كان خلاصة ما قلناه في مقالنا السابق عن المرأة والفنون أن نصيب المرأة من الفنون محدود لا يرتقي بها إلى مراتب النبوغ العليا بين الشعراء والمصورين والموسيقيين، وختمناه بقولنا: «إن استحضار هذه الحقيقة لازم جِد اللزوم في عصرنا هذا؛ لأننا نسمع المذاهب الاجتماعية حولنا تماري على حسب أهوائها ومراميها في تقديم الجنسين، بين قائل بالتشابُه الكامل وقائل بالفوارق والمزايا التي يقتضيها توزيع العمل واطِّراد الخلق في طريق التخصيص والامتياز. ورأينا نحن أميل إلى هذا المذهب القائل بالفوارق والمزايا؛ لأنه الحق الواضح أمامنا، ولأنه العدة التي ندرع بها أذهاننا للقاء فوضى المذاهب التي فيها الضير أكبر الضير على المجتمع الإنساني وخلائق الإنسان.»

***

أما المذهب القائل بالتشابه الكامل بين الرجال والنساء فهو مذهب الشيوعية، وهو ينزع هذا المنزع في تقديم الجنسين؛ لأن فلسفة كارل ماركس تقتضيه ولا تستقيم بعضها مع بعض إلا إذا فرضنا أن الجنسين متماثلان متشابهان في الواجبات والحقوق. وآفة كارل ماركس وأتباعه أنهم يريدون أن تتحول الحقائق ليصبح مذهبهم صحيحًا قابلًا للتنفيذ، ولا يريدون أن يتحولوا هم في آرائهم وفروضهم وتقديراتهم لتصبح الحقيقة هي الحقيقة بمعزل عن المذاهب والفلسفات.

فالعائلة عندهم هي أساس الاستغلال.

وقيام المرأة بشئون البيت هو أساس العائلة.

والتفرقة بين الرجل والمرأة في الواجبات والحقوق إنما تنشأ من قيام المرأة بشئون البيت، وانصراف الرجل وحده إلى الأعمال الخارجية.

لهذا يجب أن تكون المرأة مساوية للرجل، وألا يكون بينهما فارق في كفاءة من الكفاءات؛ لأنهم مضطرون إلى هذا القول في طريق إلغاء العائلة.

فلتكن الحقيقة إذن هكذا؛ لأنهم هكذا يريدونها، لا لأن قوانين الخلق والتكوين منذ وُجِدَتِ الذكور والإناث في الحياة الحيوانية والنباتية تشهد بالتفرقة بين الجنسين، وتشهد بأن الحياة ماضية في طريق تقسيم العمل والاختصاص ولا تمضي في طريق التشابُه وإلغاء الفروق.

وبلغ من سخف الغلاة منهم في هذا الباب أنهم يسمحون للمرأة بالإجهاض ولا يرون فيه وجهًا للعقاب؛ لأن الرجال والنساء متساوون.

وأنت تسأل: وما شأن هذه المساواة في إباحة الإجهاض؟ فيقولون لك: نعم، إن الرجل لا يُكرهه أحد على إنتاج النسل، فلماذا يفرض على المرأة أن تحمل على غير إرادتها؟

حقارة في التفكير هنا لا تقل عن الحقارة في الشعور؛ لأن هؤلاء الشيوعيين ينسون أساس مذهبهم وهم يلغطون بهذا اللغو السخيف، ينسون أن مذهبهم كله قائم على تغليب المجتمع على حرية الفرد في تصرفاته العامة. فكيف يتفق مع هذا المذهب أن تكون حرية الفرد غالبة حتى على حفظ النوع وتجديد الحياة؟

وليس هذا كل ما هنالك من حقارة التفكير وحقارة الشعور؛ لأن القياس العقلي معدوم هنا لا يستند إلى برهان؛ إذ الإكراه وعدم الإكراه إنما يكونان في دور الإرادة والرغبة ولا يكونان بعد خلق الجنين ووجود هذه الحياة الجديدة. والمرأة تستطيع كما يستطيع الرجل أن تمتنع عن العلاقة الجنسية فلا فرق في هذا بين الرجال والنساء، ولكن المسألة إذا وصلت إلى جنين يُخلق وحياة جديدة تظهر فلا الرجل ولا المرأة يملك هنا أن يريد أمام إرادة الحياة، وأمام القانون الطبيعي والقانون الإنساني اللذين يحميان كل حياة.

