اتقاد الثورة

عرفنا أن عرابي أرسل إلى ضباط الجيش بعد استعفاء وزارة محمود سامي يحذرهم من أن يخطوا أية خطوة دون تلقي الأوامر والتعليمات منه لأنه هو «رئيس الوطن».

وعرفنا أنه وجَّه رسالة خاصة إلى ضباط حامية الإسكندرية يبين لهم فيها أن أهم مهمة ستقع على عاتقهم. وكان من الخطط السياسية المتبعة «تخويف الأجانب»، فكان الزعماء الوطنيون يقولون للقناصل في كل أزمة إنهم لا يضمنون سلامة الأجانب إلا إذا كانت أزمة الحكم في أيديهم. وإذا كان المؤرخون والباحثون لم يتوصلوا إلى الوقوف على التعليمات التي أرسلها عرابي إلى ضباط حامية الإسكندرية، فإنهم عثروا على كتاب من مصطفى عبد الرحيم أميرالاي الآلاي الخامس إلى عرابي موقَّع عليه من عدة ضباط جاء فيه ما يدل على تعليمات عرابي للضباط، ويدل أيضًا على أن الوطنيين بذلوا قبل ذلك مجهودًا كبيرًا في اختيار الموظفين الكبار لمدينة الإسكندرية من المخلصين لهم لكثرة الأجانب فيها دون سواها من مدن القطر المصري، ولأن للتأثير على الأجانب أثره الفعال في السياسة التي ترقيهم كما قلنا.

فعينوا سليمان سامي بن داود صديق عرابي الحميم قومندانًا للآلاي السادس، وعينوا حكمدارًا للبوليس سعيد قنديل وتحت قيادته البوليس وبلوك الخفر … إلخ.

فالمدينة كانت بيد الوطنيين، ولم يكن من حزب الخديوي فيها سوى المحافظ عمر لطفي باشا.

في ٢٧ مايو كان عمر باشا لطفي المحافظ في القاهرة، فغنم سليمان سامي وسعيد قنديل الفرصة لتأييد عرابي، فجمعوا الضباط في قشلاق قصر التين، وقرروا احتلال ميدان محمد علي وأن يقبضوا على القناصل، وأن يحتلوا حي الإفرنج إلى أن تُقدم لهم الترضية عن عزل الضباط الوطنيين من الوزارة، وأذاعوا ذلك في طول المدينة وعرضها، وأرسلوا إلى الخديوي وإلى سلطان باشا تلغرافًا قالوا فيه: إنهم لا يسلِّمون بانسحاب عرابي من الوزارة، وإنهم مستعدون للاحتجاج العملي، وإنهم يطلبون الرد على مطالبهم في ١٢ ساعة، فإذا انقضى هذا الموعد ولم يُجب مطلبهم فإنهم لا يكونون مسئولين عما يمكن أن يقع.

ووقَّع هذا التلغراف قُواد الآلايات الثلاثة وقائد البوليس وبلوك الخفر، وأكره هؤلاء محمد كامل باشا وكيل نظارة الحربية — وكان مركزه في الإسكندرية — على أن يرسل تلغرافًا باسم مرءوسيه تأييدًا للوزارة المستعفية. وقد ثبت ذلك أمام المجلس العسكري الذي حاكم الثوار من شهادات حسين بك صديق وكيل محافظة الإسكندرية، وسعيد قنديل حكمدار الإسكندرية، ومن شهادة وكيل الحربية والضباط الآخرين … إلخ.

ولما وصلت الأخبار إلى القناصل، جزعوا وخافوا وأسرعوا إلى حكمدارية البوليس، فوجدوا عند الحكمدار وكيل المحافظة، فبدلًا من أن يهدئ سعيد قنديل روعهم أفهمهم أنه يستحيل عليه المحافظة على الأمن العام إذا لم يَرِد الرد بالموافقة على تلغراف الضباط. وحاول القنصلان الفرنساوي والإنكليزي الوصول إلى الميرالايات لمكالمتهم، فاستحال عليهم ذلك. وكان ذعر الأوروبيين شديدًا جدًّا، فأخذوا يستعدون ويقبعون في دورهم ومنازلهم ومخازنهم، وانقضى الليل والنهار لا يغمض لهم جفن ولا يدرون كيف يصبحون؟

أما في القاهرة، فإن الحالة كانت في صباح ٢٧ هادئة ولكن النفوس قلقة، وكان الخديوي قد أرسل إلى المحافظات والمديريات خبر استعفاء الوزارة، وأمر المديرين والمحافظين بالسهر على الراحة والسكون، وأن يعدلوا عن الاستعدادات العسكرية التي كان عرابي قد أمر باتخاذها.

وبعد استعفاء وزارة محمود سامي وكل الخديوي إلى شريف باشا تأليف الوزارة، فوعده بأنه يفكر بالأمر وأنه يرسل رده بعد هذا التفكير، وألح عليه القنصلان الفرنساوي والإنكليزي بالقبول، فأجابهما الجواب ذاته.

ولما وصل تلغراف الضباط من الإسكندرية في الساعة الرابعة بعد الظهر، استدعى توفيق باشا إلى قصره في الإسماعيلية الأعيان والوجوه والعلماء وكبار التجار والضباط العظام، فلما كمل عقد اجتماعهم وجَّه إليهم الخديوي الكلام، فقال إن الوزارة قد استعفت وإنه قد قبل استعفاءها وإنه منذ اليوم يتولى هو بنفسه قيادة الجيش.

