قال أبو حيان (وأظنه المؤرخ اللغوي المحدث الأندلسي نزيل مصر وليس التوحيدي) في المحدث يحيى بن معين:

وَيَحْيَى وَمَا يَحْيَى وَمَا ذُو رِوَايَةٍ

وَمَا أَنَّ لِيَحْيَى ذِكْرَ عِلْمٍ بِهِ يَحْيَا

سِوَى ثَلْبِ أَقْوَامٍ مَضَوْا لِسَبِيلِهِمْ

سَيُسْأَلُ عَنْهَا حِيْنَ يُسْأَلُ عَنْ أَشْيَا

ولا أدري أصحيح أم باطل قول أبي حيان في يحيى هذا، ولكنه على كل حالٍ أثارَ مسألةً من أخطر مسائل «أدب المؤرخين»، أَلَا وهي مسألة الحكم على الرجال في التاريخ، وهي من المسائل التي تعرَّض لها السخاوي في رسالته الفريدة «الإعلان بالتوبيخ لمَن ذمَّ التاريخ».

وظاهر كلام السخاوي أن من العلماء مَن كره إسراف المؤرخين (بما فيهم رجال الحديث) في التعرُّض للرجال والحكم عليهم كرهًا حدَا ببعضهم إلى اعتبار ذلك النوع من التاريخ وأشباهه غيبةً، ومَن تساهَلَ من العلماء بعض الشيء عدَّه عبثًا إنْ لم يضر الاشتغال به فهو لا ينفع في دنيا أو في آخِرة. وقد أورد السخاوي في هذا الباب طُرفًا جديرة بالنظر، قال: إن أرباب العقول يستهجنون ذكر حوادث لا معنى لها ولا فائدة، كذكر أناس من الأكابر يضاف إليهم شرب الخمر وفعل الفواحش، مما تصحيحه عنهم عزيز، وهو متردِّد بين إشاعة الفاحشة إن صحَّ، أو القذف إن لم يصح. كما أنهم أنكروا الزيادة في الجرح على ما يحصل الغرض، وذكر السخاوي قول ابن الأثير أن من المؤرخين مَن سوَّدَ كثيرًا من الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراضُ عنها أولى، وترْكُ تسطيرها أحرى وأعلى، كقولهم إن فلانًا أكرم وهو من المجرمين، وأن فلانًا أهين وهو من أئمة المسلمين؛ ووجهُ استنكاره أنَّ هذا يقتضي التحرِّي على غيرهم. قال السخاوي: وكان البخاري زائد التوقِّي، بليغ التحرِّي، أكثر ما يقول عن الرجل: «سكتوا عنه، فيه نظر، تركوه …» ونحو هذا، وقلَّ أن يقول: «كذاب أو وضَّاع»، وإنما يقول: «كذَّبه فلان، ورماه فلان». وقد انتهى السخاوي إلى إيراد رأيه في مسألة الحكم على الرجال على وجه من الاعتدال جدير بالنظر، قال: إن من الأماكن التي يجوز فيها ذِكْر المرء بما يكره ولا يُعَدُّ ذلك غيبة بل هو نصيحة واجبة، أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأنْ لا يكون صالحًا لها، وإما بأنْ يكون فاسقًا أو مغفلًا أو نحو ذلك، فيذكر ذلك ليُزال بغيره ممَّن يصلح؛ أو يكون مبتدِعًا من المتصوفة وغيرهم أو فاسقًا، ويرى مَن يتردَّد إليه للعلم أو للإرشاد، ويخاف عليه عود الضرر من قِبَله، فيعلمه ببيان حاله، ويلتحق في الفتوى أو التصنيف أو الأحكام أو الشهادات أو النقل أو الوعظ حيث يذكر الأكاذيب وما لا أصل له على رءوس العوام؛ أو المتساهل في ذكر العلماء أو في الرشا أو الارتشاء.

