أما النظام القائم فهو — فيما تقول التيمس وفيما يقول الناس جميعًا — نظام تؤيده قلة لا يمكن الاعتماد عليها، ولا ينبغي الاعتماد عليها في تصريف الأمور، تؤيده قلة ضئيلة قد أظهرت الأعوام الأخيرة الماضية أنها لا تحسن الحكم، ولا تستطيع أنْ تنهض بأعبائه، ولا أنْ تحتفظ له بما ينبغي لكل حكم شريف من النزاهة والعدل وصيانة الحقوق والحرمات على أصحابها، والاحتفاظ بالكرامة القوميَّة نقيَّة لا يمسها أذى، ولا يلحقها شين ولا عيب.

وكانت قصة البدارى والمطيعة وما يشبههما من المخزيات التي تورطت فيها الإدارة، ولم يجد البرلمان إلى إصلاحها سبيلًا، وكانت الفضائح التي أثيرت بعد سقوط صدقي باشا، ولم يجد البرلمان سبيلًا إلى أنْ يسأل عنها صدقي باشا، وكانت القسوة التي أخذ بها الناس حين كانوا يريدون أنْ يستمتعوا بحقوقهم التي تكفلها لهم الطبيعة، ويسجلها لهم الدستور القديم والدستور الجديد.

كانت هذه الأشياء كلها وما يشبهها أدلة واضحة على أنَّ النظام القائم تؤيده قلة لا تصلح للحكم؛ لأنها لم تخلق له، وترفضه كثرة المصريين، وتعاهد نفسها، وتعاهد الوطن، وتعاهد الله على أنها لن تقبله، ولن تخوض من أجله غمار الانتخابات، وإذن فليس من سبيل إلى أنْ تستمر الحياة المصرية كما هي الآن؛ لأن استمرارها لن يكون إلَّا إمعانًا فيما شكت منه مصر منذ أعوام، وما أخذ الأجانب يشكون منه أيضًا.

ولسنا نحن الذين يقولون ذلك، وإنما يقوله الإنجليز، يقولونه منذ نقلوا مندوبًا ساميًّا قديمًا، وجاءوا بمندوب سامٍ جديد، يقولونه ويكثرون من قوله إذا تحدث بعضهم إلى بعض، وإذا تحدثوا إلى المصريين، وإذا كتبوا في الصحف. يقوله منهم المسئولون حين ينقلون مندوبًا، ويرسلون مكانه مندوبًا آخر، ويقوله منهم غير المسئولين حين يكتبون وحين يتحدثون.

وأمَّا الذين يخالفون هذه القلة الضئيلة التي تؤيد هذا النظام القائم ولا تصلح للحكم، فإن رأي الإنجليز أو رأي مكاتب التيمس على الأقل فيهم عجيب غريب، فالوفد ليس إلَّا ظلًّا لنفسه، والوفد ليس قادرًا إلَّا على الإزعاج والتهويش، ورئيس الوفد رجل لا يستطيع أنْ يحكم؛ لأن المصريين والوفديين خاصَّةً لا يحبون أنْ يروه ناهضًا بأعباء الحكم، وليس عند الوفديين رجل آخر غير رئيس الوفد يستطيع أنْ ينهض بتصريف الأمور، وإذن فلا ينبغي أنْ يعتمد في رأي مكاتب التيمس على الوفد، ولا على الوفديين في إخراج مصر من هذا الموقف الحرج الذي اضطرها الإنجليز إليه حين استخرجوا صدقي باشا من عزلته، وجعلوه شيئا مذكورًا، ومنحوه من المودة والتأييد ما بسط سلطانه على رقاب الناس ومنافعهم، وانتهى بأمور مصر إلى ما هي فيه من الفساد.

وصاحب الدولة محمد محمود باشا رجل نزيه، قوي، قادر على الحكم، ولكن أتباعه قليلون — كما تقول التيمس — وهو غير مستمتع بالرضاء الملكي — كما تقول التيمس أيضًا — وإذن فلا ينبغي الاعتماد عليه في تصفية الجو، وإخراج مصر من هذا الموقف الذي اضطرها الإنجليز إليه.

وصاحب الدولة توفيق نسيم باشا رجل نزيه، حازم، قادر على حل المشكلات، ولكنه كرئيس الأحرار الدستوريين لا يستطيع أنْ يعتمد على الأعوان والأتباع — فيما تقول التيمس — وهو كرئيس الأحرار الدستوريين لا يستمتع بالرضاء الملكي — فيما تقول التيمس — وإذن فهو كرئيس الأحرار الدستوريين لا يمكن الاعتماد عليه في حل المشكلة التي دفع الإنجليز مصر إليها.

وصاحب المعالي علي ماهر باشا رجل نزيه حازم، حلال للمشكلات، مستمتع بالرضاء الملكي — فيما تقول التيمس، ولكنه — فيما تقول التيمس أيضًا — لا يملك من الهيبة ما يحمل المصريين على تأييده والاستماع له، وإذن فليس من سبيل إلى الاعتماد عليه في إزالة الحرج الذي اضطر الإنجليز مصر إليه.

