صباح اليوم، بعد أن صحوت من نومي ولبست ملابسي، أتتني الخادمة بالفطور لآكل ثم أخرج، ألقيت نظري على الطعام فوجدته مختلف الألوان من جبن وزيتون وبيض ولبن وقهوة، وكانت لي شهية للأكل، فأكلت من الجبن والزيتون والبيض حتى شبعت، ثم نظرت للبن والقهوة، وقلت لنفسي: «إني أشرب اللبن مع القهوة صباح كل يوم، ولقد شبعت من غيره اليوم، وليس في مقدوري أن أضيف إلى ما في معدتي من اللبن شيئًا.» وقمت لأرتدي ملابسي، وإذا بي أرى كلبي يبصبص لي بذنبه، فأفرغت ما كان في فنجاني من اللبن في وعاء الكلب وتركته والوعاء.

ركبت ركاب الرمل حتى الإسكندرية، وقضيت بعض حوائجي، ثم أردت الرجوع فانتظرت في المحطة قليلًا مترقبًا وصول القطر الذي يقلني حتى المحطة التي أسكن فيها، وإذا بي أرى رجلًا يبلغ الخمسين يسير وراءه طفل ما شككت في أنه ولده، يحمل معه قدرًا مملوءًا بسائل لا أعرفه، وحاولا ركوب قطار كان قد غادر المحطة، وابتعد عنها قليلًا، وإذا بالولد يهوي على الأرض والأب يهوي فوقه، ولحسن حظهما لم يصابا بسوء، ولكن القدر انكسر وسال ما فيه على الأرض، وكان لبنًا ناصع البياض، فنظر إليه الرجل نظرة ملؤها الأسف، وكادت الدموع تسيل من عينه، ثم سار في طريقه مع ابنه وكأنه تفاءل شرًّا مما حدث، فعاد من حيث أتى.

لم ألبث في طريقي قليلًا حتى رأيت طفلين من أطفال شوارع الإسكندرية يتسابقان لمكان الحادثة، وكانا لابسين من الملابس ما لا يحجب من جسديهما إلا القليل، عاريي الرأس، حافيي الأقدام، تتراكم على جبهتيهما وملابسهما القاذورات والأوساخ. تسابقَا لمكان الحادثة، ولما وصلا إليه ركعا على الأرض، ولبثا يلحسان اللبن وكان لبنًا بالتراب لا بالقهوة.

يا الله! أترفض نفسي في هذا الصباح فنجان لبن بقهوة، وترضى نفسا هذين الفقيرين لبنًا ممزوجًا بالتراب؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.