هو رئيس وزرائنا — أتم اللَّه له الشفاء، وأسبغ الله عليه العافية — وقد طلع أمس في سماء مجلس النواب فبهر الأبصار، وخلب العقول، وهز القلوب في الصدور، وأطلق لسان أحد النواب المحترمين بهذه الجملة الشعبية الظريفة: «طلع القمر!»

ولكن القمر يطلع في أول الشهر، ويطلع في أثنائه، ويطلع في آخره، وله في مطالعه المختلفة هذه أسماء مختلفة، منها ما يبعث السرور والبهجة، ومنها ما يبعث الأمل والرجاء، ومنها ما يبعث في النفس شعورًا هادئًا شاحبًا لا بهجة فيه ولا سرور، ولا أمل فيه ولا رجاء؛ فالهلال يبعث في النفوس الأمل؛ لأنه سيصير بدرًا كاملًا كما قال أبو تمام، والبدر يبعث في النفوس بهجة وسرورًا وثقة؛ لأنه يصور القمر في أجمل صوره وأبهاها، وأخلبها للعقول والأبصار.

أما القمر فلا يبعث في النفوس شيئًا خاصًّا، وإنما هو شعور هادئ قلما يتجاوز هذا الجمال العام؛ ففي أي طور طلع قمر رئيس الوزراء أمس في مجلس النواب؟ لم يكن هلالًا من غير شك؛ فقد كان هلالًا منذ زمن بعيد، حين ألف الوزارة ونهض بأعباء الحكم! ولم يكن بدرًا من غير شك؛ فقد كان بدرًا منذ زمن بعيد، حين استحكم له الأمر، واجتمعت له أسباب القوة، فسيطر على مصر غير منازع ولا مُدافَع! وأجرى أمورها كما أحب بيد قوية حازمة لا تعرف الضعف، ولا يجد الخور إليها سبيلًا! وأطلق لسانه بألوان الخطابة في السياسة حينًا، وفي الاقتصاد أحيانًا، بالعربية حينًا، وبالفرنسية أحيانًا، في القاهرة حينًا، وفي الأقاليم أحيانًا، بل في مصر حينًا، وفي أوروبا أحيانًا.

كان في ذلك الوقت بدرًا كاملًا! كان قوي البأس، شديد المراس، حديد الشكيمة، وكان صحيح الجسم موفور النشاط. أما الآن فقد هان بأسه، ولان مراسه، وضعفت شكيمته، وتفرقت عليه الأمور؛ فهو لا يضبطها، وندَّت عليه الأعمال؛ فهو لا يستقل بتسييرها وتدبيرها، وأثَّر فيه المرض؛ فهو لا يخطب فيطيل، وإنما يشكر فيوجز، وهو لا يزور فيقيم، وإنما يلم ثم ينصرف. لم يكن هلالًا، ولم يكن بدرًا، وإنما كان قمرًا في آخر الشهر …!

على أنه لم يكن قمرًا فحسب، وإنما كان عرفًا وطيبًا أيضًا! لاح نوره في مجلس النواب، وكان المجلس مختنقًا بريح البصل كما قال بعض الخطباء! فتبددت هذه الريح، وتردد في الجو عطر خفيف ظريف أنعش نفوسًا، وأحيا آمالًا، وأقر السلام في نصابه بين الفريقين المختصمين، بين المؤيدين والمعارضين! وكان هذا السلام قد استقر من قبل في ذلك المؤتمر الذي انعقد صباح يوم الجمعة، والذي مهد له بالاجتماعات الخاصة، والمقابلات المتكررة، والذي انتهى إلى صيغتين كتبتا، ثم قرئتا، ثم أُقرَّتا، ثم تم الاتفاق على أن يتلو إحداهما رئيس المجلس، ويتلو إحداهما الأخرى رئيس المعارضين. وقد أنفذ الاتفاق في أمانة لا غبار عليها، واتخذ تنفيذه مظاهر تمثيلية لا تخلو من جمال، ولا تعوزها اللياقة والرشاقة.

