زَعَمُوا أنَّ وزارتنا قوية، شديدة القُوَّةِ، مُستقرة مُمْعِنَة في الاستقرار، تأمن الناس جميعًا ويأمنها الناس جميعًا، ليس بينها وبين الشعب الأخير ما يكون بين الحاكم والمحكوم من الصلات. وزعموا أنها مُسَيْطِرَةٌ على الأَمْرِ كُلِّه في مِصْرَ، حَافِظَةٌ على الناس أمنهم كله وما يحتاجون إليه من الدعة والطمأنينة في ظل النظام، وأنها إنما وفقت إلى هذا لأنها مُسيطرة على القلوب، مُتَسَلِّطَةٌ على النفوس، مُسْتَأْثِرَةٌ بالعواطف، مُصَرِّفة للأهواء، لا تأمر الناس إلا ائتمروا، ولا تنهى الناس إلا انتهوا، ولا تريد إلا أسرع الناس إلى تحقيق ما تريد.

وزعموا مع ذلك أنَّ لِهَذِهِ الوَزَارَة خُصومًا ضِعَافًا، لا يَمْلِكُون من أمرهم شيئًا، فَضْلًا عن أن يملكوا شيئًا من أمور الناس، لا سلطان لهم على أنفسهم فضلًا عن أن يكون لهم سلطان على الناس. وزَعَمُوا أنَّ هَؤُلاء الخصوم يُسْرِفُون على أَنْفُسِهِم فيَزْعُمون أنهم أقوياء، ويُعْلِنُون أنَّ الوزارة تخافهم، وتخشى بأسهم، وأن الوزارة تغلو في خوفهم فتراقبهم من قريب، وتراقبهم من بعيد، وتبذل المباح وغير المُبَاح لتَحُول بينهم وبين الشعب، ثم زَعَمُوا أنَّ الوزارة أَرَادَتْ أَنْ تقضي على وهم هؤلاء الخصوم، وأن تمحق حجتهم محقًا، وأن توئسهم حتى من التعلق بأهداب الوهم، والاستمتاع بلذات الخيال؛ فأذنت لهم، وأعلنت إلى الناس جميعًا أنها تأذن لهم في أن يذهبوا ويجيئوا أو في أن يغدوا ويروحوا، وفي أنْ ينتقلوا كما يُحِبُّون لا في القاهرة وحدها بل فيها وفي غيرها من المُدن، وفي أعماق الرِّيف أيضًا، فأَبَى هؤلاء الخُصوم أنْ يقبلوا هذا التحدي، وأنْ يتنقلوا بين المدن والقرى؛ لِأَنَّهُم أَشْفَقُوا إِنْ فَعَلُوا أَنْ تَقُوم عليهم الحجة، حتى أَمَامَ أَنْفُسهم، وأَنْ تقطع عليهم هذه اللذات التي يتعللون بها، ويتعزون بها عما أصابهم من الإخفاق والخذلان.

ولكنَّ قومًا آخرين لا ندري من أين أقبلوا ولا ندري من أين نجموا، ولا ندري من أين هبطوا، قد ظهروا فجأة، فإذا الناس يُحِبُّونهم حبًّا شديدًا، قد صرفهم عن الوزارة صرفًا، وإذا هُمْ مَصْدَرُ قلق للوزارة إذا كان النهارُ، ومصدر أرق للوزارة إذا كان الليل، وإذا الوزارة تنظر فتَرَى أَنَّها لا تَسْتَطِيعُ بقاءً أمام هؤلاء الناس الذين أقبلوا من حيث لم يكن أحد ينتظر إقبالهم إلا إذا خاصمتهم أشد الخصومة، وحاربتهم أعنف الحرب، وأخذتهم من ألوان الكيد والبأس، ونَصَبَتْ لَهُم من فنون المكر والحيلة أضعاف ما كانت تُهَيِّئ في الزَّمَان القديم لتلك الهيئة السياسية التي كانت تُسَمَّى الوفد، والتي كانت خطرًا فزال، وخوفًا فرفع.