وإذا عجزت القلة الصدقية العبفتية، وعجزت الكثرة الوفدية، وعجز المتوسطون بين القلة والكثرة عن أنْ ينهضوا بمهمة الإنقاذ لكل هذه الأسباب التي ذكرها مُكاتِب التيمس وأشرنا إليها آنفًا، فإلى من تتجه الأنظار، وفيمن يكون التفكير، وعلى من يكون الاعتماد لإنقاذ مصر من هذا السوء الذي أغرقها الإنجليز فيه؟

الجواب واضح جلي، لا يقبل شكًّا، ولا يحتمل جدالًا، ولا يستطيع أحد أنْ يرتاب فيه، فالرجل الوحيد الذي يمكن أنْ يخرج مصر من الظلامات إلى النور، ويزيل عنها الحرج، ويكشف عنها الضر، ويردها إلى خير ما تريد، إنما هو المندوب السامي، وهو المندوب السامي وحده؛ لأنه رجل لا غبار عليه، ولا يستطيع الشك أنْ يحيط به أو يحوم حوله، بل هو الرجل الذي ظفر بما لم يظفر به أحد من الساسة المصريين جميعًا، وأولهم رئيس الوفد، من ثقة المصريين وحبهم وتأييدهم واعتمادهم الذي لا حد له، ولا تظن أنا نمزح أو نقصد إلى الفكاهة، فمُكاتِب التيمس لم يكن مازحًا ولا مداعبًا، حين كتب فصله القيِّم البديع، ومكاتب التيمس يُنبئنا بأن رجل الشارع في مصر يتمنى أنْ يرسل الله إلى مصر «كرومر» آخر، وما دام المندوب السامي الجديد قد أقبل، فما الذي يمنع أنْ يكون هو «كرومر» الآخر، وما الذي يمنع أنْ يحقق آمال رجل الشارع، ويرضي أماني المصريين؟!

وكذلك تنتهي إلى هذه النتيجة البديعة، وهي أنَّ الأمة المصرية لا تثق بالقلة الحاكمة ورؤسائها، ولا تثق بالكثرة المعارضة وزعمائها، ولا تثق بالمتوسطين بين القلة والكثرة، ولكنها تثق بالإنجليز، وهي إذن لا تنتظر الفرج من المصريين، ولا ترجو الخلاص على يد الزعماء المصريين، وإنما تنتظر الفرج من الإنجليز، وتنتظر الخلاص على يد المندوب السامي الذي يمثل الإنجليز، وقد تُكلِّف نفسك كثيرًا من المشقة والجهد لتنظر إلى هذا الكلام نظرة الجد، وتناقشه كما يناقش الكلام المعقول، ولكنك مضطر مع ذلك إلى أنْ تسمع هذا الكلام وتفكر فيه؛ لأنه ينشر في صحيفة التيمس، وقد نشر مثله في صحيفة الديلي تلغراف، وهما كما تعرف من الصحف الإنجليزية الكبرى التي لا تحب المزاح، ولا تؤثر إلَّا الجد.

ولست أدري ماذا تنكر من هذا! فهو قد يخالف منطق المصريين، وهو قد يخالف طبيعة الأشياء، وهو قد يثير الابتسام، وهو قد يدعو إلى الإغراق في الضحك، وهو قد يثير الغضب، ويدعو إلى غليان الدم أيضًا، ولكنه مع ذلك يلائم منطق الإنجليز، ومنطق الساسة من الإنجليز بنوع خاص؛ فالذين استطاعوا أنْ يخلقوا شيئًا من لا شيء، وأنْ يجعلوا صدقي باشا زعيمًا من زعماء السياسة، وأنْ يخلوا بين صدقي باشا وبين أمة كاملة، وأنْ يمكنوا صدقي باشا من هدم نظام وإقامة نظام، ومن تحكيم الطغيان القبيح في أربعة عشر مليونًا أكثر من ثلاثة أعوام، وأنْ يقولوا في أثناء هذا كله: إنَّ صدقي باشا رجل عظيم، مصلح نصير للديمقراطية، محقق للعدل، منقذ لمصر من الظلم، هؤلاء الذين استطاعوا أنْ يعملوا هذا كله، وأنْ يقولوا هذا كله، في غير تردد ولا خجل ولا حياء.

هؤلاء الذين استطاعوا أنْ يُقدِموا على هذا كله كما يُقدِم الرجال على أعمال الجد، وهم يعلمون فيما بينهم وبين الناس، وهم واثقون بأنَّ الناس جميعًا يعلمون أنهم عابثون هازلون. هؤلاء الذين استطاعوا أنْ يعملوا هذا كله، وأنْ يقولوا هذا كله قادرون على أنْ يجعلوا مندوبهم السامي زعيمًا مصريًّا، أعظم حظًّا بثقة المصريين من رئيس الوفد، وهم قادرون على أنْ يعلنوا أنَّ المصريين يقبلون على المندوب السامي ويثقون به، ويعتمدون عليه أكثر مما يُقبلون على النحاس ويثقون به ويعتمدون عليه.

