أشرنا بالفعل في حلقة سابقة من سلسلة «ريلتايم كورونيكالز» إلى أن «مذهبنا الجديد للفسلفة المتعالية (المذهب القائل بأن الحقائق يمكن أن تُعرَف عن طريق التفكير المجرد دون الحاجه إلى تجربة) هو مذهب يحقق فيه الأفراد الفاعلين من البشر الذين يعملون على نحو انفرادي — كالعقد على إحدى الشبكات — الوحدة في نظام التواصل السيبراني الفعال، عن طريق التبادل الأمثل للرسائل القصيرة عبر ناقل عالمي لنقل الرسائل نقلًا مباشرًا.» باختصار: استوحيت هذه الفكرة من كل من (١) ملاحظة نوربرت فينر في كتاب «الاستغلال البشري للبشر» التي تقول إنه:

لا يمكن فهم المجتمع إلا من خلال دراسة الرسائل وتسهيلات الاتصال المقترنة بها؛ و… في التطور المستقبلي لهذه الرسائل وتسهيلات الاتصال، يُقدَّر للرسائل بين الإنسان والآلة، وبين الآلة والإنسان، وبين الآلات بعضها وبعض، أن تلعب دورًا متزايدًا باستمرار.

الصورة لسيدتين تقومان ببرمجة الكمبيوتر الأمريكي القديم «إينياك» من مطبعة جامعة أكسفورد.
الصورة لسيدتين تقومان ببرمجة الكمبيوتر الأمريكي القديم «إينياك» من مطبعة جامعة أكسفورد.

ومن (٢) ملاحظة فانيسا جريجورياديش الأحدث التي أبدتها في مقال نُشر عام ٢٠٠٩ في مجلة «نيويورك»:

هذا هو الوعد الذي طلع به فيسبوك علينا، الأمل المثالي: نجاح الصحبة؛ وظهور الوعي الموحد؛ والسلام من خلال التواصل الهائل فيما تُرقينا بِتات سريعة من المعلومات إلى مستوى عقلية بوذا، أو على الأقل تلهينا عن المشكلات الوشيكة أيًّا كانت هذه المشكلات. في وقت يشوبه التراجع الاقتصادي والسياسي الشديد وتدهور التفاعل بين الأجيال المختلفة، يعتبر الترابط الاجتماعي هو الفرصة الوحيدة لإنقاذ اليوم، وشبكات التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك هي أفضل وسيلة متاحة لعكس، أو ربما لإلهام، الجانب الجمالي للوحدة.

