في أكثر أيام الأسبوع ألقي النظر في رهبة على صحيفة الوَفَيات ﺑ «الأهرام»، وأرفعه عنها في أسًى أشارك به من عرفتُ ومن لا أعرف من الناعين. وفي يوم الجمعة الفائت وقع بصري على نعي يخلو من الإفاضة والتفصيل. ذلك نعي المرحوم خليل السكاكيني. والناعيات هن بنتاه وأخته. وهذا الراحل قد يعرفه الأكثرون في الأرض القاصية ممن ربَّاهم وهذَّبهم جيلًا بعد جيل في وطنه فلسطين، ونزحوا منها للعُلا والعمل الحلال. ثم نزح هو ومن معه من أهله المشتتين إلى مصر وترك بها ما ترك للمعتَدِين على بلده، مدرسته ومكتبه كانا إليه أحب ما يمتلك، وكان لهما أطيب الأثر في التربية القومية العربية وفي تخريج نخبة من الوطنيين الصادقين.

وأخيرًا حَلَّ هذا العالم بمصر وضمه المَجمع اللغوي لعضويته، وظفر منه بشحنة قوية من العلم والأدب الناضج. ثم فقد الرجل وحيده من نَيِّفٍ وشهرين فهدَّ مصابه فيه ومصابه في بلده ركنًا قويًّا من شيخوخته المتقدمة المتينة. والآن في الساعة التي أقرأ فيها نعي ذلك المربي ولا يتسنى لي على أَلَمٍ أن أشيع جثمانه إلى مثواه الأخير، أتمثل صورة إنسان راقٍ زهت فيه المثالية على أوضح صورها، فعاش في تواضُعه وإنكار ذاته متواريًا دون أن يسعى إلى شهرة أو يتشهَّاها وهو بها جدير، ومال إليه اليسر الحلال فلم يبطره، وأدى له حقه من السخاء والكرم، ثم مال عنه المال فعاش في عسرته وعفته غنيًّا مترفعًا دون شكاة أو تبرُّم، وجاد قلمه بروائع الفكر وكتب التربية ورسائل الأدب دون أن يحفل بجهل الناس أو بعلمهم بما كتب، وبذل من خصب قريحته وبيانه الخصب الجيد الحلو في غير تكلُّف ولا زهو، كما يبذل النَّحل دون أن يعرف أن فيما يبذله الشُّهد المستطاب، وعرف كيف يحب الإنسانية ويؤمن بها، وبالفضيلة دون أن يمكن له سلطان أو جاه ليحقق بعض ما ينشد للناس من خير وإسعاد، وتحلى بجملة من الأخلاق والآداب لها نفحها الشذي دون أن تضعه الأقدار والظروف في منزلة يستطيع معها أن ينشر شذى صفائه في واسع الأرجاء والأنحاء. وأَحَبَّ بلاده حبًّا جمًّا دون أن تمكن له شيخوخته وحاله إلا أن يجود لها بما يملك من صدق وذكريات وصلوات وعبرات.

ثم مات الرجل مهمومًا محزونًا لموت ولده وضياع وطنه، ثم نُعِيَ كما يُنعى سائر الناس، ثم شُيِّعَ وتوارى في مقره الأخير في الأرض، وظني أنه لم يحفل بجنازته جمهرة من العظماء والنابهين كما ينبغي له، ولولا أننا نؤمن بعدل الله ليؤخر جزاء الفاضلين الصابرين لقلنا: ما أتعس هذه الحياة! وحري بالمرء ألا يعيش.

لقد كان خليل السكاكيني في فضائله المطوية المكظومة، وفي طهره وانزوائه وصبره، يمثل صورة لفلسطين في ظلمها وضياعها وجلَدها المحطم، ولقد كان آخر ما رأيته وسمعته منه قبل سفري دمعة تتأرجح في مقلتيه، وكلمات تتردد بين أوتار صوته المنحبس الأجش: ألهذا جئنا إلى مصر؟!

يرحمك الله يا خليل حيًّا وميتًا. إن مصر — وهي الجارة الجنيبة والشقيقة الحبيبة لوطن هِمْتَ به هيامًا — وأغلقت بصرك للمرة الأخيرة دون أن ترى منه الإشعاعة المتأججة، هي أولى أن تحظى ببقايا هيكل وغلافٍ طالما ملأتْه رُوحك بالبِشر والصفاء والعلم والطهر والرجولة. ففي كرم الله أنت وقبوله.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.