كتب بعضهم إليَّ من العراق يقول: «إن القارئ الذكي لما تكتبه من مقالات على صفحات «أخبار اليوم» الغراء يستخلص أن حضرتكم من أولئك الذين يحملون بين ضلوعهم قلوبًا جريحة دامية، فيحاولون أن ينقذوا هذا الفريق مما هم فيه».

ثم يسأل بعد ذلك: «هل من حق الإنسان أن ينتحر بعد أن ألفى الأبواب كلها موصدة في وجهه؟» ثم يخرج من هذا الإجمال إلى التفصيل، فيقول إنه لا يتجاوز السابعة عشرة، وإنه عاش في ظلام منذ نعومة أظفاره؛ وقع في صباه فانكسرت رجله وأصيب بالعرج، ورمضت عيناه، فأدى ذلك إلى «وقع كثافة على «بؤبؤ» عيني، وعلى الرغم من ذلك ثابرت حتى أتممت الدراسة الثانوية» وساعده بعض الخيرين، فتقدَّم إلى كلية بعد أخرى، فرُدَّ عنها جميعًا لأنه لم ينجح في «الفحص الطبي» وفاز في امتحانات المسابقة للالتحاق بالوظائف، ولكن الفحص الطبي حرمه أن يجني ثمرة نجاحه. «وأخيرًا بعد توسلات عُيِّنتُ مدرِّسًا لا أُعطَى مرتبًا في العطلة المدرسية في قرية جبلية نائية، لا يسري عني فيها سوى مقالاتكم التي أقرأها في الصحف التي يرسلها إلى صديق». ويحز في نفسه أنه أعياه أن يتم دراسته العالية، وأنه موظف بسيط معرَّض للاستغناء عنه في أية لحظة، ولهذا يتساءل: لمَ لا أتجرع المرارة كلها دفعة واحدة وأذهب إلى ربي لأُعلِمه بحالي؟

***

وأتناول الأمر من ذيله فأقول إن ربه لا يحتاج أن يكلفه هذه الرحلة التي لا إياب منها، ليعرف حاله. ويذكرني قوله هذا بقصيدة لتوماس هاردي اسمها على ما أذكر «وفد الأرض»، تصوَّرَ فيها وفدًا من أرضنا صعد إلى السماء، واستأذن في المثول أمام العزة الإلهية، ووصف له ما في الأرض من كوارث ومحن وآلام وأوبئة وحروب وفساد شامل، فقال سبحانه وتعالى ما معناه: إني أذكر أني خلقت منذ عدة ملايين من السنين شيئًا كهذا في جملة ما خلقت من ملايين الكواكب، فهل الأرض لا تزال باقية؟

وأرتد من الذنب إلى الرأس، فأقول: إني لست ذا قلب جريح دامٍ، ولكني أشعر كلما نظرت في مصائر الخلق، أن شيئًا مني يموت، ولعل هذا بعض ما تساعدنا به الطبيعة على توطين النفس على الموت، ورياضتها شيئًا فشيئًا على السكون إليه، وما أظن إلا أن صروف الأيام من شأنها — وإن شئت فقُلْ من وظيفتها — أن تبلد الإحساس على سبيل التمهيد للقاء الأجل في غير جزع، ولست — كما قلت — جريح القلب داميه، بمعنى أني لا أَدَع قلبي هذا يدمي من أجل أني فجعت في أمل، أو خبت في سعي، فما قال أحد إن هذه الدنيا جنة عدن، ولو كانت لما وُعِدنا بجنة في الآخرة، وما زعم أحد أنه ليس علينا إلا أن نطلب أو نشتهي لننال، والنجاح محتمَل كالإخفاق، وكلاهما يجب أن يُقدَّر، والأمر بعد ذلك حظوظ وقِسَم وأرزاق، وكل ما عني الإنسان أن يسعى جهده — جهده كله — والتوفيق لا يؤتاه كل ساعٍ، ولو كل مخفِق يختصر الأمر وينتحر، لخلت الدنيا ممن عليها، فما فيها واحد لم يخفق في مطلب من المطالب، وأحسب بأن كل إنسان — بلا استثناء — يصدق إذا تمثَّل بقول الشاعر:

وما زال الناس — وسيظلون — ينشدون هذه الكبد التي سلمت من القروح، فلا يقعون عليها، ولايهتدون إليها.