ولطالما كان هناك لوقت طويل شعور من الاستياء — ما لم يكن العدوانية التامة — بين مجموعة معينة من مفكري الإنترنت الذين يصعب إرضاؤهم، نحو قرار فيسبوك بأن يطرح للجماهير زر «أعجبني» للإشارة أوتوماتيكيًّا إلى التبعية، بدون أن يقدم أيضًا زر «لم يعجبني» للإشارة الأوتوماتيكية إلى عدم التبعية. ظهر هذا الخلاف — ما لم تكن هذه كلمة كبيرة على هذا السياق — مرة أخرى عندما أورد برنامج «صباح الخير يا أمريكا» أن فيسبوك «يخطط، في المستقبل القريب، إلى إطلاق طرق تتيح لنا فهمًا أفضل لأسباب عدم إعجابك بشيء ما في «ملقم الأخبار» الخاص بك.» وفي الحال، أُسيء تفسير هذا في الإعلام الشعبي المباشر على أن فيسبوك كان ينوي تقديم نوع من أزرار «لم يعجبني». وبدون تروٍّ ذكرت مدونة هافبوست: «نحن على مشارف أن نرى زر «لم يعجبني» في فيسبوك.» هذا هراء؛ فكل ما ستفعله شبكتنا الاجتماعية الممتدة فيما وراء الحدود أنها ستقدم نظامًا يرسل فيه الفرد إلى الآلة رسالة، من شأنها أن تُمكِّن — على نحو أفضل — من تحديد المحتوى المسيء وإزالته أوتوماتيكيًّا. فهذا مجرد جزء من عمل ضروري للتخلص من سيل المواد المزعجة التي من الممكن أن تعرقل بزوغ «الجانب الجمالي للوحدة». والجمع المؤيد لزر «لم يعجبني»، علاوة على كونهم في الجانب غير المرغوب من التاريخ، لا يفهمون حقيقة كنه زر «أعجبني» ووظيفته. فهم يظنون أنه لا يقدم أية خيارات، وأنه آلية مركزية لاتخاذ القرار، وكأنه زر عالق على وضع «تشغيل» إلى الأبد. لكن هذا غير صحيح بالمرة؛ فزر «أعجبني» يقدم لنا في واقع الأمر اختيارًا ثنائيًّا: فيمكن للمرء إمَّا أن ينقر الزر أو أن يتركه كما هو. والاختيار ليس بين «أعجبني» و«لم يعجبني»، وإنما بالأحرى بين «الإعجاب» وغيابه، فعدم الضغط على زر «أعجبني» هو فئة تشمل كافة احتمالات عدم التبعية، فلا تنطوي على «لم يعجبني» فحسب، وإنما أيضًا «غير متأكد»، و«لم أكوِّن رأيًا»، و«لا أبالي»، و«متردد»، و«لا أريد أن أكلف نفسي عناء ذلك»، و«لست في حالة مزاجية الآن تسمح لي بالتعامل مع هذا»، و«أكره فيسبوك»؛ بعبارة أخرى: المجموعة الكاملة لحالات عدم التبعية لأشياء أو أشخاص بعينهم. وبتقديم اختيار ثنائي بسيط — مثل تشغيل/إيقاف؛ أو صح/خطأ — فإن الزر «أعجبني» يخدم الهدف الشامل المتمثل في إحداث المزيد من التناغم بين الاتصال البشري والاتصال الآلي. وبتلخيص مظاهر غموض المشاعر والتعبيرات التي تصيب العقل البشري المزدحم وأنظمته لنقل الرسائل، في «حالة» واحدة (غياب الإعجاب)، يخلصنا زر «أعجبني» في المقام الأول من هذه الالتباسات المثبطة، ومن ثم يقوي ارتباطنا بالآلة وبعضنا ببعض.

فكِّر في الفوضى التي كانت ستحدث إذا قدم لنا فيسبوك زرَّيْ «أعجبني» و«لم يعجبني»، حينها لن يكون لدينا اختيار ثنائي بسيط، وإنما سيكون لدينا ثلاثة اختيارات: انقر زر «أعجبني»، أو انقر زر «لم يعجبني»، أو اترك كلا الزرين دون نقرهما، ومثل هذه الثلاثية لا مكان لها في نظام ثنائي. وهذا أفضل السيناريوهات. تخيل أنه كان متاحًا لنا أن نضغط كلًّا من زري «أعجبني»، و«لم يعجبني» في الوقت نفسه، مما يترك عقلنا في حالة من عدم الترابط إضافة إلى عدم قابلية الآلة لقراءة ذلك. لا يريد المرء حتى أن يفكر في العواقب المترتبة على ذلك. لربما يتعطل النظام بأكمله. باختصار؛ يقدم زر «أعجبني» لنا اختيار تبعية ثنائيًّا يخلصنا من الغموض، ويعزز العملية الفعالة لنظام التواصل السيبراني الذي يدعم الخارطة الاجتماعية ويعززها.

كذلك فإن إفراد زر للإشارة إلى عدم الإعجاب كخيار سيكون له، كما أشار آخرون، نتيجة مليئة بتعقيدات تقديم السلبية إلى سيل البيانات المتدفقة، ومن ثم تعكير صفوها بطريقة تهدد الجانب الجمالي للوحدة، وتطيل من التراجع «الاقتصادي والسياسي، وتراجع التفاعل بين الأجيال المختلفة» الذي يصاحب عدم التبعية الفعالة. وهنا أيضًا نرى حكمة طمث خيار «لم يعجبني» في الحالة الكبرى المتمثلة في «غياب الإعجاب»، كخطوة نحو الإزالة النهائية لحالة «عدم إعجاب». يتمثل تعظيم كفاءة نظام التواصل السيبراني في عملية تحجيم الفرق بين معالجة المعلومات البشرية ومعالجة المعلومات الآلية. قد يعترض أنصار الحركة الإنسانية المزعومون، لكنهم عبيد لحالات الغموض والإحباط، التي هي نتاج صناعي لنظام رسائل داخلية وخارجية معيب ومعقد على نحو مفقود فيه الأمل، يسبق تأسيس الناقل الكوني المباشر.

Absence of Like by Nicholas Carr. Rough Type. August 1, 2013.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.