تسود العالم موجة من التفاؤل منذ أُعلن نجاح مؤتمر الرؤساء الأربعة: أيزنهاور، وإيدن، وفور وبولجانين يوم السبت الماضي، بعد أن ظل الناس يتابعون أنباء هذا المؤتمر في وجلٍ يزداد يومًا بعد يوم، على أثر ما كانت تذيعه من توقع الفشل للأقطاب المشتركين فيه فشلًا يرد هؤلاء الأقطاب إلى بلادهم ولم يحققوا شيئًا من الغرض الذي اجتمعوا من أجله. ومخاوف الناس من فشل المؤتمر قد ضاعفت غبطتهم بنجاحه، وزادتهم تفاؤلًا بالمستقبل، وأملًا في أن تنقشع سحابة الفزع التي أظلت الدول كلها خلال السنوات العشر الماضية، منذ نهاية الحرب العالمية الأخيرة إلى وقتنا الحاضر.

والناس في أمم الأرض كلها يتتبعون الأنباء التي تنشر على لسان هؤلاء الرؤساء بعناية بالغة واهتمام متزايد؛ ذلك أن العالم كله قد سئم الحرب الباردة التي طال أجلها، ولأن الناس جميعًا يريدون السلام مخلصين، وهم يريدون السلام من قلوبهم ومن أعماق وجدانهم، ويريدون أن يُمهد الجو الدولي لهذا السلام تمهيدًا يزيدهم طمأنينة لغدهم، واقتناعًا بأن الحضارة ليست معرضة للانهيار، وأن البشرية ليست مهددة بالفناء.

ومن حق الناس أن يغتبطوا وأن يتفاءلوا، فلم يعرف تاريخ الإنسانية موقفًا كهذا الموقف الذي أظل العالم خلال السنوات العشر الماضية، فهو موقف شاذٌّ ليس بالحرب ولا بالسلم، وليس هو الصلح ولا الهدنة التي تسبق الصلح، بل هو موقف ملبد بالغيوم القاتمة التي تزداد كل يوم قتامًا، وتحتوي من آيات الدمار ما رأى الناس بعضه حين ألقيت القنبلتان الذريتان على اليابان في أخريات الحرب الماضية. وهم اليوم أشد فزعًا إذ يسمعون بالقنابل الهيدروجينية، وبما يبدعه العلم كل يوم من آلات الدمار والفناء؛ لهذا كانوا يتوجسون كل يوم شرًّا. فلما قيل لهم إن مؤتمر الرؤساء في جنيف قد نجح، فأبعد شبح الحرب؛ تنفسوا الصعداء، وتوسموا أن يبدأ عهد جديد يسترد الناس فيه أنفاسهم المبهورة، ويعودون معه إلى الحياة الهادئة التي تعرف الطمأنينة وإن لم تعرف السعادة.

والواقع أن السنوات العشر التي انقضت منذ نهاية الحرب الأخيرة في أوروبا كانت مليئة بأحداث لا نظير لها في التاريخ. لقد أعلن الحلفاء أثناء الحرب؛ أمريكا وإنجلترا وروسيا، أنهم لن يقبلوا من ألمانيا إلا التسليم بلا قيد ولا شرط، وإنما ألِفَ الناسُ في الحروب على أن تسبق التسليمَ هدنةٌ تكون أساسًا للصلح الذي يعقد بعدها. أما التسليم بغير قيد ولا شرط فمعناه أن المنهزم لم يبق له في الحياة الدولية وجود، ولم تبق له فيها أهلية للتعاقد على الصلح، وأنه يجب عليه أن يذعن لكل ما يفرضه المنتصرون — مهما يكن ظالمًا — من غير أن يناقشهم، وذلك ما حدث بالفعل. قرر الإنجليز والأمريكان والروس في يالتا وفي بوتسدام صورة العالم كما يريدونه، فقسموا ألمانيا إلى غربية وشرقية واحتلوها، واحتلوا النمسا كذلك، وأخذوا بيدهم مقاليد الأمر في هذه البلاد المنهزمة المحطمة، لكنهم لم يلبثوا بعد ذلك إلا قليلًا ثم رأوا أن الأمور لا يمكن أن تسير كما قدروا، ورأوا أن بينهم هم من الخلافات الجوهرية ما لا سبيل فيه إلى اتفاق على صورة يستقر في إطارها العالم الجديد، ثم رأوا أن البلاد الخاضعة لسلطانهم في آسيا وأفريقيا تنفض عن أكتافها نير المذلة والإذعان، ورأوا في العالم كله ثورة جامحة يريد كل شعب أن يكون صاحب الكلمة العليا في تقرير مصيره. أما والحال على هذا النحو فإذا وقعت حرب غدًا فكيف تدور رحاها؟ وما عسى يكون مصير الغالب أو المغلوب فيها؟ وعن أي النتائج تتمخض هذه الحرب وآلات الدمار التي أبدعها العلم تهدد الإنسانية بالفناء؟

