لا ينبغي أن نيأس من قلوب الناس؛ فقد تقسو هذه القلوب حتى تكون كالحجارة أو أشد قسوة، ثم يمسها بعد ذلك جناح من الخير والبر، ومن العطف والإشفاق؛ فإذا هي ترق وتلين حتى كأنها النسيم الرقيق، والماء العذب الصفو.

ولا ينبغي أن تيأس من نفوس الناس؛ فقد تخشن وتجفو، ثم إذا بلغت أقصى غاية الخشونة، وأبعد آماد الجفوة، مسها ذلك الجناح السحري، فإذا هي ناعمة ملساء صافية حلوة كأنها العسل الماذي الذي تحدَّث عنه الشعراء الأقدمون.

لا ينبغي أن تيأس من شيء؛ فكل شيء ممكن حتى أن يلين قلب صدقي باشا بعد شدة، وتلطف نفس صدقي باشا بعد حدة، ويصفو طبع صدقي باشا بعد جفوة، ويصبح هذا الطاغية الجبار مَلَكًا حلو الشمائل، كريم النفس، رحيم القلب، عطوفًا على الناس رءوفًا بهم، يرحمهم حتى إنه ليحتمل في سبيلهم المكروه، ويتجشم في سبيلهم الأهوال. وماذا تنكر من هذا وأنت ترى صدقي باشا يرق للحياة النيابية، ويفيض رحمةً للنواب، وحنانًا عليهم، وخوفًا أن تمسهم الحكومة بما يكرهون، أو أن يردهم الحل إلى حيث كانوا قبل أن يدعوا إلى قبة البرلمان، وإذا هو يخرج من صمته، ويتخلص من هدوئه وسكونه، ويتخفف من عزلته، ويضحي براحته، ويكتب إلى رئيس مجلس النواب يسحب استقالته من مجلس النواب؟!

وقد يظهر لك هذا غريبًا طريفًا، ولكن الغرائب قد تقع، والطرائف قد تحدث، وليس على الله بمستنكر أن يرد الأشياء إلى أضدادها، ويحول سير الناس إلى نقائضها، ويجعل صدقي باشا رجلًا شفيقًا رحيمًا يشفق على النواب من مس النسيم بعد أن لم يشفق على الشعب من مس النار والحديد.

نعم، لم يشفق صدقي باشا على أولئك المصريين الذين حصد الرصاص نفوسهم حصدًا، ومزقت الحراب أجسامهم تمزيقًا، وهشمت المقامع عظامهم تهشيمًا.

لم يشفق صدقي باشا على واحد من هؤلاء، بل كان صدقي باشا ينظر إليهم وإلى ما يصيبهم، فيطغيه ما يرى، ويزدهيه ما يسمع، ويعلن إلى محدثيه أنه أصبح لا يخشى إلا الموت.

فلما أبعد عن الحكم وأخرج من الحرب، واضطر إلى أن يستقيل من مجلس النواب؛ عادت إلى قلبه الرحمة، وثابت إلى نفسه الدعة، فلم يكد يحس نذير الحكومة أمس بحل مجلس النواب إن لم يقبل استقالته، حتى أسرع إلى هذه الاستقالة فسحبها سحبًا، وابتلعها ابتلاعًا، رحمةً بالنواب، وحمايةً للنظام الحاضر، وصيانة للتقاليد الدستورية.

ألست ترى معي أن النكتة فاترة، وأن المزاح سخيف، وأن التكلف بريء كل البراءة من المهارة الفنية، خلو كل الخلو من اللباقة والرشاقة اللتين كان الناس يعرفونهما عن الدكتاتور العظيم، أيام كان قويًّا جريئًا لا يخاف إلا الموت؟

بلى، وليس من شك في أن رئيس الوزراء لم يخطئ حين صوَّر موقف صدقي باشا أمس في صورته الصحيحة، فأعلن أنه إنما استرد استقالته حين استيقن أن المجلس سيقبلها، واستيأس من أن أحدًا سيذود عنه أو يتعصب له؛ ذلك أن صدقي باشا أعلم الناس بأصحابه، وأشد الناس، وأحسن الناس ابتلاءً لسرائرهم، وامتحانًا لطاقتهم.

رأى منهم الخذلان فاستقال حتى لا ينهزم أمام الدكتور رفعت باشا، ثم رأى منهم الخذلان فاسترد استقالته أمس حتى لا يقبلها النواب بالإجماع أو شيء يشبه الإجماع. وكل شيء يدل على أن رئيس الوزراء كان مصيبًا في هذا التصوير؛ فهذا مرشح الوزارة لوكالة المجلس قد ظفر أمس بمائة أو نحو مائة من الأصوات بعد أن لم يظفر يوم الخميس إلا بأربعة وخمسين صوتًا، فكان النذير إذن قد أحدث آثاره، وانتهى إلى نتائجه، وكانت نظرات الغضب التي أرسلها الرجل الطيب ووزير التقاليد القديم ووزير التقاليد الجديد قد انتهت إلى غايتها، فطابت قلوب النواب لما تحب الوزارة، ولو قد عرضت استقالة الدكتاتور أمس لقبلت دون أن تنتطح فيها عنزان، كما يقول المثل القديم.

فصدقي باشا إذن لم يشفق على النواب ولا على الحياة النيابية من الخلاف بين الهيئة التشريعية والهيئة التنفيذية حول شخصه العظيم، وإنما أشفق على نفسه من الاتفاق بين الهيئتين على شخصه هذا. ولعله أشفق على النواب والحياة النيابية من قبول استقالته، فلو قد قبل النواب استقالته، وذلك شيء لم يكن منه بد لسجلوا على أنفسهم أنهم قد سمعوا النذير فخافوه، واضطروا إلى الطاعة والإذعان.

