نشرنا في العدد الماضي كلمة عن «الطلبة» للأستاذ الكبير أحمد أمين بك، تضمنت وجهة نظر جامعي بارز.

واليوم ننشر مقالًا لكاتبنا الكبير الدكتور طه حسين بك يتضمن رأيًا جامعيًّا آخر. و«المصور» إذ ينشر مختلف الآراء في هذا الموضوع الخطير يستعرض كل وجهات النظر، ويفتح الباب لذوي الرأي:

لا أريد أن أذهب مذهب الأستاذ أحمد أمين بك، فأرجو كما رجا في المقال الذي نشره له «المصور» في الأسبوع الماضي أن تتسع صدور الطلبة والآباء والأحزاب لما أريد أن أقول في هذا الحديث، فلست أرى بأسًا بأن تضيق صدور الطلبة والآباء والأحزاب والحكومات أيضًا بما أريد أن أقول. وقد تعودت أن يغضب الناس عليَّ وأن يرضوا عنِّي، فلم يخفني غضبهم من شيء، ولم يطمِّعني رضاهم في شيء. وإنما قلت وسأقول ما أعتقد أنه الحق؛ لأني أعتقد أنه الحق، ولأنَّ من الخير أن يُقال الحق دائمًا وإن كان مرًّا بغيضًا!

ثم لأني من ناحية أخرى لا أخص بهذا الحديث حزبًا دون حزب، ولا طائفةً من المصريين دون طائفة، وإنما أسوقه إليهم جميعًا لا أفرق بين أحدٍ منهم.

ثم لأني من ناحية ثالثة لا أريد أن أنظر إلى قضية الطلبة نظرة كئيبة يائسة كما تعودنا أن ننظر إليها منذ أعوام، وإنما أريد أن أنظر إليها نظرة مشرقة باسمة، فيها كثيرٌ جدًّا من الأمل، وفيها كثيرٌ جدًّا من الدعابة أيضًا. فربما كان من الأشياء التي أفسدت على المصريين حياتهم في كثيرٍ من الأحيان أنهم ينظرون إلى الأشياء في كآبةٍ وبؤسٍ ويأسٍ، كأنما الكوارث تنذرهم بين ساعة وأخرى، وكأنما حملوا على عواتقهم أثقال الدنيا والآخرة، فهم لا يستطيعون حركةً ولا انتقالًا. وكأن كل ساعة تقبل عليهم من ساعات الليل أو من ساعات النهار، إنما تقبل عليهم بالأنباء المنكرة والأحداث الجسام. فهم متشائمون إذا قالوا، متشائمون إذا عملوا، متشائمون إذا حكموا على الأشياء. وحسبك بهذا مثبطًا للهمم، مفترًا للعزائم، مشيعًا للظلمة في النفوس والقلوب والعقول، مانعًا من النشاط الخصب والإنتاج المفيد.

والطلاب في جميع أقطار الأرض يرضون ويسخطون، ويقبلون على الدرس ويضربون عنه، ويعبرون المدن الكبيرة والصغيرة في مظاهرات صاخبة، يتصايحون ويتهافتون، فلا تضيق بذلك النفوس ولا تحرج له الصدور، ولا تظلم له الحياة في وجه الأحياء!

والطلاب في جميع أقطار الأرض شبابٌ يسرعون إلى الرضا، ويسرعون إلى السخط، ويندفعون إلى الجد، ويندفعون إلى اللعب. ذلك شيءٌ ملائمٌ لطبعهم ولهذا الطور من أطوار حياتهم … عُرِف ذلك منذ أقدم العصور، وصوره أرسطاطاليس تصويرًا رائعًا بارعًا في كتاب «الخطابة»، فمن الطبيعي أن نأخذ الشباب كما هم، وكما يريد اللَّه أن يكونوا، فلا نملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولا نملأ الجو صياحًا ونواحًا، ولا نجند الجيش، ولا نلغي إجازات الشرطة، ولا نعمل العصي في الرءوس، ولا نصوب البنادق إلى الصدور. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد ضاع؛ لأن الطلاب أضربوا ذات يوم جادِّين أو لاعبين. ولا نعتقد أن مستقبل مصر قد أصبح مكفولًا مضمونًا؛ لأن الطلاب قد أقبلوا على الدرس وألحوا في الاستذكار!

