ألم يبلغ غضبُك أمدَه بَعْدُ؟! أيستطيع الناس أن يبغضوا دائمًا وأن يعاقبوا دائمًا؟!

سؤال أجراه الشاعر الفرنسي العظيم راسين في القرن السابع عشر على لسان بيروس بن أخيل إلى أندروماك، تلك التي ملأت قلبه حبًّا بعد أن ملأ قلبها لوعةً وحزنًا. فقد كان أخيل — أبو هذا البطل — قد قتل هكتور زوج هذه البطلة، وكان البطل نفسه قد دمَّر طروادة، وصبَّ على أهلها موتًا وخرابًا، وثكلًا ويتمًا، وترملًا وتأيُّمًا. صوَّرها القصص اليوناني القديم أروع تصوير، واختار الشاعر الفرنسي طرفًا منه فصوَّره تصويرًا بارعًا في قصته الخالدة أندروماك.

وقد زعم لنا راسين أن أندروماك وابنها الصبي كانا أسيرين عند هذا الملك بيروس، وأن اليونان أشفقوا من هذا الصبي إنْ بَلَغَ أشُدَّه أن يطلب ثأر أبيه، وأن يسترِدَّ ملكه، وأن يُقِيلَ قومه من عثارهم، ويُقِيم طروادة على أنقاضها من جديد؛ فأرسلوا سفراءهم إلى بيروس يطلبون إليه أن يقتل هذا الصبي أو أن يدفعه إليهم ليقتلوه، وكان الملك حريًّا أن يفعل لولا أنه يحب أسيرته ويريد أن يتخذها له زوجًا، وأن يلغي خطبته لبنت هيلانة تلك التي ثارت من أجلها حرب طروادة.

فالقصة صراع بين حب الملك لأسيرته وبغض الأسيرة لهذا الملك الذي صبَّ على قومها ووطنها ما صبَّ من الوبال والنكال.

وما أريد أن أتخذ هذه القصة الرائعة الخالدة موضوعًا للحديث، وإنما أتخذ هذا السؤال الذي اقتطفته منها في أول هذا الفصل مقدمة لطائفة من الأسئلة لا يستطيع إنسان مفكر له حظٌّ من ثقافة ونصيبٌ من تدبر وتأمل إلَّا أن يلقيها على نفسه كلما قرأ أو سمع الأخبار التي تُذاع علينا منذ أعوام عما يكون في أنحاء العالم من الانهزام والانتصار في كل يوم.

فقد كانت طروادة مدينة صغيرة، وكانت الأمة اليونانية التي دمرتها أمة صغيرة، وكان تدميرها مع ذلك مصدرًا لآثار أدبية خالدة في أكثر اللغات والآداب الكبرى على اختلاف العصور، ما زالت الإنسانية تعيش عليها، ويظهر أنها ستعيش عليها إلى آخر الدهر.

وليس من شك في أن الحروب الحديثة تدمر مدنًا أعظم من طروادة خطرًا، وأجل منها شأنًا، وأعمق منها أثرًا في الحضارة؛ فهل بين هذه المدن الكبرى التي تدمر العشرات منها في الأسبوع الواحد مدينة تستطيع أن تلهم الشعراء والكتَّاب بعض ما ألهمت طروادة شعراء اليونان والرومان والأوروبيين المحدثين من الآثار؟!

لقد عرفنا في هذا الأسبوع وحده أن خمسة ملايين من الفرنسيين لا مأوى لهم، وأن ثلاثة ملايين أو نحو ذلك من الفرنسيين يذوقون عذاب الهون في ألمانيا، سواء منهم أسرى الحرب والذين حُمِلوا كرهًا للعمل في ألمانيا، والذين نُفُوا من وطنهم لأنهم كانوا يشتغلون بالسياسة على غير ما يحب المنتصرون، وأن الذين أهلكتهم الحرب وأهلكهم الانتقام وأهلكتهم غارات العدو والصديق من الفرنسيين لا يُحصَون بعشرات الألوف، وإنما يُحصَون بمئاتها، وأن المدن التي دُمِّرت والمرافق التي أُفْسِدَتْ والمصانع التي مُحِيَتْ؛ كل ذلك لا يُقدَّر بمئات الملايين، وإنما يُقدَّر بألوف المليارات من الفرنكات.