وهكذا تلتقي في كثير من الآراء الماركسية حقارة الفكر وحقارة الشعور.

وهكذا ينبغي أن نحرس عقول الشبان ونفوسهم من هذه الحقارة في شعورهم وهذه الحقارة في تفكيرهم، وأن نضع أيديهم على موطن الداء الذي ليس به كثير خفاء.

وموطن الداء فيما نعتقد إنما هو الكسل والحسد.

وصدق «فرويد» وأصحابه حين قالوا إن المرتبة الأولى من مراتب الشفاء في العقد النفسية، إنما هي كشف العلة الحقيقية لعين المريض المصاب بها.

والعلة الخفية التي تجنح ببعض الشبان عندنا إلى التفكير الشيوعي هي إنهم يحسدون وأنهم يكسلون، وأنهم يريدون من المجتمع أن يعطيهم جميع حظوظ الحياة، ويخيل إليهم أن المجتمع الشيوعي كفيل بتحقيق هذا المطلب، وإذا لم يكُن كفيلًا بتحقيقه.

فاقتلوني ومالكًا

واقتلوا مالكًا معي

على حد قول الشاعر العربي، أو «عليَّ وعلى أعدائك يارب» كما قال شمشون الجبار.

وكلمة وجيزة تفتح عيون هؤلاء المخدوعين على الحقيقة التي تبدو من وراء ستار رقيق.

هذه الكلمة الوجيزة هي أن المجتمع الشيوعي لا يدَّعي أية دعوى في الإصلاح الاجتماعي إلا سمعنا دعوى مثلها من ناحية الفاشيين والنازيين.

فمحاربة البطالة وإسعاد المرأة وإنصاف الفقراء وما شابه هذه الدعاوى ذائعة بين الفاشيين والنازيين ذيوعها بين الشيوعيين، والإحصاءات التي يسردها هؤلاء تشبه الإحصاءات التي يسردها هؤلاء، وكلها في الواقع تمثل حالة طارئة أمكن فيها تشغيل معظم الأيدي من الذكور والإناث، وهي حالة الإنتاج الحربي التي تتعلق بعوارض الحرب ولا تتعلق بنظام السلام والاستقرار.

ومما يؤسَف له أن تسري هذه الخُدعة إلى نفوس نفر من الشبان الأدباء، فيغتروا بالدعاوى الطِّوَال العراض التي يروجها الشيوعيون عن الحياة الأدبية أو الحياة الفنية بينهم، ويحسبونها الفردوس الموعود لكل أديب أو كل مشتغل بفن جميل.

والآفة هنا كالآفة هناك هي الأخذ بالسماع وقلة الاطِّلاع على حقائق الأمور من وراء الدعاوى والأقاويل.

ولو اطَّلعوا على تلك الحقائق لعلِموا أيَّ جو خانق هو ذلك الجو الذي يعيش فيه الأدباء الملهَمُون من الشيوعيين.

ولا ضرورة للإطالة في هذا الصدد؛ لأن كلمة وجيزة قد تُغني فيه غناء الإطالة في البحوث والقروض. وما حاجتنا إلى بحث أو فرض بعد أن نعلم أن ثلاثة من فحول الشعراء عندهم قد انتحروا في فترة واحدة، وأن شاعرًا آخر هو أكبرهم وأفحلهم قد مات في عنفوان الرجولة مِيتة تحيط بها الشبهات؟

أما الشعراء الثلاثة الذين انتحروا فهم: مايكوفسكي، ويسنين، وباجرتسكي.

وأما الشاعر الذي مات في عنفوان الرجولة فهو ألكسندر بلوك، ولعله الشاعر الوحيد الذي يقارب في أفقه شعراء النهضة الأولى بين الروسيين.

ولو كان هؤلاء الشعراء من أعداء الشيوعية لقلنا إنهم برموا بالحياة لاختلاف العقائد والأمزجة والآمال.

ولكنهم جميعًا من الغلاة في الدعوة الشيوعية، وممَّن ظهروا واشتهروا بعد الانقلاب الأخير.