وأخذت الوزارة تستأنف مع هؤلاء الخصوم الجدد، أضعافَ ما كانت تفعل مع أولئك الخصوم القدماء، وإذا الناس ينظرون ثم يسألون أنفسهم: أَمُحِيَ الوفد أم ما يزال قائمًا؟ أمات الوفد أم يزال حيًّا؟ أمُحِقَ أُولئك الخصوم أم ما يزالون مُحتفظين بكل ما كان لهم من قُوَّةٍ عَنِيفَةٍ وَبَأْسٍ شَدِيدٍ؟

ينظر الناس فإذا إقليم مجاور للقاهرة تفرض عليه الأحكام العرفية فرضًا، ويفصل من الأقاليم التي كانت تجاوره فصلًا؛ لأن رجلًا يريد أن يزوره ولا ينبغي لهذا الرجل أن يزوره. وينظر الناس إلى هذا الرجل، فيرون بينه وبين رئيس الوفد الذي زال ومحي شَبَهًا قويًّا، حتى لكأنه هو لم يتغير، ولم يتبدل، له شكله وصورته، له صوته ومنطقه، له حركاته وأعماله، فيقولُ النَّاسُ لِأَنْفُسِهِم أَين نَحْنُ؟ وماذا نرى؟ لقد كنا نظن أن عصر المعجزات قد انقضى، وأنَّ الموتى لا ينشرون في هذه الحياة. فإذا الوفد الذي مات لا يزال حيًّا، وإذا رئيس الوفد الذي أخفق وانصرفت عنه القلوب لا يزال منتصرًا، تلتف حوله القلوب، وإذا الوزارة ما تزال تعالج ما كانت تشكو منه من هذا الوفد الذي كان أذًى في الأجواف، وشجى في الحلوق.

ولا يكاد الناس يفرغون من هذا الحديث حتى يروا سيدة تهم بالسفر إلى طرف من أطراف الصعيد، وإذا الشعب من حَولِهَا قد خفَّتْ إليها نفسه وخفق لها قَلْبُه، وانْدَفَعَ إليها حُبُّه، يَغْمُرها بما فيه من المَوَدَّة والإِكْبَار، والإجلال، والوفاء، وإذا الوزارة تقاوم وتخاصم، فتحصر المحطات، وتُعَبِّئ القوى، وتحشد الجند، وتعتقل الناس، وإذا كل هذا يذكر بسيدة كان المصريون يُحِبُّونها وكانت الوزارات تُقَاوِمُها، حتى ضَعُفَ أَمْرُها كلَّ الضعف، وحتى نسيها الناس وأعرضوا عنها، وحتى مُحِيتْ صورتها من قلوبهم. وكانوا يُسَمُّونها أمَّ المصريين، فينظر الناس إلى هذه السيدة ويسأل بعضهم بعضًا ماذا نرى؟ ما أشد ما بين هذه السيدة وتلك من الشبه! وما أشد ما بين صنيع الوزارة معها الآن وصنيع الوزارات مع تلك من قبل!

ثم يقول بعضهم لبعض: من يدري؟ لعلها هي أم المصريين! لم ينسها أحد، ولم ينصرف عنها أحد، لم يُصِبْ أمرها ضعف ولا وهن، وإنما خُيِّل إلى الوزارة أن أمرها قد ضعف، وأنَّ سُلطانها على القلوب قد زال.

وكذلك يُفِيق المُجربون من نوم عميق، ويخلص المجربون من أحلام لذيذة، ويستيقن المجربون أنَّ ما أَنْفَقُوا مِنَ الجَهْدِ قد ذهب في غير طائل، وأن ما سينفقون من الجهد سيذهب في غير غناء، وأن مصر قد كانت وستظل خالصة للوفد، ورئيس الوفد، وأم المصريين، لا يصرفها عنهم صارف مهما تكن قوته، ومهما يطل أمامه الزَّمان، ومهما يمنح من المعونة والتأييد.

ولكنَّ المجربين على ذلك لا يكفُّون عن تجربتهم ولا يستَحُون من المُضِيِّ فيها؛ لأنَّ الاعْتِرَاف بالهَزِيمة أَثْقَل عليهم من الهزيمة؛ ولأنَّ التسليم بالخذلان أسهل عليهم من الخذلان، فهم يقاومون ويخاصمون، وهم مُقْتَنِعون فيما بينهم وبين أنفسهم، وفيما بينهم وبين الناس، بأن لا فائدة لهم في المُقاومة، ولا نفع لهم في الخصام، ثم يعوِّدون أنفسهم هذا الجهاد الذي لا يفنى، وهذه المقاومة التي لا تُفيد حتى يتعوَّدُوهما، وينظروا إليهما كما ينظر الرجل إلى صناعة لا خير فيها ولا نفع منها، إلا أَنَّها تُعِينُ على الحياة، واحتمال العيش، وإنفاق الوقت.