وواضح إذن أن الأقدمين وضعوا للخوض في الرجال — الأحياء منهم والأموات — حدودًا وضوابط تستحق من الأحدثين أن يتذكروها، وأن يتدبروها، وأن يتأدب بها المؤرخون على وجه الخصوص. فنسبة فعل الفواحش «لمَن مضَوا في سبيلهم» إشاعةٌ للفاحشة إنَّ صحَّ، أو قذفٌ إنْ لم يصح. والزيادة في الجرح على ما يحصل الغرض هو أيضًا مما يجب تجنُّبُه، بل إن من العلماء مَن نسب المتعرِّض للتجريح في الأزمان المتأخرة إلى ارتكاب المحرم لكونه غيبةً، وإن الأخبار المرخص بها قد دُوِّنت وانتهى أمرها.

والخلاصة أن لا مبرر للخوض في الرجال إلا لأغراض التحقيق العلمي طبقًا لأصول العلم وأوضاعه، أو مصلحة ظاهرة للجماعة أو الأمة، وهذا كله مع شعور المؤلف بخطورة ما هو بسبيله ومسئوليته الكبرى عنه، فَلْيراعِ المؤرخ وَلْيراعِ كلُّ مَن يقول في الناس أحياءً وأمواتًا؛ الاحترازَ من إثم الغيبة المحرمة.

هذا وللمدرسيين من المؤرخين — وهم الذين راضوا أنفسهم على اتباع أصول التأليف التاريخي — كلام في الحكم على الرجال وعلى المذاهب وعلى الحركات في التاريخ، يتفق عمومًا مع ما ذهب إليه أئمتنا، وإن كان المدرسيون قد سلكوا في البحث في المسألة مسالكَ أخرى.

قال المدرسيون إن اعتقاد المؤرخ أن واجبه الأساسي الفصلُ بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، يقوم على أوهام وعلى انحراف تام عن مهمته الأصلية، أَلَا وهي محاولة إيجاد ذلك التركيب التاريخي من جميع الحقائق التي تفي بحاجة الناس لإدراك شيء مضى؛ رجلًا كان أو مذهبًا أو حركة تاريخية. والواقع أنه من الوهم أن يعتقد إنسان أن الأحداث الماضية كانت صراعًا مجردًا بين حقٍّ وباطلٍ، أو بين صلاح وفجور، والأصح أنها كانت دائمًا بين حق وباطل من ناحية، وحق وباطل من الناحية الأخرى. وكذلك من الوهم أن يزعم إنسانٌ ما أنه عرف من الحقائق ومن خفايا الأنفس ما يؤهِّله لأن يعمل عملَ الديَّان يومَ يقوم الحساب. ولقد نشر الأستاذ كريتون — وكان من أساقفة الكنيسة الإنجليزية (أيْ على المذهب البروتستنتي) — كتابًا ضخمًا في تاريخ الباباوات، احترَزَ فيه غاية الاحتراز عندما عرض لما نُسِب لبعض بابوات عصر النهضة الإيطالية من أمثال البابا الإسكندر السادس من تُهَمٍ شنيعة، فاحتجَّ عليه المؤرخ المشهور اللورد أكتن (وكان كاثوليكيًّا) وأخذ عليه رفقه وتساهله فيما يمس المبادئ الأساسية للأخلاق، وهي في نظره ثابتة معروفة مقرَّرة لا تقبل اعتذارًا بظروف الزمان والمكان. وكان ردُّ كريتون أنه لا يستطيع أن يقوم مقام الله، وأن ليس لديه كل ما يُثبِت — أو ما ينفي — صحةَ ما اتُّهِم به الإسكندر السادس، وأن كل ما يستطيعه هو أن يحقِّق ما وسعه التحقيق، وأن يعرض كلَّ ما أمكنه أن يهتدي إليه، أما الحُكْم النهائي فهو لله العالِم بكل شيء. وانشغالُ المؤرخ بإصدار الأحكام القاطعة الجازمة في حقِّ كلِّ مَن مضى وما مضى مُفسِدٌ لأدبه، معطِّلٌ لجهده الخُلقي، وأفضلُ المحاسبات محاسبةُ النفس، وأقْوَمُ الأحكام حكمُ النفس على النفس.

