قضينا ليلة أمس ساعةً في عالم الأحلام والرؤيا ننظر ونسمع ونلمس بهذه الأعين الباصرة وهذه الآذان الواعية وهذه الأيدي التي تنضوي إلى الجنوب، قضينا ساعة نصغي إلى حكيم الهند تاجور يتكلم بصوت الهند قديمًا وحديثًا وباديًا في عالم الشهادة وذاهبًا في عالم الضمير. وأنت إذا أصغيت إلى صوت الهند، فإنما تصغي إلى شيء بعيد يقترب إليك من علياء التصوف وغَيابة القِدَم وصوامع الأسرار، وإنما تصغي إلى أرض يضاعف من بُعْدها في المكان ما أحاط بها من مناسك، وأنباء، ومشاهد قد تُخيِّل إليك — وأنت تطأ أرضها — أنك مُقدِم أبدًا على رحلة نائية ووجهة لا تتصل نهايتها بنهاية ما حولها من حدود.

الهند! يا لغرابة هذا الحرف في الأسماع حتى في عصر الطيران، والبخار، وعهد الخرائط الضافية لا يحتجب عنها موقع على الأرضين ولا على البحار! لكأنك حين تسمعه ينجاب لك حجاب الحس عن عالم تتلاقى فيه ظلال «النرفانا» وحقائق الحياة، وتتقارب عنده أساطير الرواة وحوادث التاريخ، ويسير فيه الناس لا تدري أهُم أشباحُ ليلٍ أم هم أجساد تطلع عليها شمس النهار.

فهذه الهند البعيدة في عزلتها من التصوف والغيبوبة هي التي سمعناها أمس حين سمعنا تاجور يتكلم بصوته الواضح الوديع، ونظرته الساجية المطمئنة، وطلعته الراضية المرضية، وحركاته التي هي مزيج من صلاة وابتهال، ومن شعر ونغم، ومن تحية وسلام.

وما أعجب هذا الانسجام في حكمة تاجور، وسمت تاجور، وصوت تاجور، وكل وصف يتصف به هذا الشاعر الناسك والواعظ الفيلسوف! إنك لتقرأ فلسفته، ثم تنظر إلى وجهه، ثم تستمع إلى صوته، ثم تتأمل في إيماء يده ونظرة عينه؛ فترى في كل ذلك قريبًا من قريب وشبيهًا يمت إلى شبيه.

والحق إنني بعد أن رأيت مُحيَّاه الوسيم وسمعت صوته الندي؛ خُيِّل إليَّ أنني كنت أجد بعض الدهشة لو وجدت صاحب تلك الفلسفة يبدو بغير هذا المُحيَّا ويتكلم بغير هذا الصوت ويومئ بغير هذا الإيماء؛ فقد أتم الله الانسجام في نفس هذا الرجل، فإذا هو شيء واحد في الكتاب، وفي السمع والبصر، وفي التصور والخيال.

تاجور هو السماحة، والحب، والرضا، والخشوع، والجمال. وهو هذا الذي يبدو لك جميعه في شعره ونثره ومعارف وجهه ونبرات صوته ولمحات معانيه، حتى لو بحث الرجل عن جبين يتمثل فيه ذلك الحنو الإنساني، وعن صوت تترنم به تلك الصلاة الشادية، وعن جسد يتحرك فيه ذلك الإيمان الخاشع؛ لَمَا ألفى لصفاته من مثال أشبه بذلك المثال الذي تم له فيه التناسق والانسجام. فهو روح لبست ثوبها أجمل ملبس وأطيبه وأحلاه، وهو نغمة كاملة لا انحراف فيها ولا نبوة ولا اختلاف.

