نتكلم بلغة الاقتصاد فنقول: إن التنجيم بضاعة يكثر طلبها في أيام الحروب، فيكثر عرضها.

لأن الناس يتوقون إلى العلم بالمصير، فيظهر لهم من ينبئهم صادقًا أو كاذبًا بما يراه من مصير.

ولأن الناس جميعًا يخشون شيئًا ويرجون شيئًا في أيام الحروب، فيحبون من يجلب إليهم الطمأنينة بما يُزِيل من خشية أو يعزز من رجاء، ويتسع من ثمة مجال التنجيم والاستطلاع.

ولأن الناس — ولا سيما الجند — يحتاجون إلى الثقة بالغلب، أو ما يسمونه في الاصطلاح الحديث بتقوية الروح المعنوية، فيأنسون إلى ما يوافقهم من كلام المنجمين.

ولأن الحوادث الجسام توحي إلى كل نفس أن الأمر فوق طاقة الإنسان، وأن أعنة الأقدار في يد غير يده وعلم غير علمه؛ فيتَّجه الذهن إلى عالم الغيب وإلى الذين يدعون له العلم به والإنباء عنه.

ولأن النزاع بين طرفين من شأنه في كل حين أن يَشْحَذَ غريزة الرهان والسباق حتى في الألعاب التي ليس لها عند الناس خطر الحروب. ومتى شحذت غريزة الرهان فقد شحذت معها غريزة التطلع إلى نجاح هذا وفشل ذاك، أو شحذت معها غريزة الاستطلاع والتخمين ومنها التنجيم.

هذه بعض الأسباب التي تروِّج صناعة التنجيم في أيام حرب كالحرب الحاضرة، ولا ندري أهو سوء حظ أم حسن حظ ذلك الذي أغرى الصحف الكبرى في حواضر العالم بأن تتحرى كل ما يروج، وتهيئ للقراء كل ما يتوقون إليه من أنباء اليوم والغد، وما يحصل الآن وما سيحصل بعد حين.

ولكن الصحف على أية حال تصنع ذلك ولا تبالي أكان حسنًا أم كان سيئًا ما تصنع؛ ففي كثير من صحف أوروبا الكبرى أبواب يكتبها مخبرون «مستقبليون»، غير الأبواب التي يكتبها مخبرو الوقائع الحاضرة والأنباء الجارية، وهؤلاء المخبرون «المستقبليون» هم أناس يحترفون بالتنجيم، ويتخذونه جدًّا يدافعون عنه كما يدافع العالِم عن علمه والتاجر عن تجارته، وينكرون أنه لعب مصادفات أو أنه تزجية فراغ أشدَّ إنكار.

جاءتنا صحف إنجلترا في البريد الأخير وفيها أحاديث شتى عن مأدبة أقيمت للمنجمين يحاضرون فيها عن صناعتهم ويدفعون فيها ما يتجه إليهم من نقد وريبة، ويذكرون لقرائهم والمستمعين إليهم شيئًا عن أسرار هذه الصناعة وأسسها، فلم يتفقوا لها على أسس ولا أسرار.

فمنهم من أثبت للنجوم سلطانًا على حوادث هذه الدنيا، وأخصها حوادث الحروب والنكبات، ومنهم من نفى العلاقة بين النجوم وبين الحوادث الأرضية في «علم» التنجيم الحديث.

وقال بعضهم: إن التنجيم يصيب ويخطئ كما يقع الصواب والخطأ في أصحِّ العلوم، إلا أن الخطأ قليل في حساب المنجِّم الماهر كثير في حساب المنجم القاصر، وقد يقع الخطأ في خبرين من عشرة أخبار أو خبرين من اثني عشر خبرًا، ولا يقدح ذلك في صحة الحساب ولا في صحة «العلم» أو صحة الأساس الذي يقع عليه.

وقد اطلعنا نحن على طائفة كبيرة من نبوءات الحرب الحاضرة، فلم نعثر بينها على نبوءة واحدة تقطع بصحة «علم» التنجيم، وتحوجنا إلى قبول دعوى المنجمين، وكلها داخل في مستطاع من ينجم ومن لا ينجم، ومن يعرف أسرار العلم المزعومة ومن يجهل تلك الأسرار.

فالإنباء بما سيأتي قد يتاح لأناس لهم اتصال بمصادر الأخبار، أو لهم نصيب من بعد النظر، وهم في هذه الحالة يبلُغون من الصدق ما لم يبلغه منجم ولا مصطنع نبوءات.

فمن أمثلة الاتصال بمصادر الأخبار: أن الصحفي الأمريكي ريتشارد بوير كتب في الثالث من شهر نوفمبر سنة ١٩٤٠ يقول: «إنهم ينظرون في جميع أنحاء الدنيا إلى روسيا وألمانيا نظرتَهم إلى حليفتين، ومع هذا يبدو من الأمور المفروغ منها في الدوائر النازية أن ألمانيا ستغزو روسيا في السنة المقبلة. ويرى رجال الحكومة النازية بشيء من التقية — وإن لم يبلغ مبلغ الأسرار المكتومة — أن اتحاد السوفييت إما أن يسلم في إقليم أكرانيا وإقليم النفط في باكو وولايات البحر البلطي، أو تستولي عليها ألمانيا عنوة حيثما تسنَّى لها أن تفرغ من إنجلترا. وقد يزعم بعض الموظفين في الحزب النازي أن الحرب بين الولايات المتحدة وألمانيا غير ضرورية، على خلاف ما تبينته بين كبار الرؤساء من جزم بضرورة هذه الحرب وأنها واقعة لا محالة …»

فهذه أنباء لو اتفقت لمنجِّم لباهى بها أقرانه واتخذها حجة لصناعته في أساسها، ولمهارته في كشف خباياها، ولكن الرجل الذي أذاعها قبل وقوعها صحفي لا يدعي لنفسه صفة غير صفة المخبرين الصحفيين، ولا يسلُك نفسه في عِداد المنجِّمين.