ولا ريبَ أن انشغال المؤرخ بإصدار الأحكام القاطعة يعطِّل أيضًا الاهتداءَ إلى ما هو أنفع وأجدى. يشكو المسلمون من الشيعة من معالجة المؤرخين السنيين لشئون مذهبهم وفِرَقهم، ويشكو المسلمون السنيون من معالجة المؤرخين الشيعيين للكثير من رجال وأحداث التاريخ الإسلامي. ولا أزعم أنه من الممكن تأليف تاريخ يرضى به الفريقان تمامًا؛ إذ إن لكلٍّ منهما نظرةً تقوم على مقدمات مسلمة لا يقبلها الفريق الآخَر، ولكني أزعم أنه من الممكن — بل من الواجب — إنشاءُ تاريخ يحترمه كلٌّ منهما، يعرض وجهتَي النظر، ويخلو من الاستهجان والذم والامتهان؛ ويؤدي إلى ذلك النوع من التقريب الذي يقوم على الاحترام المتبادَل والتفاهم وإيثار المصلحة الأعم على المصلحة الأخص. وقُلْ مثلَ هذا عن تأليف المؤرخ البروتستنتي في الكاثوليكية، أو المسيحي في تاريخ الإسلام، أو الجاحد بالأديان في تاريخ الأديان.

وفي وقتنا الحاضر يعمل في أحداث التاريخ الأوروبي مؤرخون مدرسيون ينتمون لأحزاب سياسية واجتماعية مختلفة دون أن تضيق المدارس التاريخية بذلك، بل بالعكس نرى فيه نماء للمادة التاريخية ومقومًا للأحكام وتصحيحًا وتعديلًا لها، وهذا كله بشرط واحد هو تقيُّد المؤرخ بقيود الفن وأصول الصناعة. وهذا جوريس — الزعيم الاشتراكي المشهور — كتب تاريخًا ضخمًا للثورة الفرنسية سمَّاه التاريخ الاشتراكي للثورة، يقرؤه الاشتراكي وغير الاشتراكي ويفيد كلاهما منه؛ ذلك لأن جوريس لم يحرِّف الحقائقَ خدمةً للاشتراكية، ولكنه أكَّدَ جوانبَ معينة من التاريخ واهتمَّ منه بأشياء، وقد بعثه على ذلك التأكيدِ والاهتمام كونه «اشتراكيًّا».

وأما موقف المؤرخين الإنجليز من ثورتهم الكبرى، فهو يتمثَّل فيما يشاهده الإنسان حينما يرى بالقرب من دار البرلمان في لندن تمثالًا للملك شارل الأول، وآخَر للرجل الذي قطع رأس شارل الأول؛ أي لكرمويل. ذلك أن الحياة السياسية الإنجليزية تحتوي على معانٍ انتصر لها شارل وأخرى انتصر لها كرمويل، وأن مهمة المؤرخ أن يسعى للكشف عنها جميعًا، وأن لا يقف منها في القرن العشرين موقفَ الرجال الذين خاضوا غمار الثورة في صفِّ شارل أو في صفِّ كرمويل؛ هؤلاء وأولئك كانوا يذودون عن مبادئ ليست كلها حقًّا وليست كلها باطلًا، واستقرَّ الأمر على أشياء من هذه ومن تلك. فَلْيتجه البحث التاريخي إذن لا إلى إعادة تمثيل المعركة فلا غنى في هذا، ولكن لإعطاء كل ذي حقٍّ حقه.

ولا تطمئن أن محاولته هذه فيها تغاضٍ عمَّا ارتكبه الرجال أو الجماعات من أخطاء، ولكنها محاولة لوضع كل شيء في نِصابه بقدر ما تستطيعه الطبيعة الإنسانية، ولكن أيضًا بالقدر الذي يمليه وازِع الضمير.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.