فلا تنكر شيئًا إذن، فليس ينبغي أنْ ينكر على الإنجليز شيء، ولا أنْ يُستغرب من الإنجليز شيء، ولا تعجب إذا رأيت الإنجليز يذيعون في صحفهم أنَّ الشعب المصري قد تحوَّل عن النحاس إلى السير ميلز لامبسون، بل لا تعجب إذا رأيت الإنجليز يعلنون في الصحف أنَّ لديهم من رسائل البريد والبرق عشرات الألوف ومئاتها، بل الملايين، وكلها متفقة على أنَّ المصريين قد خلعوا زعامة النحاس، وخرجوا عن حب النحاس، وطوَّقوا أعناقهم بزعامة المندوب السامي، وملئوا قلوبهم بحب المندوب السامي.

فالإنجليز قادرون على أنْ يقولوا من ذلك ما تتصور وما لا تتصور، وما داموا يستطيعون أنْ يقولوا، وأنْ يؤيدوا ما يقولون بجيش الاحتلال، وما يستطيع جيش الاحتلال أنْ يُسخِّره من قوى المصريين؛ فالناس جميعًا مضطرون إلى أنْ يُصدِّقوا ما يقولون، وإذن فلا تستبعد أنْ يصبح الزعيم المصري الوحيد هو المندوب السامي الجديد، وأنْ يكون إليه هو دون غيره من الناس إخراج مصر من الحرج الذي دفعها الإنجليز إليه.

وليس في هذا شيء من الغرابة، فالإنجليز هم الذين أوجدوا هذا الحرج، والإنجليز هم الذين يستطيعون أنْ يُزيلوه، وهم قد أوجدوه بواسطة صدقي باشا، وهم قد يزيلونه بأنفسهم، إنْ بلغ حبهم لمصر أنْ يحملهم على التضحية، واحتمال التبعات مباشرة، وفي هذه الحال يستطيعون أنْ يؤلفوا وزارة من الإنجليز، فإذا كان حبهم لمصر قويًّا ولكنه معتدل، فقد يستطيعون أنْ يؤلفوا وزارة من هؤلاء الذين ينتظرون — كما كان ينتظر صدقي باشا — ويستطيعون أنْ يكونوا أدوات في أيدي الإنجليز يصدعون بالأمر الإنجليزي، وينفذون الإدارة الإنجليزية، ويحكمون المصريين كما يحب الإنجليز.

كل هذا ممكن ما دامت قلوب المصريين قد امتلأت بحب المندوب السامي، ووثقت به ثقة لا حد لها إلى هذه النتيجة، ينتهي التفكير المنطقي المستقيم لمكاتب التيمس، وتستطيع أنت أنْ تقول: إنها نتيجة يقبلها المصريون أو يرفضونها، ولكن الشيء الذي لا شك فيه هو أنَّ المندوب السامي إنْ كان يريد أنْ يخدم السياسة الإنجليزية في مصر والشرق خدمة صادقة خالصة، قوامها النصح، وغايتها إقامة الود مقام البغض، فهو خليق بألَّا يحفل بمثل هذا الهذيان، وهو خليق أنْ يعلم حق العلم أنَّ المصريين لم ينظروا إليه على أنه منقذهم أو مخلصهم، ولم ينظروا إليه على أنه حكم بينهم فيما يكون من خلاف، إنما ينظر إليه المصريون على أنه ممثل الدولة المحتلة التي تجاوزت الحد، ودخلت فيما لا ينبغي أنْ يعنيها، وأفسدت شئون مصر بدخولها هذا، وتستطيع أنْ تعود إلى حدودها، وأنْ تخلي بين المصريين وبين شئونهم حقًّا؛ لترد إليهم أمورهم حقًّا؛ وليسود فيهم حكم النظام الذي ارتضوه، والدستور الذي أقسموا له يمين الإخلاص والاحترام.

هذا هو الذي ينتظره المصريون من المندوب السامي، فإمَّا أنْ يضع نفسه منهم موضع الحكم بين الأحزاب، أو موضع المنصف للمظلوم، فذلك شيء لا يطلبه المصريون ولا يرضونه، ولن يطلبه المصريون ولن يرضوه؛ لأن عهده قد مضى وانقضى، وأصبح من أحاديث التاريخ، وإذا حقق المندوب السامي ما ينتظره منه المصريون، فلزم الحيدة الدقيقة الصادقة، وترك المصريين يدبرون أمورهم بأنفسهم، فسيرى يومئذ كما رأى الذين سبقوه أين تكون الثقة؟ وأين يكون الحب، وإلى من يكون تصريف الأمور؟ أمَّا إذا أبى المندوب السامي إلَّا أنْ يمضي في الطريق الذي مضى فيها أسلافه؛ فلن يلقى من المصريين إلَّا ما لقيه أسلافه، ويومئذ سيندم وسيحزن أشد الحزن، وسيود لو أنه لم يفارق الصين!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.