وضعتني فيها خوفًا عليَّ أن أذبل وأموت، وقرأت أمامي الخطاب، ثم قالت: «يا زهرة الحب، ويا نبع الذكرى والوفاء، هاكِ كتاب من أحب! إنه يقيم على وعده، وحاشا لمثله أن يغدر بي.» ثم تنهدت، وسحت أجفانها بالدموع، وقالت: «أمل لا يطول، هو غني وأنا فقيرة، هو سعيد وأنا تعسة، وحرام أن أهدم سعادته وأحطم آمال أبيه.» ثم جلست القرفصاء، وقالت: «أين أنت يا أمي؟ أين أنت يا أبي؟» وأعادتني إلى لفائف القطن، وخرجت من الغرفة.

مسكينة تلك الفتاة! إنها حقًّا يتيمة لا أب لها ولا أم.

٦

لبثنا ثلاثة أشهر والخطابات لا تنقطع، تارة تسمعني الفتاة خطابات حبيبها، وطورًا تتلو عليَّ خطاباتها قبل أن تضعها في صندوق البريد. ثم دخلت غرفتها في صبيحة يوم من الأيام، وقالت لي بعد أن انتزعتني من لفائف القطن: «يا زهرة الحب، ونبع الذكرى والوفاء، بدأ الحبيب أن يمل الكتابة، لقد تأخر خطابه وقديمًا يتولى النسيان نكث العهود.»

ثم بكت، وأرسلت زفراتها، وسمعتُ شهيقها يتردد في صدرها الخافق.

مسكينة تلك الفتاة! لقد بدأت أن تستيقظ من حلمها اللذيذ.

٧

ومضت ثلاثة أشهر أخرى، فدخلت الفتاة في غرفتها، وقالت لي: «يا زهرة اﻟ … ونبع الذكرى والوفاء، معذرة أيتها الزهرة الذابلة إذا لم أدعك بزهرة الحب؛ فقد جف عوده، وتهدمت أركانه، لقد نسي الحبيب غرامه، ونكث عهده، وما قلب الرجل إلا كالطائر يتنقل من غصن إلى غصن.»

ولم تبكِ الفتاة، ولكني رأيت وجهها أصفر اللون، وصدرها يعلو ويهبط، وقرأت في عينيها سطرًا خطته يد الألم الصامت والهم الدفين.

مسكينة تلك الفتاة! لقد انقضى حلمها اللذيذ.

٨

أنا لا أسكن الآن لفائف القطن، ولكني أسكن صدر الفتاة، إنها لا تفارق سريرها الآن؛ لقد دب في جسدها النحول، وغارت عيناها الجميلتان، وخفت صوتها الساحر، وأصبحت كالجثة الهامدة لا تتحرك إلا إذا مدت يديها إليَّ لتستنشق من غلائلي الذابلة بقية أريج ذلك الحب القديم.

٩

اليوم ناحت النائحات، ودوَّى في المنزل الصغير صراخ تلك الخالة المسكينة، اليوم حملوا جثة الفتاة، وساروا بنعشها بين الحقول إلى أن وصلوا إلى المقبرة، وهناك وضعوا الفتاة في حفرة مظلمة، ووضعوني على صدرها، ثم أهالوا التراب علينا.

ونثروا على القبر زهورًا قليلة، ولكنهم بللوه بدموع كثيرة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.