وعرفنا في نفس هذا الأسبوع أن البولنديين قد فقدوا ما يقرب من ثلث السكان في وطنهم؛ أي ما يقرب من عشرة ملايين ذهبت بهم الحرب، وذهب بهم الانتقام، وذهب بهم الجوع والبؤس والمرض والحرمان، وعرفنا شيئًا مثل ذلك بالقياس إلى الأمم الأوروبية الأخرى التي قهرها الألمانيون ثم رُدُّوا عنها، وعرفنا أن اليونانيين كانوا يموتون مئات في كل يوم من البؤس والجوع، يسقط بهم الإعياء في شوارع أثينا وغيرها من المدن، وعرفنا ما قدَّم الإنجليز والأمريكيون والروسيون لإله الحرب من الضحايا والقرابين في الأنفس والأموال والمدن والمرافق.

ثم ها نحن أولاء نرى الدائرة تدور على الذين كانوا ينتصرون أمس فأصبحوا ينهزمون اليوم؛ فالشقاء الذي لا سبيل إلى وصفه يلح على ألمانيا لا نقول في كل يوم ولا نقول في كل ساعة، بل نقول في كل لحظة؛ فالمدن الألمانية تُمحَى من الأرض محوًا، وعشرات الألوف بل مئات الألوف من الألمانيين يُصَبُّ عليها الموت من السماء، وينجم لها من الأرض، ويأخذها من جميع أقطارها.

ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى إيطاليا، ومثل ذلك يُقال بالقياس إلى اليابان. والنتيجة الطبيعية لهذا كله هو أن هذا الهول الذي يعجز العقل الإنساني عن تصوره وعن تحقيقه قد شمل الأرض كلها، وشمل أجيال الناس جميعًا على اختلاف حظوظهم منه باختلاف قربهم من الحرب أو بُعدهم عنها، وباختلاف اشتراكهم في الحرب أو اجتنابهم لها.

وإذن؛ فليس بين قلوب الناس قلب لم تمسسه الحرب بأثر من آثارها، ضئيل أو عظيم. وكل هذه الآثار ليس من شأنها أن تبعث في القلوب حبًّا ومودةً، ولا أن تُشيع فيها عطفًا وحنانًا، وإنما هي تبعث في القلوب البغض والنكر كل النكر والعداء كل العداء.

وقد سمعنا في إذاعات الراديو أن الإنجليز اعتذروا أمس إلى الهولنديين، وقدموا إليهم أسف الحكومة والشعب والجيش؛ لأن الطائرات الإنجليزية أخطأت أهداف الحرب فصبَّت على الأصدقاء من الهولنديين عذابًا أليمًا وهولًا عظيمًا. ثم سمعنا في إذاعات الراديو أيضًا أن المستر تشرشل ينبئ العالم في تشاؤمه المعروف بأن أوروبا معرَّضة بعد الحرب إلى مجاعات يُخشى أن تكون ساحقة ماحقة. وأكبر الظن أن هذه المجاعات لن تحدث في أوروبا وحدها، ولكنها قد تحدث في ميادين الحرب الأخرى في الشرق الأقصى حيث شبَّت نار الحرب منذ أكثر من ثماني سنين.

ثم جاءتنا الأنباء بأن المنتصرين أنفسهم من الإنجليز والأمريكيين يقاسون أو بدأوا يقاسون ما تقتضيه هذه الحرب الطويلة العنيفة من البؤس والحرمان. فأمَّا ما يقاسيه الروسيون من ذلك فأمره أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى وصف أو تفصيل.

وستجتمع المؤتمرات لإقرار السلم وتنظيمه وإصلاح ما أفسدته الحرب من شئون السياسة والاقتصاد، وستبذل الجهود الهائلة لتعمير ما خُرِّب وتشييد ما دُمِّر، واستثمار ما أدركه البوار، وستبلغ الإنسانية من ذلك ما تريد أو لا تبلغه. ولكن الشيء الذي لن تجتمع له المؤتمرات ولن تبلغه إن اجتمعت له، هو علاجُ هذا البغض الذي استقر في القلوب، ومحو هذا العداء الذي شاع في النفوس، وإزالة هذا الحقد الذي جرى في العروق مع الدماء.