ولما لفظ هذه الكلمة رد عليه طلبة عصمت ردًّا ثقيلًا وقال إنهم لا يقبلون ذلك، وارتفعت أصوات زملائه الضباط بمثل ذلك، وحاول بعض الأعيان إسكاتهم فلم يفوزوا بطائل، وخرجوا من حضرة الخديوي دون استئذانه، ولحقوا بعرابي ومحمود سامي بقشلاق عابدين.

***

هذا ما كان من الضباط، وأما الآخرون فإنهم أخذوا يتباحثون؛ ففريق منهم طلب إعلان الجهاد على الأسطول الإفرنجي، ولكن الغالبية أعلنت استنكارها للتطرف والتورط بمثل هذه الأقوال الطائشة وحاولوا الوصول إلى مصالحة الخديوي والضباط. فذهب سليمان باشا أباظة وكيل مجلس شورى النواب على رأس وفد إلى قصر النيل فلم يجد أحدًا، وذهب وفد آخر أكثره من العلماء إلى قشلاق عابدين، فوصلوا إلى عرابي ورفاقه بعد جهد جهيد؛ فطلبوا أن يذهب الضباط الذين كانوا في سراي الإسماعيلية إلى دار سلطان باشا للتفاهم مع الأعيان المجتمعين هناك.

فأجاب «طلبة عصمت» أنهم لا يخطون خطوة دون ناظرهم، وبعد أخذ ورد سمح عرابي أن يكون الاجتماع بالضباط بمنزل سلطان باشا.

ولما عُقد الاجتماع أخذ سلطان باشا يحث على الاتحاد والوئام والخضوع لإرادة ولي الأمر، فكان الضباط يصيحون بحياة عرابي وبضرورة عودته للحكم وبطلبه في الحال لحضور هذا الاجتماع. فأرسلوا إليه يطلبون منه مشاركتهم في الاجتماع، فجاء مجيء القائد الظافر يحيط به حكمدار البوليس وأكثر من ٥٠٠ شخص من الجنود والشبان. ولم تكن القاعة ولا المنزل بكافيين لوسع هذا الجمهور الكبير، فجلسوا في الحديقة، وأرسلوا سلطان باشا للكلام، فقاطعه عرابي وأخذ يخطب الحاضرين بتلك اللهجة الخلابة والعبارات الفخمة الشعرية، ثم أخذ بمثل هذه اللهجة يعدد ذنوب الأسرة الخديوية ومعائبها من محمد علي حتى توفيق، إلى أن انتهى إلى قوله: «هل نسيتم جرائم هذا الخديوي توفيق؟ إنه يستدعي سفن الإفرنج ويخون الإسلام، فهل يتقى من وجه لمعاملته غير معاقبته بالعزل؟»

ثم التفت إلى الحاضرين وقال: على الذين معنا والذين على رأينا أن يقفوا لنعلن إسقاط الخديوي، فوقف العسكريون ومعهم بعض الملكيين، ولكن الغالبية ظلت جلوسًا. فاستل الضابط محمد عبيد سيفه وأقسم بالطلاق أنه يقطع بهذا السيف رأس كل مخالف، فلم يعبأ الأعيان والعلماء بهذا التهديد، وظلوا على سكوتهم وجلوسهم صامتين.

وأصدر عرابي أمره إلى أحد الميرالايات بأن يأخذ آلايه لحصار قصر الإسماعيلية، حيث يقيم الخديوي على مسمع من أولئك الأعيان والكبراء.

وحينئذٍ كانت ضجة شديدة؛ لأن الضباط أخذوا بتحطيم ما في الحديقة والشبابيك وسب سلطان باشا ولعنه، وفي إبان ذلك تظاهر عرابي بأنه يكتب عريضة إلى جلالة السلطان يطلب فيها خلع الخديوي.

ولكن غالبية الحاضرين ظلت على هدوئها وسكونها، ولم تعبأ بتلك الضجة والشتائم، وكان لها الفوز والانتصار؛ لأن أولئك الهائجين عندما رأوا كون الأعيان والكبراء والعلماء، وأنهم لم يتأثروا بأقوالهم وتهرجهم ومرجهم، غيروا من لهجتهم، وأخذ طلبة ويعقوب سامي يرسلان إلى النواب والأعيان ليلتمسوا من الخديوي إعادة عرابي إلى نظارة الحربية.

وعلى ما ارفض الاجتماع، وذهب سلطان باشا إلى الخديوي يتوسل إليه بشأن عرابي، فرفض إجابة طلبه وكانت ليلة سوداء في العاصمة.

أما في الإسكندرية، فإن الجمهور كان يتوقع مع الجزع والخوف حلول الموعد الذي ضربه الضباط. لذلك فكر المستر كوكسون قنصل إنكلترا منذ صباح ٢٨ مايو للبحث مع الأميرال والضباط في طريقة حماية الأجانب، ولم يكن عند الأميرال بوشان العدد الكافي من الجنود لإنزالها إلى البر، ولكنه أعد معدات إنزال النساء والشيوخ والأطفال الإنكليز إلى الأسطول.

وقبل انتهاء الموعد الذي ضربه الضباط، ورد تلغراف بأن الخديوي سيعقد في المساء جمعية من الوجوه والأعيان لاتخاذ القرار الذي يمكن اتخاذه، فأجَّل الضباط موعد تنفيذ الإنذار، وصرف الإسكندريون ليلتهم مرتاحين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.