تاب صدقي باشا وأناب، وأعلن الانسحاب، بعد أن غدا وراح وأكثر الصياح بطلب الكفاح، فما أمسى المساء وأصبح الصباح حتى ألقى السلاح، وعرف أن الله حق، وأنه قد جنى على نفسه أكثر مما جنى على الناس، وأساء إلى نفسه أكثر مما أساء إلى الناس، وضع بيديه هذه القيود والأغلال، التي يرسف فيها الآن أسيرًا في يد الوزارة لا فكاك له، وذليلًا لسلطان الوزارة ليس له في العزة أمل ولا رجاء.

ظن صدقي باشا أنه مخلد في الحكم، وأنه قد ضمن حركة الفلك وسخر صروف الأيام، وأنه يستطيع أن يبسط سلطانه القاهر على الناس فلا يقبضه قابض، وأن ينشر بأسه المنكر في الناس فلا يطويه طاوٍ، وأنه بمأمن من أن يتنكَّر له الدهر وتعدو عليه الخطوب؛ فطغى وبغى، وعدا وسطا، وأخضع الناس لشطط لا يعرف الأناة ولا الروية ولا يستنير برأي أو تفكير، إنما هو الشطط المندفع كأنه السيل في غير دعة ولا هدوء ولا حساب للغد، حتى إذا دارت الأيام وأصبح المغلوب غير الغالب، لم يتَّعِظْ صدقي باشا وإن كانت الموعظة لبالغة، ولم يعتبر صدقي باشا وإن كانت العبرة لقاسية. فظن أن الذين خافوه أمس سيخافونه اليوم، وأن الذين أكبروه أمس سيُكبِرونه اليوم، والغرور من طبيعة الإنسان، وهو مظهر من مظاهر الضعف، الذي يفسد النفوس، ويُطغِي القلوب، ويحبط الأعمال؛ فقد خيَّل صدقي باشا إلى نفسه أن الناس كانوا يخافونه لأنه مخوف، ويُكبِرونه لأنه كبير، وقدر أن الناس سيخافونه دائمًا وسيكبرونه دائمًا، ولم يخطر له أن الناس إنما خافوه لأن أمور الحكم كانت إليه ولأنه كان مسندًا مؤيدًا، وأن الناس إنما أكبروه لأنه كان يجمع إلى نفسه من أسباب الطمع والرجاء، ومن أسباب الخوف واليأس، ما يُخضِع له الضعفاء، ويرغب فيه أصحاب المنافع والحاجات، فلما زال عنه الحكم، وتخلى عنه السلطان، لم يصبح شيئًا.

وقد كنا نقدر أن لصدقي باشا من الذكاء والفطنة ومن البصر بحقائق الأشياء، ما يعصمه من هذا الغرور، ويعلمه أن أولئك الذين كانوا يعكفون له، ويلوذون به، ويتهالكون عليه إنما كانوا يعكفون للحكم ويلوذون بالسلطان، ويتهالكون على المنافع. ولكن الظروف أبت إلا أن تكون قاسية على هذا الرجل إلى أقصى غايات القسوة، أبت إلا أن تبين في وضوح وجلاء أن هذا الرجل الذي خدع الناس عن نفسه، وخدع نفسه عن نفسه أيضًا، تنقصه حتى هذه الخصلة التي ليس منها بد لمن يريد أن يحتمل أثقال الحياة السياسية، فإذا هو يناوئ ويخاصم، وإذا هو يهاجم ويقاوم، وإذا هو يحسب نفسه قويًّا ويظن أنه يستطيع أن يسقط الوزارات. ولقد كان ذلك شيئًا ممكنًا لو أن هذا الرجل سلك بذكائه وكفايته طريقًا مستقيمة أمينة لا تُفسِد الذكاء ولا تزيِّف الكفايات.