وإلى جانب هذا يكتب المنجم المختص بباب النبوءات في صحيفة أنباء الدنيا: «أن أمورًا على أعظم خطر سيتفق عليها رأسان من رءوس الدول الكبار — ولعلهم ثلاثة — فيرتبط بها خلاص بني الإنسان.»

ثم يزعم له مصدقوه أنه أحسن التنجيم؛ لأنه كتب نبوءته في العاشر من شهر أغسطس، ووقعت مقابلة الرئيسين روزفلت وتشرشل بعد ذلك بأيام، فتم فيها الميثاق الذي أشار إليه وربط به خلاص بني الإنسان!

إلا أن إشاعات المقابلة كانت تحوم في الجو كما يقولون قبل نشر النبوءة بثلاثة أيام، فسرى بين الصحفيين نبأ فحواه: أن روزفلت وتشرشل قد ذهبا إلى «ألاسكا» لمقابلة ستالين هناك، وكذبت هذه الإشاعة في حينها، وهي هي بلا شك مصدر النبوءة التي أسرع بنشرها منجم الصحيفة ليواجه بها القراء، وهم أكبر عددًا من زمرة الصحفيين القلائل الذين تنسَّموا النبأ على تلك الصورة قبل وقوع المقابلة، ولهذا تردد المنجم في عدد رءوس الدول، فجعله بين الاثنين والثلاثة، واستفاد بين ألوف القراء سمعة التنجيم الصادق؛ لأن هؤلاء القراء يجهلون الإشاعات الخفية التي ينفرد بعملها بعض المخبرين في دوائر الصحافة، فيسهل إقناعهم بأنها سر من أسرار النجوم.

***

وهكذا يقال في كل نبوءة وقفنا عليها من نبوءات الحرب الحاضرة؛ فهي إما اتصال بمراجع الأخبار العليا، أو صدق نظر في قياس المجهول على المعلوم.

إلا أننا لا نريد أن ننكر الشعور بالأمور المقبلة من طريق غير طريق المراجع العليا، أو بعد النظر الذي يدخل في عداد الأقيسة العقلية.

فقد يرى الإنسان ما سيأتي على نحو يُشبِه رؤية العين لأشباح الظلام، ولكنها رؤية لا تقبل التمحيص والمراجعة، ولا تدخل في صناعة التنجيم، وهي مع ذلك ما ينقض التنجيم وليست مما يؤيده ويزكيه؛ لأنها ترد الشعور بالأمور المقبلة إلى الحس الباطن أو إلى الواعية ولا ترده إلى حساب النجوم أو إلى صناعة قابلة للتعلم والتعليم، وقد يقوم هذا الشعور حتى يتَّضِح للعقل فيفسره كما يفسر الأقيسة ومدركات الأفكار.

أما الحقيقة التي لا شك فيها، فهي أن البنية الإنسانية تحس ما يهددها من الأخطار الدخيلة قبل وقوعها في بعض الأحايين، كما يقول ابن الرومي:

وللنفس حالات تظل كأنها

بما سوف تلقى من أذاها تهددُ

فتحس الأمراض المقبلة والعلل المنذرة، ولا تدري لإحساسها سببًا في كثير من الأحوال، وإن كان هذا الإحساس مقدمة للعلة وعرضًا سابقًا من أعراضها بغير نزاع.

وقد يهزأ بعضهم بتطبيق ابن الرومي لرأيه حين يقول:

لما تؤذن الدنيا به من صروفها

يكون بكاء الطفل ساعة يولدُ

وإلا فما يبكيه منها وإنها

لأرحب مما كان فيه وأرغدُ

ولكنه على ما نعتقد هزؤ ظالم أو مبالغ فيه؛ لأن الأسباب الطبيعية التي تدعو إلى بكاء الطفل عند ولادته هي مقياس لسنَّة الدنيا في اقتران كل وظيفة بجهد ناصب، وفي تقاضيها ثمنًا لكل فتح من فتوح الحياة؛ فهي شيء ملازم للبنية الحية، يدل عليه أن أول تنفُّس للهواء هو أيضًا لون من ألوان البكاء.

غير أن إحساس الإنسان بما يصيب بنيته شيء، وإحساسه بما يصيب الدنيا شيء آخر، ولا سيما ذلك الإحساس الذي يدعيه المنجمون.

والمسألة بعد لا تخلو من عزائها وسلواها، فإذا امتعض أناس منا لما يرونه من تهافت جهلائنا على العرافين والمشعوذين، فهذه أوروبا تهوِّن عليهم مَضَضَهم بإقبال أهلها «المتعلمين» على لغو العرافة والشعوذة، وإقبال صحفها الكبرى على باب من الأبواب مقصور عندنا على منشورات يزهد فيها العقلاء!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.