وصدقي باشا رجل يحب النواب، ويؤثرهم بالخير، ويفديهم بالنفس والمال، ولا يريد أن يعرضهم لرفض الاستقالة، وما يتبعه من الحل، أو لقبول الاستقالة وما يتبعه من سوء الحديث؛ فهو على كل حال بطل من أبطال التضحية، وهو على كل حال خليق أن يعرف له النواب هذه الصنيعة، ويشكر له النواب هذه النعمة، ولكن صدقي باشا رجل قد أصبح الآن فيلسوفًا، يعرف الناس، ولا ينتظر منهم فوق ما يطيقون، ولكن صدقي باشا قد أصبح الآن خيِّرًا بطبعه يعمل الصالحات، ويقدم المعروف، ويحسن إلى الأصدقاء والخصوم، ولا يبتغي بذلك جزاءً ولا شكورًا، ولا يريد بذلك إلا وجه الله، وخدمة الوطن خالصة لوجه الله، ولوجه الوطن. وقد يكون هذا غريبًا، ولكن الغرائب تقع، والطرائف تكون.

وتسألني بعد ذلك عن التفسير الصحيح لهذا الموقف الظريف الذي وقفه صدقي باشا أمس، فعلم هذا التفسير عند الله، ولعله عند أكواب الشاي التي شهدت خلوته مع المندوب السامي السابق مساء الثلاثاء. فأنت توافقني على أن من الغريب أن يخلو صدقي باشا إلى السير برسي لورين مساء الثلاثاء، فيتقبل صورته الفوتوغرافية، حتى إذا كان مساء الأربعاء عاد صدقي باشا إلى الصحف، فتحدث إلى الأهرام، حتى إذا كان الخميس سقط مرشح الحكومة لوكالة النواب، وكاد مرشحها الآخر أن يبلغ القاع، حتى إذا كان صباح الجمعة ظهرت لصدقي باشا صحيفة تذود عنه وتنطق بلسانه، حتى إذا كان السبت والأحد كثر الكلام وشاعت الإشاعات، وتحدث الناس بأن لصدقي باشا أنصارًا قد يأبون قبول استقالته، واضطر الحزبان الشقيقان أن يحتاطا لذلك، فقال رئيس الوزراء ما قال، وقال وزير التقاليد ما قال، وقال وزير الداخلية ما قال، حتى إذا كان مساء الأمس ظهر صدقي باشا فجأة في الملعب، فاسترد استقالته وعاد إلى الحظيرة في مجلس النواب.

قل ما شئت؛ فإن هذه الحوادث المتعاقبة لا تخلو من دلالة، وقل ما شئت في هذه الدلالة، فإنها كافية لدفع رجل ضعيف كصدقي باشا إلى أن تعاوده الآمال الكذاب؛ فيستأنف النشاط، ويسترد استقالته من مجلس النواب، ويعود إلى حيث يناوئ خصمه الرجل الطيب رئيس الوزراء.

ورب لين خير منه القسوة، ورب رحمة خيرٌ منها العنف، وهل يعلم صدقي باشا أنه كان أقسى على النواب أمس من رئيس الوزراء، وأنه كان أغلظ عليهم وأعنف بهم من وزير الداخلية ووزير التقاليد؟ فهو يسجل عليهم أن رئيس الوزراء قد أنذرهم، وهو يسجل عليهم أنه استرد استقالته ليحمي الحياة النيابية، فقد كانوا هم إذن عاجزين عن أن يحموا الحياة النيابية، وعن أن يذودوا عن أنفسهم ويحفظوا كرامتهم.

أكان صدقي باشا مخلصًا فيما يقول؟ وهل بلغ ازدراؤه لكفاية النواب وقدرتهم على النهوض بواجبهم لأنفسهم وللحياة النيابية إلى هذا الحد؟ أكان صدقي باشا عابثًا فيما يقول؟ وهل بلغ استخفافه بعقول النواب والوزراء إلى هذا الحد؟ أم يريد صدقي باشا أن يشارك رئيس الوزراء فيسجل الفشل الذي ليس بعده فشل على سياسة هذه الأيام؟

رئيس الوزراء ينذر بحل المجلس إذا لم يذعن النواب لما تريد الحكومة، وصدقي باشا يسترد استقالته خوفًا على المجلس من الحل، والنواب ماذا يصنعون بين هذين الرجلين. هذا يدفعهم، وهذا يلقاهم! هذا يخوفهم، وهذا يحميهم. ومعنى هذا كله أن الحياة النيابية في مصر قوية ثابتة صالحة لا خوف عليها، ولا بأس بها، ولا فساد فيها. أليس هذا مضحكًا؟ أليس هذا مُسلِّيًا للصائمين؟ أليس هذا مُعينًا على احتمال أثقال الصوم؟ بلى، ولكنه في الوقت نفسه مؤلم ممض؛ فقد استحالت أمور السياسة الرسمية إلى نوع من العبث الرخيص الذي لا مهارة فيه ولا لباقة ولا فن، وأصبحت شئون مصر الرسمية فنًّا من فنون اللهو التي يصطنعها الناس في أنديتهم ومجالسهم لا أكثر ولا أقل.

ألم يُقدِّر الله لهذا البلد أن تعود أموره إلى شيءٍ من الجد، وألا تفسد سياسته بين رجلين يختصمان فإذا هما يلعبان؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.