ليس من شك في أنه موجود منذ يومين، وفي أنه قد أخذ يعمُّ، ويتَّسِع حتى كاد يشمل النفوس جميعًا، وفي أن آثاره تظهر واضحة جلية، في أحاديث الناس إذا لقي بعضهم بعضًا، وفي تفسيرهم للموقف السياسي الدستوري في هذه الأيام. بل ليس من شك أيضًا في أن هذا القلق ليس مقصورًا على مصر، وإنما هو يتجاوزها إلى بعض الدوائر الإنجليزية في إنجلترا، فالذين يقرءون رسالة مكاتب الأهرام التي نشرت صباح اليوم يجدون فيها أن بعض الدوائر الإنجليزية التي تُعنى بالشئون المصرية لا تخفي شيئًا من القلق، وهي تنصح للمصريين بالحذر والاحتياط.

فالبيئات الرسمية في مصر مطمئنَّة والبيئات الرسمية في إنجلترا تُظهِر الاطمئنان، ولكن غير الرسميين هنا وهناك لا يُخْفُون القلق، ولا يكُفُّون عن التساؤل عن مصير الموقف السياسي في هذه البلاد.

وليس أدلَّ على هذا القلق من أن زميلتنا الجهاد قد أرادت صباح اليوم أن تهدِّئَه وأن تُرسِل الاطمئنان إلى قلوب الناس، فلم تزد على أن سجَّلته تسجيلًا. الناس إذن قلقون يسألون عن الموقف السياسي ما هو، ويريدون أن يعرفوا ماذا تُضْمِر لهم الأيام. أتضمر أمنًا ودعة واطمئنانًا واعترافًا بحق الشعب، وإقرارًا لإرادته وأخذًا في تحقيق آماله، أم تُضمِر خوفًا واضطرابًا ومحاولة للأخذ والردِّ ومحاولة للتجارب وممانعةً في إرضاء الشعب والاعتراف له بما يريد؟ كل صحفي لا يصور هذه الحقيقة الواقعة ولا يسجِّلها تسجيلًا يقصِّر في ذات قرائه ويقصر في ذات التاريخ؛ لأن هذه الحقيقة واقعة تجري بها ألسنة الناس جميعًا، وتخفق بها قلوب الناس جميعًا، وتضطرب لها ضمائر الناس جميعًا، وهي قوية بعيدة الأثر، حتى إن آثارها قد تجاوزت البحر، وظهرت عند الذين يتبعون الشئون المصرية من الإنجليز.

ولست أفهم معنى للتحرج عن إعلان هذه الحقيقة، وللتردد في إظهارها وتسجيلها وتعيين آثارها؛ فإن إخفاء الحق في نفسه شَرٌّ، فكيف إذا كان هذا الحق شيئًا مفيدًا مملوءًا بالسير والعظات، خليقًا إذا ظهر أن يوجه الأمور إلى الصالح المعقول.

لم يستطع أحد — ولن يستطيع — أن يشكَّ في إجماع المصريين على الابتهاج بمقدم الوزارة القائمة وعلى تأييدها في صراحة وقوة وحزم وإيمان؛ لأن هذه الوزارة القائمة قد جعلت برنامجها محو نظام الظلم والجور، ورد حرية الشعب إلى الشعب، والاعتراف للشعب بحقه في أن يكون سيدًا في أرضه، مدبِّرًا لأمره، لا يتحكَّم فيه فرد مسئول أو غير مسئول، ولا ينوب عنه إلا من يمثِّله تمثيلًا صحيحًا.

جعلت الوزارة برنامجها محو النظام الذي أقامه صدقي باشا وأصحابه ثائرين على الدستور والقانون، والذي أنفذه صدقي باشا وأصحابه مخالفين لأيسر أصول العدل والأخلاق، والذي أضاع في ظله صدقي باشا وأصحابه على الشعب كثيرًا من المنافع والحقوق، والذي ضحَّى الشعب في مقاومته بكثير من النفوس الكريمة والدماء الزكية، واحتمل الشعب في مقاومته ما لا يحصى ولا يُقَدَّر من الأذى والألم والعذاب.

فليس غريبًا أن يُجْمِع الشعب على حب وزارة تنهض لتنصفه من هذا النظام ومن أصحابه ولترد عليه حقه كاملًا. وإنما الغريب أن يقصِّر الشعب في شيء من ذلك أو أن يبخل الشعب على هذه الوزارة بالحب والتأييد. ولقد يعلم الناس أن رئيس الوزراء وأصحابه بذلوا غير قليل من الجهد واحتملوا غير قليل من العناء، وما يزالون يبذلون الجهد ويحتملون العناء ليحملوا الشعب على ضبط النفس وعلى الاعتدال في الفرح والابتهاج والتأييد.