كان الساسة في الدول الكبرى يرون هذه الأحداث تتوالى، ويرون كذلك أن السياسة التي رسموها في أعقاب الحرب، والتي أدت إلى قيام الكتلتين الشرقية والغربية، وإلى وقوفهما وجهًا لوجه لم تعد صالحة لحل مشاكل العالم ولإعادة السلام فيه. ثم إنهم رأوا أكثر من ذلك أن هستيريا الحرب التي هزت أعصاب العالم منذ سنة ١٩٤٧، ثم أدت إلى حرب كوريا، هذه الهستيريا لم يكن لها من نتيجة إلا أن زعزعت الثقة في النفوس بحكمة الساسة، وأوقفت العالم في اقتصادياته ومعنوياته على شفا جرفٍ هارٍ، وجعلت من أوروبا نفسها بوتقة، بل بركانًا تغلي فيه حمم الحرب، ويهدد بالانفجار بين حين وحين. وقد رأوا أكثر من ذلك أن تسليم ألمانيا بلا قيد ولا شرط، وتقسيمها إلى شرقية وغربية ليس من شأنه أن يكفل سلام أوروبا وسلامتها. إزاء هذا كله لم يكن بد من التفكير في العدول عن سياسة الحرب والاستعداد لها، والعود إلى سياسة التفاهم عن طريق المفاوضة، لهذا عُقدت مؤتمرات عدة، وتم عقد مؤتمر الرؤساء الأربعة في جنيف، وجعل توحيد ألمانيا أول مسألة في جدول أعماله، كما جعل سلام أوروبا ثاني هذه المسائل، وجعل تحديد التسلح والإشراف على الأسلحة الذرية من الأمور الواجب حلها.

كان لنجاح المؤتمر رنة فرح في العالم كله، لم يخفف منها تصريح الرئيس الأمريكي بأن سياسة الاستعداد للحرب ستظل قائمة حتى تحل المؤتمرات المقبلة ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر الأقطاب حلًّا عمليًّا ممكن التنفيذ؛ ذلك أن اشمئزاز الناس من فكرة الحرب ومقتهم لها جعلهم يرون في كل مظهر يبشر بالسلام أملًا جديدًا يتعلقون به ويتمسكون بأهدابه.

والناس غير مبالغين في هذا التفاؤل وإن كان مؤتمر جنيف لم يصل إلى أكثر من وضع الخطوط الرئيسية للسلام في المستقبل، فقد أدى مؤتمر جنيف إلى تحول الاتجاه العام للسياسة الدولية تحولًا تامًّا، فهذا الستار الحديدي الذي أقامته روسيا بينها وبين دول الغرب يوشك اليوم أن يتحطم، ونستطيع على كل حال أن نقول: إنه فتحت فيه فرجات ونوافذ لم يكن شيء منها موجودًا إلى عهدٍ قريب؛ فإلى سنتين مضتا لم يزُر واحد من ساسة الغرب بلاد الكتلة الشيوعية، ولم يفكر أحد من ساسة روسيا في زيارة دولة من دول الغرب، ولم يكن ساسة الكتلتين يجتمعون إلا في جلسات مجلس الأمن وجلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة والهيئات المتفرعة عنها.

وفي هذه الاجتماعات كلها كان ساسة الغرب وساسة الشرق يتبادلون من العبارات النابية ما لم يكن مألوفًا في السياسة الدولية في عهد من العهود، فكان ما يتبادلونه يزيد الهوة بينهم اتساعًا، ويجعل كل رجاء في التفاهم بينهم سرابًا لا أمل في خير من ورائه. أما في السنتين الأخيرتين فقد بدأ هذا الاتجاه يتحول شيئًا فشيئًا، عُقد مؤتمر جنيف في يناير الماضي لحل مشكلة الهند الصينية، وعُقد مؤتمر باندونج للدول الآسيوية والأفريقية، واشتركت فيه الصين الشعبية مع دول محالفة للغرب، ثم أعلن المؤتمر رغبته الصريحة في أن يسود السلام العالم على أساس من حرية الشعوب، والقضاء المبرم على الاستعمار.