وإذا كان ما أكتب يُشعِر القارئ بشيء من الشجا، فليس ذلك لأني حزين موكوم موقوم مغموم، بل لأن كل ما يكتبه الكاتب المخلص لا بد أن يورثه هو — قبل قرَّائه — شيئًا من الشجا، ولا سيما بعد أن تمضي الأيام، ويصبح ما خلا خيالات وأشباحًا؛ ذلك أن الكاتب أو الشاعر لا ينسج من خيوط أمعائه لأنه ليس دودة قز، وكل ما يكتبه الكاتب — في باب الأدب المحض كما يقولون — لا بد أن يكون مستمَدًا مما رأى أو عانى وجرَّب، أو سمع به واستطاع أن يتمثله، وليس مدارَ الفن الموضوعُ الذي يعالجه الكاتب أو الشاعر، وإنما مداره أسلوبُ التناول للموضوع، وما يشعشعه به من الخيال، وحتى إذا تناول الكاتب أو الشاعر تجربة سارة، فإنه لا يسعه وهو يشعر بالرضى عن طيب ما مر به، إلا أن يأسف لأنه مضى وانقضى، وأن يرجو أن يُقسَم له أن يذوق مثل هذه الحلاوة مرة أخرى، وأن يشفق على من أن لا يُكتَب له أن يذوقها، ولو لم يُكتَب لكان خليقًا أن ينسى، وأن تذهله الحياة عما كان، وعن كر الزمن، فكل متعة يجدها الكاتب أو الشاعر مشوبة لا محالة بشيء من الشجا والشجن، والقارئ الذكي — كما يقول صاحبنا العراقي — لا بد أن يفطن إلى ذلك.

وأني لأتساءل أحيانًا: لماذا اخترع الساعةَ مخترعُها؟ لماذا أراد أن يعرف في أي وقت من النهار أو الليل هو؟ وأن ساعة بعد ساعة تمضي وتغيب في ذلك الفراغ المهول الذي نسميه «الزمن»؟

ويبدو لي — أحيانا أيضًا — أننا معشر الكتاب والشعراء — ولست منهم ولله الحمد! — نتخذ «ثلاجة» كتلك التي في المستشفيات نحفظ فيها ما كان حيًّا، من عمل أو شعور أو منظر أو تجربة، أو سرور أو حزن إلى آخر ذلك، نحفظه مبرَّدًا مثلوجًا مجلودًا لا حياة فيه ولا نفس، لنخرجه بعد ذلك ونروح ننفخ جاهدين لنعيد إليها الحرارة والروح — وهيهات!

ويُخيَّل إليَّ — أحيانًا أيضًا — أننا لسنا أكثر من فراشات جمعها صبيٌّ ووضعها في زجاجة، فقصارانا أن نطير في هذا المجال الضيق، وأن نرسل اللحظ إلى ما يمكن أن يمتد إليه من خلال هذا الزجاج المحيط بنا، وهذا كل ما نقدر عليه ويسعنا أن نفعله.

وأن أسال بعد ذلك: ما قيمة الحياة كلها حتى يفكر أحدنا أو لا يفكر في الانتحار؟ ولماذا يستعجل شيئًا لن يُحرَمه؟ وما هي السعادة؟ إنها ليست المال، ولا المنصب الكبير، ولا النعيم المقيم، وإنما هي سكينة النفس؛ أن تدرك الحقائق إدراكها فلا تغالي بشيء، ولا تعدو به منزلته، وأن تكون قادرًا على احتمال الإخفاق، واحتمال التوفيق أيضًا، فإن من يتلقى النجاح بغير اغترار وبطر، أعظم وأقوى نفسًا ولا شك ممن يتلقى الخيبة بالصبر والتشدد، وهل للخائب مفر من الصبر حتى يكون له به فضل؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.