ويكفي أن نسمع ما يُذاع في الراديو من أي أمة من الأمم المحاربة، وأن نقرأ ما يُكتَب في الصحف لنستيقن أن العالم الآن لا يعيش على الحب، وإنما يعيش على البغض، ولا يصدر عن التعاطف والتراحم، وإنما يصدر عن التدابر والتناحر، وعن التحاسد وتبادل هذا الخوف المهلك. حتى الذين يتعاونون فيما بينهم على بلوغ النصر المؤزر أو اجتناب الهزيمة الماحقة، لا يقيمون تعاونهم على المودة الخالصة والمحبة الصادقة، وإنما يقيمونه على المنافع العاجلة، وعلى الاحتياط للمستقبل، وعلى الاعتبار بالماضي، والانتفاع بما أظهر من تجارب وما ألقى من دروس تدعو إلى الحذر والاحتياط، وإلى أن تعلن الألسنة أشياءَ وتسرَّ القلوب أشياءَ أخرى.

فما من شك في أن ألمانيا لم تُخلص لحلفائها يومًا ما، وما من شك في أن المنتصرين اليوم يُشفق بعضهم من بعض، ويحسب بعضهم لبعض حسابًا أي حساب، وما من شك في أن الحب والأمن ليسا هما اللذين يديران شئون العالم في هذه الأيام، وإنما البغض والخوف هما اللذان يسيطران على كل ما تدبره الدول بينها من تدبير.

والأمر ليس مقصورًا على ما يكون بين الدول والشعوب من الصلات، وإنما هو يتجاوز ذلك إلى ما يكون بين الجماعات في الأمة الواحدة وبين الأفراد في الجماعة الواحدة؛ فالأمم المنتصرة والأمم المنهزمة ستفرغ يومًا ما لإصلاح شئونها وإقامة ما انقض من بنيانها.

وستختلف الأحزاب وتصطرع الجماعات حول إقامة هذا البنيان المنقض وتنظيم هذه الشئون المختلطة. فأمَّا مكر بعض الأفراد ببعض، وكيد بعضهم لبعض، وإيثار كل واحد منهم لنفسه بالخير، وحرص كل واحد منهم على أن يوفر لنفسه أعظم حظ ممكن من النعيم والرغد والعافية؛ فشيءٌ نشهده في كل يوم، ونلحظه في كل مكان. ولعل الأسواق السود أن تكون أظهر الدلائل عليه.

هذه الصور القاتمة المظلمة تترك في نفوس الناس حين تعرض آثارًا مثلها قاتمة مظلمة، وتُصوِّر لهم الحياة الحاضرة والحياة المستقبلة بشعة منكرة، تضيق بها القلوب، وتزوَرُّ عنها النفوس، ويقول القائلون حين يشهدونها إن عارض هذه الصور لمتشائم محب للتشاؤم مسرف فيه، فما له لا يؤثر نفسه بهذه الآراء السيئة في الحياة والأحياء؟! وما له يشقُّ علينا بهذا التشاؤم البغيض، ولا يرفِّه علينا بما ينسينا بعض هذه الآلام، ويلهينا عن بعض هذه الخطوب؟! أليس ما نجد من آلام الحياة وأثقالها يكفي لشقائنا وضيق أنفسنا حتى يحتاج الكتَّاب إلى أن يعرضوا علينا فيما يذيعون فينا من الفصول. وهذا بالضبط هو الذي أردت أن أصل إليه حين عرضت كل هذه الصور المظلمة وهذه الخواطر المنكرة. أردت أن أصل إلى هذا السؤال: ما عسى أن تنتج هذه الحياة التي يحياها الناس الآن — والتي سيحيونها غدًا وبعد غدٍ — من الآثار فيما ينشئ الأدباء من الشعر والنثر؟ أتنتج أدبًا قاتمًا مظلمًا كأدب أبي العلاء، أم تنتج أدبًا مشرقًا باسمًا كهذا الأدب الذي نقرؤه في أكثر العصور الأدبية حظًّا من الهدوء والاستقرار، أم تنتج أدبًا ماجنًا متهالكًا كأدب أبي نواس وأشباه أبي نواس من الشعراء، أم تنتج هذه الآداب كلها في وقت واحد وتعرضها على الناس ليختار كل واحد منهم من بينها ما يلائم طبعه ومزاجه وحاجته إلى اللهو أو إلى الجد؟