كل هذا غلو في غير موضع للغلو، وإسراف في غير حاجة إلى الإسراف.

على أن هناك أمورًا يحسن أن نقف عندها وقفة قصيرة، ونسأل عنها أنفسنا فيما بيننا وبين ضمائرنا. فمنذ ربع قرن حين كانت الحركة الوطنية، كان لوم الطلاب على الإضراب جريمة لا تُغفر، وتقصيرًا في ذات الوطن؛ لأن الطلاب كانوا يضربون محتجين على عبث الإنجليز بحقوق الوطن. وكان كثيرٌ من وزرائنا القائمين ومن النواب والشيوخ الذين يسندون هؤلاء الوزراء طلابًا يضربون، ويرون الإضراب واجبًا وطنيًّا، ويتظاهرون ويرون التظاهر جهادًا في سبيل الوطن، ويتلقون من القادة والساسة تشجيعًا على التظاهر والإضراب. ويُخيَّل إليَّ أننا من هذه الأيام نقف من الإنجليز موقفنا من قوم يعبثون بحقوق الوطن، يحاولون أن يقروا فيه جيوشهم وأن يشطروه شطرين، على حين جعله اللَّه واحدًا لا يقبل القسمة. فما الذي حدث حتى يصبح ما كان وزراؤنا يرونه واجبًا وحقًّا وعدلًا، وإذا هو قد أصبح باطلًا وحرامًا وجورًا؟! لم يتغير الإنجليز ولم يتغير المصريون، وإنما ارتقى إلى الحكم من كانوا يسعون في الشوارع مضربين ومتظاهرين. فالإضراب يسوءهم؛ لأنه يضايقهم، والتظاهر يؤذيهم؛ لأنه يكلفهم مشقةً وجهدًا!

وما ينبغي أن تفهم الحكومة ولا أن تفهم النيابة ولا أن يفهم الطلاب أني أدعو إلى الإضراب أو أغري به أو أحرض عليه، فأنا أحرص الناس على أن يفرغ الطلاب لدروسهم. ولكني أحب أن أقرر الحق، وأن أدعو الحكام وقادة الرأي إلى أن يأخذوا أمور الشباب بالابتسام والإسماح، لا بالعبوس والتقطيب وانتظار الكوارث والإشفاق من الملمات!

وإذا لم تكذبني الذاكرة، فقد فُصِل أستاذ من أساتذة الجامعة ذات يوم؛ لأنه حاول أن يؤلف من الطلاب في إحدى الكليات — أو في غير كلية — جماعةً تدافع عن حقوق مصر حين كان الإنجليز يؤيدون نظام صدقي باشا، ويأبون على مصر أن تستردَّ دستورها الصحيح. وقد رأينا تصرف الحكومة مع هذا الأستاذ ظلمًا أي ظلم ونكرًا أي نكر! وهاجمنا صاحب المعالي وزير التقاليد في عنف أي عنف! ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا هذا الأستاذ الذي فُصِل؛ لأنه كان يشجع الطلبة على مقاومة الظلم الداخلي والخارجي قد أصبح وزيرًا للمعارف، وإذا هو يضيق بإضراب الطلاب ومظاهراتهم كما كان يضيق بها وزير التقاليد.

وإذا لم تكذبني الذاكرة فقد ذهب بعض كبار الساسة ذات صباح إلى ميدان الجامعة أو إلى الحرم الجامعي كما يُقال، وخطب في الطلاب قائلًا: «لقد أدَّينا واجبنا فأدُّوا واجبكم.» وقد أدى الطلاب يومئذٍ واجبهم كأحسن ما يكون الأداء، فهجموا على عميد من عمدائهم وهمُّوا بإلقائه من حالق! ويذكر هذا العميد أنه غضب يومئذٍ وأقام في داره، وأن صديقًا من أصدقائه أقبل عليه متلطفًا مواسيًا ناصحًا له بألا يقاوم حركة الطلاب. ثم تدور الأيام ويتقدم الزمان، وإذا الخطيب الذي حثَّ الطلبة على أن يؤدوا واجبهم يصبح رئيسًا لمجلس الشيوخ، وإذا الصديق الذي نصح للعميد بألا يقاوم حركة الطلاب يصبح رئيسًا لمجلس الوزراء!