ولقد أذكر للشاعر الحكيم في رواية «جورا» بطلًا من أبطالها المعدودين لم تتجاوز سِنُّه الثامنةَ ولكنه أفرد له دورًا يُهِمُّك أن تتبعه في فصول الرواية كما تتبع أظهر الأبطال العاملين فيها وأحب المواقف المنظورة منها، ولقد أفاض عليه من ذلك العطف الواسع الذي في نفسه؛ فحبَّبه إلى القارئ أيما حب، وحَفَّهُ حيثما قال أو سكت أو تحرَّك أو سكن بالحنان والدعابة والابتسام. فمن قرأ قصة ذلك الصديق الصغير لمس في نفس الشاعر الكريم ينبوع تلك الأبوة الرُّوحية التي تطلب في كل شيء مظهرًا من مظاهر عطفها ورأفتها، وتتجلى أملح ما تتجلى في أحاديث الأطفال مذ كانوا هم في هذه الدنيا أحب ما يتعلق به العطف والحنان.

وإنما الأشياء كلها في هذه الحياة أطفال يلفها تاجور بحبه ويستر عريها بإشفاقه، ومن عرف تلك الأبوة الروحية في فلسفة تاجور لقد كان ينقصه أن يراه ليلة أمس وهو ينشد قصيدة الصبي يناجي أمه ويعتب عليها أنها لا تنصفه كما تنصف أباه! فما كان منظر فيما رأيتُ أو فيما قرأتُ أدنى إلى مكان الرقة من القلب من منظر ذلك الشيخ المحبوب يحكي الطفل الصغير فيما يشير به وما يقول، وما يرف جناح النفس على صورة أجمل من تلك الشيخوخة الطاهرة في زي الأطفال أو تلك الطفولة الباسمة في مسوح الشيوخ.

وتاجور هو «تاجور في الصميم» حين يقف مثل هذه المواقف وينشد مثل هذه الأناشيد؛ فإن السعادة العظمى كما قال لنا أمس هي أن يعرف الإنسان صميم نفسه وينفذ إلى لُباب وجوده. ولقد نفذ الشاعر إلى لُباب طفولته الجليلة وكان أسعد ما يكون في هذا النشيد اللطيف، فأشعَّ علينا من سعادته الباطنة نورًا بهيجًا؛ فأبهج نفوسنا بذلك الصبا المشرق وذلك الحنان العميم.

وسمعنا من الرجل فلسفته فإذا هي فلسفة البساطة العميقة والعمق البسيط، وإذا هي حكمة من أراد أن يقيسها بمقياس المناطقة والباحثين كان — على حد قوله — كمن يأتي إلى الحديقة بمحك الجواهر ليُقوِّم به ثمن الجمال في الأزهار والرونق في الرياحين! حكمةٌ قوامها أن تطلب النفس حريتها، وحريتها أن تبلغ إلى حقائق الوجود في ذواتها وتنبذ عنها أعراض المنافع وقشور اللبانات، فما يسعد الإنسان حق سعادته إلا حين يحب شيئًا ما من الأشياء لِذَاتِه لا لما يناله من منافعه وعوائده.

وما كانت الحرية إلا الصلة الصادقة بلباب الأشياء، وليست هي — كما يظنون — الانفصالَ عن كل شيء، والإفلات من كل اتصال؛ فأعظم الناس حرية هو أوثقهم آصرةً بما في الكون من صميم الحقيقة وبواطن الوجود. وهذا هو «تحقيق الحياة» كما بَسَطه الشاعر الحكيم في كتاب «سادهانا»، وأوجزه أحسن إيجاز في خطاب الليلة الماضية؛ إذ أضفى على نضرة الحديقة مسحة من جلال الخلود لا تبلى مع الليالي ولا يتبدل بها اختلاف الفصول.

لقد قرأنا لتاجور، ثم رأيناه وسمعناه، وأنسنا بروحه الملكية ومحضره القدسي الرفيق. فإذا قلنا بعدُ أننا ما سمعنا منه ولا رأينا إلا مصداق ما قرأنا وأننا ما قرأنا له إلا مصداق ما سمعنا ورأينا فتلك هي التحية التي يُحيَّا بها «الرجل الصادق» الباحث عن تحقيق الحياة، وتلك هي الصفة التي تثني على صاحبها بما يغني عن الثناء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.