كل هذا حق لا يقبل المراء، فإذا قيل للشعب: إن الوزارة قد أتمَّت عملها الأول في إلغاء النظام وقد رفعت وثائق هذا الإلغاء إلى القصر، وإنها تنتظر أن تصدر هذه الوثائق، وإذا نشرت الصحف هنا وهناك أن قومًا يكتدون، وآخرين يتربصون الدوائر، وأن هذه الوثائق قد يتأخَّر صدورها، وقد يمسُّها التعديل في هذا النص أو ذاك، وإذا أخذت الصحف هنا وهناك تُفِيض في هذه المعاني مصرِّحة حينًا ملمِّحَة حينًا آخر؛ فليس غريبًا أن يقرأ الشعب هذا كله وأن يقدر أن في سبيل وزارته عقبات، وأن أمام آماله مصاعب، وأنه حين ابتهج وفرح لم يكن يُقَدِّر أن هذا الفرح وذلك الابتهاج قد يلقَيَان ما يردهما حزنًا واكتئابًا. وليس غريبًا أن يأخذه القلق وأن يثور في نفسه الاضطراب، وليس غريبًا أن يتساءل الناس إذا لقي بعضهم بعضًا هل رفعت الوثائق؟ متى رفعت الوثائق؟ متى تصدر الوثائق؟ هل ألغي النظام؟ متى يتم إلغاء النظام؟

وليس غريبًا أن يشعر الأجانب المقيمون في مصر بقلق الشعب، وأن ينقلوا ما يشعرون به إلى ما وراء البحر، وأن يقلق الأجانب هنا وأن يقلق الأجانب هناك؛ ليس شيء من هذا غريبًا، وإنما الغريب ألا يكون هذا.

فليس ينفع أحد إذن إنكار هذه الحقيقة الواقعة، وهي أن القلق موجود، وأنه شديد، وأنه عام شامل ليس مقصورًا على القاهرة، بل يتجاوزها إلى الأقاليم، وليس مقصورًا على مصر، بل يتجاوزها إلى الخارج. فنحب أن نعلم الآن مَن الذين يمكن أن ينتفعوا بهذا القلق أو أن يجدوا فيه فائدة أو وسيلة إلى نفع أو إصلاح.

إن أنصار النظام البغيض قد عجزوا عن تثبيت نظامهم حين كان الشعب مطمئنًّا إلى اليأس من الإصلاح أثناء الأعوام الماضية، عجزوا عجزًا منكرًا كانوا هم أشد الناس إيمانًا به، وكانوا يكذبون ويعلمون أنهم يكذبون حين يتحدَّثون بأن نظامهم مستقر. عجزوا حين كانت لهم القوة، وآمن الإنجليز بعجزهم فتركوهم لما لم يكن بُدٌّ منه من الانحلال. عجزوا حين كانوا أقوياء، فكيف بهم وقد حرموا كلَّ قوة، وفقدوا كل سند، ويئسوا من كل تأييد؟! عجزوا حين كان الشعب يائسًا من الإنصاف القريب، فكيف بهم وقد انحلوا؟ وكيف بهم وقد أشرف الشعب على الفوز؟ وكيف بهم إذا استحال قلق الشعب سخطًا ظاهرًا غير مكتوم؟ وإذن فمن الذين ينتفعون بهذا القلق، ويستفيدون من اتِّصاله؟

ما أحوج الذين يكيدون ويصيدون في الماء العكر — كما يقال — أن يتدبَّروا، وأن يقدِّروا عاقبة أمرهم، وأن يستفيدوا من التجارب، وأن يعلموا أن قلق الشعوب خطر، وأن يأس الشعوب أشد من القلق خطرًا، وأن نفسية الشعوب ليست هينة ولا يسيرة الفهم، ولكنها عسيرة شديدة التعقيد!

أنا أسجِّل هذا القلق للحق والتاريخ، ولكننا واثقون بأنه لن يطول؛ لأنه لا ينفع أحدًا، وقد يضرُّ الناس جميعًا، بل نحن نرجو ملحِّين في الرجاء ألا يصل هذا الفصل إلى أيدي القراء إلا وهو فصل من فصول التاريخ يسجل قلقًا زالت أسبابه وقام مقامه الهدوء والاطمئنان.

نعم نحن نرجو مُلِحِّين في الرجاء ألا يصدر هذا الفصل إلا وقد صدرت معه الأنباء بأن الوثائق الرسمية بإلغاء النظام قد وُقِّعَتْ وأُذِيعت في الناس.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.