لقد كان هذا ممكنًا لو أن هذا الرجل أخلص لأمته أكثر مما أخلص لنفسه، وخدم أمته أكثر مما خدم نفسه، وقبل تكاليف الحياة الدستورية الصحيحة كما يقبلها الرجل النزيه، فجاهد خصومه جهادًا شريفًا داخل البرلمان وخارجه؛ إذن لكان من الممكن، بل من المرجح، أن ترفعه كفايته وذكاؤه إلى حيث ينفع وينتفع، ويُفيد ويستفيد، وإلى حيث يستطيع أن يقيم الوزارات ويسقطها. ولكنه أبى إلا أن يبغي طريقه عوجًا، ويوجه ذكاءه وكفايته هذا التوجيه الأثر الذي يفسد على الرجل أمره ويفسد على الناس أمورهم أيضًا، أهمل كل شيء إلا نفسه، فوضع القيود، وصنع الأغلال، وشرع السنن المنكرة، ثم نظر فإذا هو لم يزد على أن قيَّد نفسه، ومكَّن لخصومه، وجعل ذكاءه لغوًا، وكفايته عبثًا، ومهارته شيئًا لا غناء فيه. وما أكثر الذين يغرهم بأنفسهم الغرور فيسيرون سيرة هذا الرجل ويلغون ذكاءً كان من الممكن أن ينفع، وكفاية كان من الممكن أن تفيد. يريدون أن يفرضوا أنفسهم على الظروف فإذا الظروف تفرض عليهم نفسها فرضًا، يريدون أن يذلوا الشعوب ويقهروها فإذا الشعوب تبين لهم أنهم أهون من أن يذلوا إلا أنفسهم، وأيسر من أن يأمنوا عادية الخطوب.

كان صدقي باشا يظنُّ أن ما هيَّأ من القيود، وما رسم من الخطط، وما سنَّ من سنن الظلم والفساد أسلحةٌ لن تستخدم إلا لمحاربة الوفد، ومن ينحو نحو الوفد، وكان يظن أن هذه الأسلحة لن تستخدم في محاربته هو واضطراره هو إلى الإذعان والتسليم، ولكنه لم يكد يبعد عن الحكم أيامًا حتى رأى المديرين وأشباه المديرين يسيرون معه تلك السيرة التي كان يريدهم هو على أن يسيروها مع خصومه، وقد ظنَّ أن المديرين سيهابونه، ويرهبونه، ويذكرون صنيعه معهم، وحمايته لهم، ويستَحُون بأن يلقوا هذا بالعقوق والجحود، وإذا هو لا يلبث أن يرى أن المديرين لا يهابون إلا الوزارة، ولا يرهبون إلا الوزارة، ولا يذكرون إلا أن الوزارة وحدها هي القادرة على أن تُبْقِي الناس في مناصبهم أو تعزلهم عن هذه المناصب، ولا يستحون إلا من هؤلاء الذين يملكون العزل والنقل والإبقاء.

وظن صدقي باشا أن أتباعه وأشياعه الذين جمعهم من كل صوب، وضمهم من كل أوب، سيثبتون معه وسيوفون له بالعهد، فلم يلبث أن تبيَّن أن هؤلاء الأتباع والأشياع إنما هم أتباع الحكم وأشياع السلطان، إنما كان الأتباع والأشياع يثبتون مع صدقي باشا ويَفُون له بالعهد لو أنه جمعهم حوله قبل أن يَثِبَ إلى الحكم لرأي من الآراء أو مذهب من المذاهب، وما أضعف ذاكرة هذا الرجل! فقد نسي أنه ظل طول حياته قبل الوزارة وليس له أتباع ولا شيعة.

والآن ينظر صدقي باشا فإذا المديرون يتنكَّرون له وينصبون له الحرب، وإذا الأنصار يفرون منه أو يواجهونه باللوم، ويستقبلونه بالإنكار، وإذا الوزارة تخيِّره بين الطاعة يقدمها عن رضًا، وبين الطاعة يقدمها عن كره وإذعان.

إن في حوادث الأيام لعبرًا تلحُّ على الناس أن ينتفعوا بها ويستفيدوا منها، فمن كان يصدق أن هذا الرجل يذعن ويستكين أمام الدكتور رفعت باشا؟! ومن كان يصدق أن الدكتور رفعت باشا يظفر ويظهر على هذا الرجل دون أن يقول كلمة أو ينطق بحرف، أو يأتي عملًا من الأعمال؟! ومن كان يصدق أن قومًا كانوا لا يرون أمس إلا هذا الرجل، ولا يؤمنون إلا له، ولا يقسمون إلا به، ينقلبون اليوم عليه، فمنهم من يعلن عليه الحرب جهرة، ومنهم من يداوره ويماكره، ومنهم من يسعى إلى داره ويجلس إلى مائدته، ويأكل طعامه، ويسمع كلامه، ثم يعلن في الصحف أنه يخذله ولا يمنحه من تأييده قليلًا ولا كثيرًا؟! من كان يصدق أن الظروف تضطر هذا الرجل إلى أن يعطي الطاعة، ويتوب إلى الإذعان والخضوع، ويعلن أنه لم يرشح نفسه قط لرياسة مجلس النواب، وإنما يرشحه قوم من أصحابه، ثم يطلب إلى هؤلاء القوم ألا يصروا على ترشيحه، إشفاقًا عليهم أو إشفاقًا منهم للأمرين جميعًا؟!

