يُعنى مجلس الوزراء في هذه الأيام بمسألة إنشاء جامعة في الإسكندرية، ويشغل هذا الموضوع أذهان رجال جامعة فؤاد ووزارة المالية. وقد رأى أحد محرري «الأهرام» استطلاعَ صاحب العزة الأستاذ الدكتور طه حسين بك المراقب العام للثقافة العامة رأيه في هذا الموضوع، فوجه إليه السؤال التالي: ما رأيك في هذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة في سبيل إنشاء كلية مستقلة للحقوق في الإسكندرية؟

فأجاب: رأيي أنها خطوة خطيرة جدًّا؛ لأن مدينة الإسكندرية قد كسبت بها كلية من الكليات، وكل خطوة تؤدي إلى إنشاء معهد من معاهد التعليم مهما يكن نوعه هي مصدر خير، ينبغي أن نغتبط به. ولكن هذه الخطوة ظريفة كل الظَّرف؛ لأنها تسجل علينا لونًا من ألوان التناقض الذي لا ضرر فيه، بل فيه النفع كل النفع؛ لأنه يسلينا من جهة، ويضطرنا آخر الأمر إلى أن نضع لأنفسنا سياسة واضحة الأعلام نقيم عليها تعليمنا الوطني. ولعلك لم تنسَ — كما أني لم أنسَ — أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين شكوا وأطالوا الشكوى من كثرة الذين يتخرجون في كلية الحقوق. ولعلك تذكر كما أذكر أن جماعة من المصريين الرسميين وغير الرسميين فكروا في إقفال جدول المحاماة، وكان لهذا التفكير أثرٌ لم يخلُ من عنف في حياة الجامعيين. بهذه الخطوة التي خطتها الجامعة والحكومة تدل دلالة واضحة على أن مصر لم تستوفِ حظها من الفقهاء الذين يحملون الليسانس في علوم القانون، ولم تستوفِ حظها من المحامين، ولا من القضاة ورجال النيابة. أو هي دليل على أن مصر قد استوفت حظها من هؤلاء جميعًا، واستوفت أكثر من حظها، ولكن ذلك لا يمنع من إنشاء كلية جديدة للحقوق؛ لأن العلم لا يُقاس بالحاجة إلى المحامين والقضاة ورجال النيابة وكتَّاب الدواوين، وإنما يُقاس بحاجة الشعب إلى المعرفة، وحاجة الشعب إلى المعرفة لا تنقضي؛ لأن الشعب يعيش، وحاجة من عاش لا تنقضي كما قال الشاعر القديم. ما من شك في أن الجامعة والحكومة تصححان الموقف بهذه الخطوة الكريمة، وتدلان على أن مصر قد بلغت رشدها العقلي، وأصبحت لا تعلِّم أبناءها بمقدار الحاجة إلى الموظفين، وإنما تعلمهم بمقدار الحاجة إلى العلم.

هنا يظهر التناقض الذي أشرت إليه في أول هذا الحديث. فحاجة مصر إلى الحقوق لا تنقضي من غير شك، ولكن حاجتها إلى العلوم والآداب وإلى فنون الهندسة والزراعة والتجارة لا تنقضي أيضًا. فما بال حاجتنا إلى الحقوق تظفر بالرضا والعناية، وما بال حاجتنا إلى العلوم والفنون الأخرى تقوم في سبيلها العقاب والصعاب. هذه هي عقدة العقد المعقدة تعقيدًا كما كان يقال في بعض التمثيل المضحك.

لعلك توافقني على أن من أظرف الأشياء وأطرفها أن يطالب الشعب المصري بإنشاء المعاهد التي يُقبل فيها مئات الطلاب الذين ظفروا بالشهادة الثانوية من شعبة العلوم والرياضة، فتنشئ له الجامعة والحكومة كلية الحقوق في الإسكندرية التي تتشدد من غير شك — كما تتشدد شقيقتها الكبرى — في قبول الطلاب، وستأبى من غير شك — كما تأبى شقيقتها الكبرى — قبول الطلاب، إلَّا أن يقدموا إليها الشهادة الثانوية من شعبة الآداب، ومن شعبة الآداب وحدها. ومعنى ذلك أن الطلاب الذين لم يستطيعوا دخول الجامعة في هذا العام، والذين لا يستطيعون دخول الجامعة العام المقبل سيظلون في الشوارع؛ لأن مصر كانت تريد كليات للعلوم والطب والهندسة، فأنشأت لها الجامعة والحكومة، وسينشئ لها البرلمان إن شاء الله كليةً للحقوق. وهذا يذكرني للمرة الواحدة أو الثانية بعد الألف بجملة بدأ بها أحد الكتَّاب الفرنسيين قصة من قصصه، وأنا أذكرها في كل يوم؛ لأن حياتنا المصرية تفرضها عليَّ فرضًا. قال الأب لابنته: تحبين مون شاناه فستتزوجين كورسييه! وقالت الدولة المصرية لمصر: تريدين مني كلية للعلوم وأخرى للطب وأخرى للهندسة، فسأنشئ لك كلية الحقوق!

