… انتشر في الشرق مرضان من أخطر الأمراض الاجتماعية؛ وهما: النفاق الفردي والاجتماعي، وحب المال الذي طغى على حياة معظمنا فأدى بنا إلى هاوية سحيقة من المادية والأنانية، وكاد يقضي على القوى الروحية فينا. فما أسباب هذين المرضين؟ وماذا ترى لعلاجهما؟

إبراهيم سيد سليمان المنصوري، منية النصر – دقهلية

لا أحب أن يكون الجواب على هذا السؤال «محولًا على ما قبله» من آفة الانحصار في الذات؛ لأن المفيد في المسألة هنا أن نعرف حقًّا أن النفاق وحب المال «مرضان» في هذا العصر، وليست غاية الأمر فيهما أنهما عادتان أو خلقان من الأخلاق التي تُذمُّ بين أمثالها من الأخلاق المعيبة …

من قديم الزمن كان الناس ينافقون ويحبون المال، ولكنهما عادتان مفهومتان عند الرجوع بهما إلى نشأتهما الأولى؛ لأن مجاراة الجماعة كانت فرضًا على الفرد لا مهرب له منه من قبل تقرير الحقوق الشخصية، وقبل البحث في مزاياها ومآخذها، فلم تكن مجاراة الفرد للجماعة نفاقًا بمعنى هذه الكلمة الذي فهم بعد ذلك، ولكنه كان بمثابة إعطاء ذي الحق حقه أو حقوقه كلها؛ إذ لم تكن للفرد حقوق إلى جانب حقوق الجماعة عند ظهور هذا «النفاق» للمرة الأولى.

كذلك كان حب المال عادة مفهومةً لأن صاحب المال كان قبل ذلك صاحب السلطان، وكان — إذا جمع المال والسلطان — جمع كل شيء تهواه النفوس، ويستطاع شراؤه بالثمن أو الحصول عليه بالقوة.

ثم أصبحت العادة المفهومة عادةً تقليديةً، ثم أصبحت مطلوبةً لأنها تقليد متبع كسائر التقاليد.

وإلى هنا بقيت العادة في حدودها ولم تنتقل إلى دور «المرض» النفساني الذي يحتاج حقًّا إلى علاج كعلاج الأمراض، وطب كطب المستشفيات على الواسع أو على الضيق حين نرسم حدود تلك المستشفيات.

علامة المرض في خلق من الأخلاق أن أسبابه المفهومة لا تكفي لتعليله؛ فالخوف من الماء مفهوم إذا كان على قدر الخوف من الغرق، ولكنه إذا انقلب إلى خوف من كل ماء غزير لسبب أو غير سبب فهو المرض الذي يحتاج إلى العلاج.

والخوف من الظلام مفهوم إذا كان خوفًا من شيء مخبوء يغطيه الظلام، ولكنه مرض إذا لم يكن في الظلام شيء مستور يخاف، وكان على التحقيق خلوًّا من كل داع إلى الخوف.

ولا شك أن النفاق مرض إذا كان مجاراة للجماعة لا توجبه المصلحة العامة، وهو كذلك مرض إذا كان جبنًا لا يقتضيه الحذر المفهوم، وإنه لمرض أشد من هذا وذاك إذا وقع فيه المرء وهو يعلم حقوقه الشخصية، ويعلم ما هي الحقوق التي تجب للجماعة ولا ينبغي أن تزيد عليها.

والمرض بالمال أظهر في هذا العصر من المرض بالنفاق؛ لأن أسباب طلبه لا يفسرها مقدار الحاجة إليه، وما من إنسان في هذا الزمن يتهافت على طلب الثروة العريضة وهو محتاج إليها؛ لأن الزيادة على المقدار الكافي للضروريات والكماليات المفهومة تتضاعف أعباؤها وهمومها في العصر الحاضر، وتنتقل بصاحبها من القدرة إلى العجز، ومن الراحة إلى التعب، ومن السيطرة على التكاليف إلى الخضوع للتكاليف.

هذان مرضان لا شك فيهما، فما هو العلاج الذي لا شك فيه؟ لا شك عندنا في فائدة العلاج الحاسم لداء النفاق من طريق العلم بالحقوق الشخصية.

ولا شك عندنا في فائدة العلاج الحاسم لداء الطمع من طريق التقارب بين الطبقات الاجتماعية، وهو علاج حاصل يمضي إلى غايته في عصرنا هذا، ولا مناص من وصوله إليها. ولا فائدة من الثروة العريضة — حتى من باب الولع بالمظهر والوجاهة — ما دام أغنى الأغنياء قريبًا في متعته ونفوذه من أفقر الفقراء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.