وأؤكد للقراء أني لا أذكر هذه القصص مغضبًا ولا عابسًا، وإنما أذكرها باسمًا بل متضاحكًا! فالمصريون لم يتغيروا، والإنجليز لم يتغيروا. وما زالت مصر تشقى بظلم يأتيها من بعض أبنائها كما يأتيها من حلفائها، وقد كدت أملي «من أعدائها»! وإنما الذي تغير هو أن المحكومين في تلك الأيام قد أصبحوا حاكمين في هذه الأيام!

والأيام تدور كما يعرف القراء، وسيأتي يوم يعود فيه الحاكمون إلى الصف ويصبحون محكومين. ومن يدري لعلهم حينئذٍ أن يقولوا للطلاب: قد أدينا واجبنا فأدُّوا واجبكم، وأن ينصحوا لبعض العمداء بألَّا يقاوموا حركات الطلاب! المهم هو ألَّا نبتئس لما لا يدعو إلى الابتئاس، وألَّا نكتئب لما لا يقتضي الاكتئاب، وألَّا يشغلنا جد الطلبة ولعبهم عن مقاومة الإنجليز والفراغ لما يسلطون علينا من ظلم، وما يدبرون لنا من كيد!

وما من شك في أن الخير كل الخير في أن يقبل الطلاب على دروسهم، ولا يُشغلوا عن هذه الدروس بما يضيِّع عليهم أوقاتهم وجهودهم. ولكن مَن المسئول عن هذه المحن التي يتعرض لها الطلاب حين يصرفون عن الدرس، ويتعرض لها الشعب حين يرى أبناءه يُصرفون عن الدرس؟! أهم الكبار الذين يدبِّرون الأمور فيسيئون تدبيرها؟ أم هم الشباب الذين يندفعون مع طبائعهم؛ لأن الله خلقهم مندفعين مع طبائعهم؟!

الشيءُ المحقق أن الطلاب لم يتقدموا إلى صدقي باشا في تعطيل الدراسة شهرًا ونصف شهر؛ لأنه أراد أن يسافر إلى لندرة. والشيء المحقق هو أن الطلاب لم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في محاصرة الجامعة وفي منع العاجزين عن أداء المصروفات من الاختلاف إلى دروسهم، ولم يتقدموا إلى الوزارة القائمة في اتخاذ هذا القرار العجيب الذي يلغي الإجازة في نصف العام! أليس من الظلم أن يخطئ الكبار، وأن يحمِّلوا الصغار تبعة ما تورطوا فيه من خطأ؟!

يجب أن يحاسب الكبار أنفسهم وضمائرهم قبل أن يقدموا على كثيرٍ من الأعمال وقبل أن يتخذوا كثيرًا من القرارات … ثم يجب ألَّا يتخفف الكبار من أثقال تبعاتهم على الصغار!

إن الطلاب لا يتمنون إلَّا أن يفرغوا للدرس كما يفرغ الشباب للدرس في جميع أقطار الأرض، جادِّين حينًا ولاعبين حينًا آخر؛ لأن من الحق عليهم أن يجدُّوا، ولأن من الحق عليهم أن يلعبوا. فلنيسر لهم وسائل الفراغ للدرس، ولنتجنب خلق المشكلات التي تصدهم عنه وتزهدهم فيه. ولنحتمل تبعاتنا كما ينبغي أن يحتمل الرجال تبعاتهم. ولنضن بأنفسنا على هذا العبث الذي يثير الضحك ويغري بالرثاء حين نحمل على الشباب تبعة أغلاط الشيوخ!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.