فأما في الفصل الأول من القصة، فيجتمع مجلس النواب وتفتح جلسته، ويأخذ في أعماله كأن لم يكن شيء، ولكن النظارة لا يشكون في أن شيئًا قد كان؛ لأن هناك مجالس خالية، ولم تكن عادتها أن تخلو، وكراسي تنتظر أصحابها، ولم يكن من شأنها أن تطيل الانتظار، فأنت إن تردد بصرك بين المجلس وهو يمضي في أعماله أو يُظهِر المضي فيها، وهذه الكراسي الفارغة؛ لا تشك في أن شيئًا ذا بال قد كان، وفي أن أمرًا ذا خطر سيكون، وفيما أنت تفكر فيما كان، وتترقب ما سيكون؛ يدخل المعارضون وعلى رأسهم زعيمهم، فتشخص الأبصار، وتشرَئِبُّ الأعناق، ويتقدم زعيم الغاضبين إلى رئيس المعتذرين، فيكون حديث لا يسمعه أحد، ولكن كل إنسان يذهب في تقديره وتفسيره المذاهب.

ثم يعود زعيم المعارضة إلى مكانه، ويتلو رئيس المجلس الصيغة التي كتبت، فإذ هو يعتذر فيبسط العذر، ويؤكد حبه لحرية الرأي، ولحرية الكلام! ثم إذا أتم هذه الصيغة نهض زعيم الغاضبين فتلى صيغة الرضى! وإذا هو يسجل ويشكر ويتمنى! ثم يجلس ويمضي في أعماله كأن لم يكن شيء! وكأن لم يحدث خلاف! وتفكر أنت في العواطف التي ثارت في نفوس الغاضبين والمعتذرين، والعواصف التي هاجت في قلوب المعارضين والمؤيدين وهم يسمعون اعتذار الرئيس واسترضاءه، وشكر الزعيم ورضاءه.

وتفكر في العواطف والعواصف فلا يهتدي تفكيرك إلى شيء، وتحدق النظر في الوجوه ملتمسًا للعواطف فلا ترى عاطفة ولا تظفر بعاصفة، وإنما هو هدوء شامل قبل الاعتذار والرضى، وهدوء شامل بعد الاعتذار والرضى. كان الجو ملبدًا بالغيوم، كما يقولون، يقصف فيه الرعد، ويخطف فيه البرق، ولكنك تعلم أن الجو يصفو بعد الزوبعة.

وقد كانت الزوبعة يوم الأربعاء، فبدأ الجو يصفو يوم الخميس، وانجلى صباح الجمعة، وتم صفوه وانجلاؤه بعد ذلك، وعاد إلى المجلس هُدُوءُه الشامل، وسكونه الكامل، وإذا هو يتحدث في بنك التسليف العقاري، وفي قانون البصل!

ثم يكون الفصل الثاني، وفيه يشرق القمر، فيبعث في المجلس ضوءًا هادئًا فاترًا مريحًا، ولكنه باعث للنشاط، موقظ للهمم على كل حال، وإذا القوم يقفون إجلالًا للقمر، وإذا القوم يهتفون ترحيبًا بالقمر، وإذا القوم يصفقون إكبارًا للقمر، وإذا أشد القوم نشاطًا وأعظمهم قوة يطير في الجو، ويصعد في السماء حتى يبلغ القمر فيُقبِّل راحته! وأي غرابة في أن تكون للقمر راحة ينهال عليها محب القمر باللثم والتقبيل؟! ثم يتكلم رئيس المجلس فيرفع التحية إلى القمر، ويتكلم القمر فيرد التحية على محبيه، ثم يغيب القمر فتتبعه القلوب والنفوس، وتمضي في أثره الأماني والآمال …!

ويعود كل شيء إلى الهدوء والاطمئنان، وقد نجا المجلس من خصومة المختصمين، واعتذار المعتذرين، ورضى الراضين، وريح البصل، وانغمس في وزارة الزراعة يدرس ميزانيتها في نفس العجلة التي درس فيها ميزانية الأشغال مساء الأربعاء!

كذلك تجري أمورنا في مصر، اضطراب يعقبه هدوء، وغضب يعقبه رضى، وقمر يطلع ثم يغيب، ونظارة يرون فيبتسمون، ويسمعون فيضحكون، حتى إذا أصبح الصباح، وتناول الناس الأهرام، نظروا فإذا الجد كل الجد في لندرة، وإذا سياسة مصر تدبر في وزارة الخارجية البريطانية، أيعود المندوب السامي فيظل القمر مشرقًا في السماء؟! أم ينقل المندوب السامي فيهوي قمر، ويصعد مكانه قمرٌ آخرُ يبدو هلالًا؟! والله يعلَمُ أيتمُّ دورته أم يهوي قبل أن يصير بدرًا؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.