نعم من كان يصدق أو يُؤَوِّل أمر هذا الرجل إلى هذه الحال المنكرة، وينظر فإذا أمته التي كانت تنبذه، حين كان الأمر إليه، ما تزال مقيمة على نبذه والإعراض عنه، لا ترحمه؛ لأنه لم يدعْ لها سبيلًا إلى أن ترحمه، ولا تعطف عليه؛ لأنه لم يدع لها سبيلًا إلى أن تعطف عليه، وإذا أتباعه وأشياعه ينبذونه ويولونه ظهورهم مدبرين.

زعموا أن هذا الرجل إنما قدم الطاعة، وألقى بيده إلى خصومه لأنه لم يشك في أنه مخذول في مجلس إدارة الحزب ومعزول من رياسة الحزب إن لم يثب إلى رشده ويعلن الإذعان والاستسلام، فما له لم يمضِ في استقالته حين استقال؟! ألم يكن ذلك أكرم له وأحفظ لمنزلته بين الناس؟! بلى، ولكن الغرور خيَّل إليه أنه يستطيع أن يناور ويداور، ويقهر بالمناورة والمداورة، فإذا أموره كلها تنقلب عليه. وستسمع قومًا من الناس يتحدثون بأنه لم ينهزم إلا ليكر، ولم يحجم إلا ليقدم، ولم يقدم الطاعة إلا ليعلن الثورة. فهو يكيد ويخدع، وهل الحرب إلا كيد وخداع؟! ولكن لا تصدق هؤلاء الناس، ولا تظن أن هذا الرجل يستطيع أن ينهض من عثاره. فما دام بين المديرين من يجمع نواب الإقليم ويمسكهم في غرفة من غرف المديرية، وما دام بين المديرين من يجمع نواب الإقليم ويصحبهم إلى القاهرة، وما دام بين المديرين من يرافق نواب الإقليم حتى يبلغهم فنادقهم في العاصمة، وما دام بين النواب من يرضى هذا من المديرين ويطيعهم فيه، فلن تجدي المداورة ولا المناورة ولن تغني الكفاية ولا الذكاء، إنما هي الطاعة، عن رضًا أو الطاعة عن كره.

كلا، لقد قلنا يوم استقال هذا الرجل أو أقيل، إن حياته السياسية قد ختمت، وإن موته السياسي قد أصبح قضاءً محتومًا، وإنه لم يبقَ صالحًا لما يصلح له رجال السياسة من الجهاد والنضال. وقد مضى هذا الرجل بعد خروجه من الحكم في شيء من الحركة ظنه الناس حياةً، ولكنه لم يكن إلا بقية حياة.

زعموا أنه أعدَّ استجوابات لا تحصى، وأسئلة لا تعدُّ، وأنه سيخرج بها الوزارة حين يجتمع البرلمان. فلا تصدق هذا ولا تؤمن له، إنما هي أنباء وإشاعات قدمها الرجل بين يدي هزيمته وحمى بها ظهره من هؤلاء الخصوم الذين يلحُّون عليه، ويبلغون منه ما يريدون، لا بالذكاء ولا بالكفاية، ولا باللباقة ولا بالبراعة في البيان، بل بالقوة وحدها، بالقوة التي لم يعرف هذا الرجل غيرها يبسطها على الناس أن دانت له، ويستكين لها أن انتقلت عنه إلى غيره من الناس، لن يستجوب ولن يسأل، ولئن استجوب أو سأل فلن يفعل ذلك إلا على استحياء. وإني لأخشى أن يهم بالاستجواب فلا يجد بين أتباعه وأشياعه هؤلاء العشرة الذين لا بد منهم ليمكن تقديم الاستجواب.

لقد أحسن هذا الرجل حين تاب وأناب وأعلن الانسحاب، وإنه ليحسن إن قبل نصيحة خصمه رئيس الوزراء، فآثر الراحة واستمتع بنعيم الحياة فيما بقي له من الحياة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.