هذا بالضبط مثل ما نحن فيه الآن، تجارب تدفع إليها الوزارات وتدفع إليها مصر، وتخسر فيها الوزارات جهودًا كان من المُمكن أن تكون مُثْمِرَة، وتخسر فيها مصر أوقاتًا كانَ من الممكن أنْ تكون نافعة، ويظهر للوزارات المُختلفة، كما يظهر لمصر، أنَّ هذه التجارب ليست إلا لغوًا وعبثًا وإضَاعَةً لِمَا لَا يَنْبَغِي أنْ يُضَاع. ولكنَّ الإنجليز يمضون في تجاربهم، وماذا يعنيهم أن تضيع جهود الوزارات؟ وماذا يعنيهم أن يضيع وقت مصر؟ وهُم إِنَّمَا ينتفعون بما تُضِيع الوزارات من جهود، وإنما هم ينتفعون بما يضيع على مصر من أوقات.

إنما اللوم كل اللوم على هذه الوزارات التي ترى إخفاق التجارب ثم تَمْضِي في مُعَاونة الإنجليز عليها، وترى ضياع الجهود ثم تمضي في تحقيق آمال الإنجليز فيه، وترى ضياع الوقت على مصر ثم تمضي في إغراء الإنجليز به، لماذا؟ لأنَّها تريد أن تحتفظ بالحكم؛ ولأنَّها تُرِيدُ أَنْ تستبقي المناصب في أيديها، وإلا فحدثني ماذا تنتظر الوزارة القائمة من كل هذا الجهد العنيف الذي تبذله، ومن كل هذا الوقت العزيز الذي تضيعه، ومن كل هذا الشر العظيم الذي تعرض البلاد له، وهي قد رأتْ أَنَّ وزارات أُخْرَى قد فعلتْ أَضْعَاف ما فعلت فلم تَبْلُغ شيئًا ولم تنتهِ إلى شيء، ولم تظفر برضا الإنجليز فضلًا عن رضا المصريين؟!

فيمَ كل هذا الجهد الذي بذلته الوزارة في منع رئيس الوفد من زيارة القليوبية، وفي التشديد حول زيارة أم المصريين لأسوان؟ ما الذي تنتظره من هذا؟ وما الذي جناه صدقي باشا من محاولة هذا؟ لا شيء، وإنما هي حياة يجب أن تحتمل، وجهود يجب أن تُبْذَل، وأوقات يجب أن تضيع.

وهذه أنباء أسوان تحمل إلينا ما كان من اصطدام بين الشرطة والشعب، وما كان من اعتقال للعشرات من الناس، وما كان من إغلاق للفندق الذي نزلت فيه أم المصريين بالحواجز والسلاسل، وما كان من تتبع لسيارة أم المصريين حين تذهب أو تجيء؟ تحمل إلينا أنباء أسوان هذا كله، فماذا تجني منه الوزارة؟ وماذا تنتظر أن تجني منه؟ لن يدل أحدًا من المصريين ولا من الإنجليز على قوتها وشدة بأسها وقُدْرَتِها على ضبط الأمر وحفظ النظام. فرأي المِصريين ورأي الإنجليز في ذلك معروف، لن يمدَّ لها ذلك في الحياة، ولن يحفظ عليها ذلك مناصب الحكم، ولن يعينها ذلك على البقاء؛ فقد فعل ذلك غيرها فلم يجنِ منه خيرًا، ولم يفد منه شيئًا، ونزل عن الحكم كما وثب إلى الحكم؛ لا يحبه أحد، ولا يعطف عليه أحد.

ألم يأذن الله لمصر أنْ يَلِي أُمُورها قومٌ لَا يُحِبُّون إِضَاعَة الوقت، ولا إنفاق الجهود فيما لا يُفِيدُ، ولا ينظرون إلى الحُكْمِ على أنه غاية تحتمل في سبيله الأثقال والمشقات، وإنما ينظرون إليه على أنه وسيلة ترفع بها عن الأمة المشقات والأثقال؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.