كذلك لو كانوا من طبقة واحدة لأمكن أن يقال إن الشيوعية تلائم طبقة ولا تلائم أخرى، ولكنهم متفرِّقون في النشأة، منهم العامل الذي يبشر بالمدينة، والفلاح الذي يبشر بالقرية والمعيشة الريفية، وكلهم كرهوا الحياة في المصانع وفي الحقول. وأصدق ما يُقال في هذا أن الشيوعية جو خانق لكل قريحة ملهمة، ولو كان صاحبها من دعاتها الغلاة.

***

ونعود فنقول: «فتش عن الحسد والكسل»؛ لأنهما على التحقيق علة كامنة وراء كثير من الظواهر الغريبة التي تلاحظ على بعض الناشئين في الجيل الحاضر، وبهذه العلة نستطيع أن نهتدي إلى تفسير نزعات كثيرة غير الجنوح إلى الشيوعية وما شاكلها من المذاهب الاجتماعية، ومنها تلك النزعة — أو تلك الضجة — التي ترتفع ثم تخفت آونة بعد أخرى باسم أدب الشيوخ وأدب الشباب.

فهي ضجة غير مفهومة إلا أن تكون حسدًا معيبًا مقرونًا بكسل ضعيف.

وكل حجة تُساق في تسويغها لا تؤيدها بل تنقضها وتكشف عن الباعث الخفي من ورائها، وهو باعث الحسد المَعِيب والكسل الضعيف.

سئلت أخيرًا رأيي في بعض الأدباء الكبار من المصريين، فقلت عن الدكتور طه حسين إن قدرته في تأريخ العصور الأدبية «تأتي بعد قدرته في القصة أو الكتابة القصصية؛ فهو يحسن إقامة الحدود بين العصور ويحسن تمييز كل عصر بمزية عامة، ولكنه أقرب إلى حدود العالم منه إلى حدود الفنان، ويأتي طه حسين الناقد بعد طه حسين المؤرخ وبعد طه حسين صاحب القصة؛ لأن المدار في النقد كله على مقاييس الشعر والبلاغة الشعرية، وليس نصيب الدكتور طه حسين في هذه المقاييس بأوفى نصيب.»

كتبت هذا الرأي فعقب عليه بعض الحانقين على شيوخ الأدب يقول: «ونحن إذ ننشر هذا الرأي نوجه إلى الأستاذ العقاد السؤال الآتي: كيف تحتفظ بأمارة الشعر التي خلعها عليك طه حسين ونصيبه من مقاييس الشعر والبلاغة الشعرية ليس بأوفى نصيب؟ رجعة إلى الحق يا عميد الأدب ويا أمير الشعر ويا … أدباء الدعاية …»

هذا هو التعقيب العجيب.

فهل ركب على كتفَيْ إنسان رأسٌ يفهم ممَّا كتبناه عن الدكتور طه حسين أننا أدباء دعاية لو كانت المسألة مسألة رءوس تفهم وبراهين تساق؟

إن الذي كتبناه لينقض صفة الدعاية خاصة دون غيرها من الصفات.

لأنه يدُلُّ على أن أدباء الشيوخ لا ينسَوْن آراءهم من أجل دعاية بعضهم إلى بعض، وإنني لا أنسى الحق من أجل الدعاية لنفسي، وإلا لقلت عن الذي سماني أميرًا للشعراء إنه الحكم الوحيد في قيم الشعر وأقدار الشعراء.

فهل هي إذن مسألة فَهم وصدق، أو مسألة حسد وكسل؟

كلا، إنما هي مسألة حسد وكسل ولا زيادة! ولولا الحسد والكسل لخجل هؤلاء المساكين من أنفسهم إذ يهجعون في مراقدهم وينعون على الكُتَّاب المشهورين شهرتهم، ولا ذنب لهم إلا أنهم يصدرون الكتاب بعد الكتاب، وأولئك المساكين يقلبون شهادات ميلادهم ولا يزيدون.

إنه عرض واحد هذا الحسد وهذا الكسل اللذان يفسران النزوع إلى الشيوعية، ويفسران استعجال الشهرة، ويفسران كل انتقاد مريض لا يصحبه عمل ولا تصحيح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.