وفي هذه الأثناء زار نهرو، رئيس وزراء الهند، وهي من دول الكومنولث البريطاني، الصين الشعبية، ثم زار روسيا وزار بلادًا غيرها وراء الستار الحديدي، كما زار مستر أتلي ومعه جماعة من أعضاء مجلس العموم البريطاني الصين الشعبية، كذلك اجتمع الساسة الروس بساسة يوجوسلافيا، وأقاموا بينهم علاقات صداقة ومودة. وبعد ذلك وُقعت المعاهدة النمسوية التي حررت النمسا من احتلال الدول الأربع لها. كان هذا كله تحولًا ظاهرًا في اتجاه السياسة الدولية، وبعد هذا عقد مؤتمر الأقطاب في جنيف، وأدى إلى جو التفاؤل الذي يسود العالم اليوم، وفي الربيع القادم سيزور الساسة الروس لندن، وستفتح الدول الشيوعية أبوابها بعد أن كان هذا الستار الحديدي قد أحاطها بنطاق لا يمكن اختراقه.

ومن حق الناس إزاء هذا التحول في اتجاه السياسة الدولية أن يتفاءلوا، وإن وجب عليهم أن لا يسرفوا في التفاؤل، وأن يلزموا خطة الحذر إلى أن تسوى المشاكل بين الكتلتين، وتسوى كذلك مشاكل الشرق الأوسط والشرق الأقصى. إن سلام أوروبا وسلامتها جوهريان لا ريب في بقاء الحضارة الحالية وازدهارها، لكن السياسة التي سبقت الحربين العالميتين لا تزال لها آثارها في أرجاء كثيرة من العالم.

صحيح أن بعض الشعوب قد استطاعت بمجهوداتها أن تستخلص حريتها، وأن تحتفظ مع ذلك بروح الصداقة بينها وبين الذين فرضوا عليها سلطانهم أزمانًا طويلة، والهند من أشد الأمثلة بروزًا في هذا المعنى، فلم يخلف الاستعمار البريطاني لشرق القارة الآسيوية من المرارة في نفس الهنود ما جعل أهلها يحقدون على البريطانيين أو يتمنون لهم السوء. ولا أدل على ذلك من حرص الهند على البقاء داخل الكومنولث البريطاني، رغم أنها تستطيع أن تستقل عنه بإرادتها المفردة، وبمجرد إعلان ذلك من جانبها وحدها، وأمر الباكستان وسيلان كأمر الهند، ولكن شعوبًا أخرى في أفريقيا وفي آسيا لا تزال تئن من المصير الذي فرض عليها وتنوء به؛ فحق على الساسة في الدول الكبرى وفي غيرها أن يفكروا في ذلك، وأن يقدروا أن سلام أوروبا وحدها لا يعني سلام العالم، وأن التفاؤل يجب، ليكون صحيحًا، أن يقوم على أساس من حرية الشعوب كلها في تقرير مصيرها.

وإني لأرجو أن يعير الساسة هذا الأمر من العناية ما هو جدير به، وأحسبهم سيفعلون، فهم يقدرون أن السلام لا يتجزأ، وأن الحروب التي قامت في أوروبا قد أثارها أغلب الأحيان طمع الدول في مستعمرات أو مناطق نفوذ خارج أوروبا، فإذا نالت مشاكل الشرق الأوسط والشرق الأقصى من العناية ما تناله مشاكل أوروبا، وإذا نظر الساسة إلى السلام على أساس من حرية الشعوب وحرية الناس جميعًا، فسيزداد العالم تفاؤلًا بالمستقبل، وسيكون مؤتمر جنيف نقطة تحول بالفعل في تاريخ العالم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.

جميع التعليقات (1)

  • default avatar
    Mohamed El Aouad ·١٤ يونيو ٢٠١٤، ٢٠:٣٢ م

    فعلا الاسلام ات يتجزا