وبعبارة موجزة: ما عسى أن يكون أثر هذه الحياة القاتمة في آداب الغد؟ أصائرون نحن إلى آداب التفاؤل والدعة، أم صائرون نحن إلى آداب التشاؤم والانقباض؟!

أمَّا منطق العقل، فيخيِّل إلينا أنَّا صائرون إلى مزاج من الأدب فيه تشاؤم كثير، مصدره هذا الهول الذي خضعنا له، وهذه الآثار المنكرة التي تركها بيننا. وفيه جهد كثير مصدره أن حياة الناس لا تخلو من الأمل، وأن عيشهم ضيق لولا أن أملهم واسع كما يقول الشاعر القديم.

وإذن؛ فسيقبل الناس على استئناف حياتهم الجديدة محزونين على ما كان، غير يائسين من الإصلاح ولا قانطين من القدرة على استدراك ما فات، وستكون آداب الغد صورة لحياة الغد فيها تشاؤم قاتم، وفيها جدٌّ حازم. كذلك يخيِّل إلينا منطق العقل.

ولكن منطق الدنيا — كما يقول صديقنا أحمد أمين — يعرض علينا صورًا أخرى تناقض هذه الصور أشد المناقضة، ولعلها أن تجد عند العقل مساغًا وتأويلًا. فمن الطبيعة أن نحزن ونجزع ونتشاءم لكل هذا الهول، ولكن ذاكرة الإنسان قصيرة، وأمانيه أطول من ذاكرته، وأثرته أشد سيطرة على حياته من عقله؛ فسيحزن الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتسلوا عن هذا الحزن، وسيتشاءم الناس ولكنهم سيحتاجون إلى أن يتخلصوا من هذا التشاؤم، وستكون شهواتهم أقوى من عقولهم، وستكون آمالهم أبعد مدًى من أعمالهم، وستكون أهواؤهم أشد جموحًا من طاقتهم، وسيطلبون إلى السلم أن تنسيهم الحرب وأهوالها بما تقدم إليهم من اللذات التي تعوضهم بعض ما فقدوا في أيام البؤس والحرمان، والتي تسليهم عما يشهدون من مظاهر البؤس والشقاء، والتي تعينهم على ما يأخذون فيه من أسباب الإصلاح والتجديد.

ولم تعبث فرنسا قط كما عبثت أيام الثورة، دفعها إلى ذلك اليأسُ واستنفاذُ ما يمكن استنفاذه من لذات الحياة في بعض البيئات، ودفعها إلى ذلك الأملُ والرغبةُ في التسلي عما يفل العزم ويثبط الهمم من المصائب والأهوال. ولم تعبث أوروبا كما عبثت بعد الحرب الماضية، دفعها إلى ذلك ما دفع فرنسا إلى العبث في أيام الثورة.

ولقد كان من أغرب الأشياء في ظاهر الأمر وأشدها ملاءمةً لطبائع الناس في الحقيقة الواقعة؛ ما كنَّا نعلم بعد الحرب الماضية من الكوارث التي ألمت بأوروبا، وما كنَّا نشهد فيها من مظاهر اللهو والعبث، ومشاهد المجون والفتنة.

وقد أنتجت أوروبا بعد الحرب الماضية أدبًا فيه تشاؤم وحزن، ولكنه لا يكاد يُذكَر إذا قيس إلى الأدب الباسم العابث الذي أنتجته أوروبا بين الحربين.