وأظرف من هذا كله أننا كنا نظن أن الجامعة والدولة إنما تفكران في الإسكندرية محل الأزمة الجامعية التي تتجدد في كل عام، فقد اجتمع مجلس الوزراء وتكشف اجتماعه يوم الإثنين الماضي عن إنشاء كلية الحقوق، لا لشيء إلَّا لأن فرع الحقوق في الإسكندرية قد أتم أعوامه الأربعة، وأصبح قادرًا على أن يقدم تلاميذه لدرجة الليسانس، فأصبح أصلًا فرعًا، وأصبح من الواجب أن يسمَّى كلية، وأن تكون هذه الكلية مستقلة لها مجلسها الخاص، ولكنها ستتبع جامعة القاهرة، وسيكون لها ممثلوها في مجلس الجامعة. ولن يشكو الشاكون من كثرة المحامين ورجال الحقوق فحسب، ولكن مجلس الجامعة نفسه سيشكو بإذن الله من كثرة رجال الحقوق فيه، فسيكون فيه ستة من رجال الحقوق على حين لا يكون للكليات الأخرى فيه إلَّا ثلاثة من الممثلين.

وإذن، فأنت ترى أن الحل الصحيح للمشكلة إنما هو إنشاء الجامعة، ما في ذلك شك، وما من ذلك بد. فالحكومة تقدم اليوم إلى البرلمان قانونًا لإنشاء كلية مستقلة في الإسكندرية، وستضطر في العام المقبل إلى أن تقدم إلى البرلمان قانونًا آخر لإنشاء كلية الآداب في الإسكندرية؛ لأن فرع الآداب في الإسكندرية سيبلغ الرشد، ولولا ظروف خاصة لبلغ الرشد في هذا العام. وسيصبح في مجلس الجامعة منذ العام المقبل ستة من أساتذة الآداب، كما سيصبح فيه ستة من أساتذة الحقوق. وللضرورات حكمها، فهناك أكثر من ألف لم يقبلوا هذا العام في الجامعة، وسيتضاعفون في العام المقبل، وستنشئ لهم الدولة راضية أو كارهة كليات يتعلمون فيها، وستتقدم إلى البرلمان بقانون لإنشاء كلية الطب، وآخر للعلوم، وثالث للهندسة، وهلم جرًّا. ولو كنت عضوًا في البرلمان لرددت إلى الحكومة قانونها الذي تنشئ به كلية الحقوق، ولطلبت إليها أن تختصر الطريق، وأن تقدم قانونًا واحدًا ينشئ جامعة الإسكندرية المستقلة، على أن يكون فرع الحقوق والآداب نواة لها، وعلى أن تنشأ الكليات الأخرى تدريجًا بمقدار حاجة الشعب من جهة، وبمقدار طاقة الدولة من جهة أخرى.

ذلك أدنى إلى المنطق وأقرب إلى المعقول، وأخلق أن يرضي عزة الشعب وأن يحقق آمال مدينة الإسكندرية. ومن حق مدينة الإسكندرية أن تطمع في أن تكون لها جامعتها، وهي أسبق المدن الشرقية إلى إنشاء الجامعات.

ولو كنت عضوًا في البرلمان لطلبت إلى الحكومة إنشاء هذه الجامعة الثانية، أو إلغاء نصف المدارس الثانوية ونصف المدارس الابتدائية لسبب بسيط، وهو أن مصر في أول هذا القرن لم يكن فيها إلَّا ست مدارس ثانوية تشرف عليها الحكومة، وكانت فيها معاهد التعليم العالي التي تألفت منها الجامعة بعد الحرب الكبرى.

وقد أصبح عدد المدارس الثانوية الحكومية الآن سبعًا وثلاثين، وما زالت معاهد التعليم العالي كما كانت لم تتغير إلَّا أسماؤها ونظمها. ومن الخطأ أن يُظن أن نهضتنا الاستقلالية قد أنشأت جامعة فؤاد الأول، وإنما الصواب أن جامعة فؤاد الأول قد أنشأت نهضتنا الاستقلالية. فهذه الجامعة كانت موجودة بالفعل قبل الحرب الكبرى، وكل ما حصل بعد الاستقلال هو أن معاهدها ضُمَّت وأُنشئت لها إدارة واحدة قبل الحرب إلى حدٍّ ما. فقد كانت هناك مراقبة التعليم العالي في وزارة المعارف. وإذن، فالاستقلال والنهضة والثورة الوطنية، كل ذلك لم يستفد منه التعليم العالي إلا اسمًا ونظمًا. فأمَّا الحقائق فليس منها شيء جديد. فما رأيك في بلد يملأ الأرض ضجيجًا وعجيجًا بثورته الوطنية ونهضته القومية واستقلاله التام، وهو بعد هذا كله لم يستطع أن ينشئ معهدًا واحدًا من معاهد التعليم العالي. والشيء المهم هو أن المدارس الثانوية قد نيفت على الثلاثين، والجامعة ما زالت واحدة، وهي عاجزة عن تعليم الذين يخرجون من المدارس الثانوية. وقد علمت أن مجلس الوزراء سيفرغ لدرس هذه المشكلة في يوم قريب، فأرجو أن يفكر الوزراء في أن ليس أمامنا إلَّا طريقان لا ثالث لهما: فإما أن تنشأ جامعة ثانية يتعلم فيها الذين تخرِّجهم المدارس الثانوية الحكومية والحرة. [و] الشيء الذي لا أشك فيه؛ أن مجلس الوزراء لن يقدم على إلغاء مدرسة ثانوية واحدة فضلًا عن إلغاء عشرين مدرسة ثانوية.

وإذن، فالخير أن ننتظر ما ينتهي إليه بحث مجلس الوزراء، وأكبر ظني أنه لن يجد من إنشاء الجامعة الثانية بدًّا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.