ولعل الذين شهدوا أعقاب الحرب الماضية في مصر وشهدوا نشأة الثورة الوطنية وما تكشفت عنه من شر كثير، يذكرون أن المصريين لم يضحكوا قط كما ضحكوا في تلك الأيام العابسة، وأن الأدب الجاد الحازم لم يكن له من الرواج والنفاق مثل ما كان لأدب الدعابة والفكاهة في تمثيل كشكش بك، وفي الأغاني الشعبية، وفي الصحف الأسبوعية الهازلة، وأن مصر لم تستأنف الأدب الحازم إلَّا بعد أن هدأت الثورة بعض الشيء.

وأكبر الظن أن الأمور ستجري بعد هذه الحرب كما جرت بعد الحرب الماضية، فسيلهو الناس وسيسرفون في اللهو. وقد أخذوا يفعلون قبل أن تضع الحرب أوزارها، وسينتج الأدباء لهم أدبًا يلائم حاجتهم إلى اللهو والاستراحة من الجد. ولكن ما مقدار الوقت الذي سيحتاج الناس فيه إلى الراحة، وما تقتضيه من لهو وتسلية؟ ومتى يستأنفون حياة الجد والحزم لينتج الأدب لهم أدبًا جادًّا حازمًا؟!

أمَّا بعد الحرب الماضية، فقد طالت الراحة واشتد الإسراف فيها حتى كادت تصبح طبيعة أوروبية، وحتى استطاعت ألمانيا أن تستعد وتتأهب وتنهض للثأر، وتفاجئ المنتصرين بهذه الحرب الثانية. وإذن فقد استراحت أوروبا ولهت عشرين سنة بعد الحرب الماضية، وأمَّا بعد هذه الحرب فلا يستطيع أحد أن يتنبأ بأن حاجة العالم إلى الراحة وما تقتضيه من لهو وتسلية ستقصر أو تطول، وإنما يستطيع الكاتب أن يتنبأ بأن الأدب الذي ستنتجه حياة العالم في الأعوام القليلة المقبلة سيكون أدب لهو وتسلية، حظُّه من الإشراق السطحي والابتسام العارض أعظم من حظِّه من الأناة والروية ومن التعمق الذي يمكِّن من التجديد والبناء.

وما أحسب أن الأمر في البلاد العربية سيختلف اختلافًا شديدًا عنه في أوروبا وأمريكا؛ فأجيال الكهول والشيوخ متعبةٌ مكدودةٌ، وأجيال الشباب حائرةٌ مرتبكةٌ تبحث عن نفسها ولم تتبين أهدافها بعد، ولا بدَّ لها من وقت لتتبين هذه الأهداف. فإذا لم أخطئ فسينفق العالم عشر سنين أو أقل أو أكثر يستمتع بأدب حائر متردد بين ماضٍ قد زهد فيه ومستقبل غير واضح الأعلام وقرَّاء قد أنهكت أعصابهم أهوال الحرب وأثقالها؛ فهم لا يريدون إلَّا أن يتسلوا وأن ينسوا وأن يجدوا فيما يقرءون ما ينسيهم أنفسهم ويتيح لهم شيئًا من عزاء. وليست الآداب التي تُنتَج في مثل هذه الظروف هي التي تستطيع أن تبقى أو تُقيم الأحداث أو تُعين على إنشاء العالم الجديد.

وليت شعري! ما الآثار الأدبية التي تستحق البقاء من كل ما أُنْتِجَ بين الحربين؟! وليت شعري! ما الذي حال بين الصلح الماضي وبين تحقيق الأغراض التي وُضِع من أجلها؟! ألا يمكن أن يكون مصدر ذلك أن الصلح الماضي قد وضعه الشيوخ على أساس واهٍ من آداب كان عصرها قد آذن بالانقضاء.

وإذن؛ فالصلح المقبل سيُوضَع على مثل هذا الأساس، سيضعه الشيوخ على أساس واهٍ من هذه الآداب التي عاش الناس عليها مضطربين مرتبكين مختلفين، حتى شبَّت هذه الحرب.

أقُضِيَ على هذا الجيل من الناس ألَّا يعرف طمأنينة ولا أمنًا ولا استقرارًا؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.