في شهر سبتمبر من العام الماضي اجتمع مؤتمر أدباء العرب بضيعة بيت مري من قرى لبنان، دعت جمعية أهل القلم اللبنانية إلى هذا المؤتمر ووضعت نظامه ووزعت موضوعاته، وقد لبى دعوة أهل القلم عدد عظيم من الكتاب والشعراء والأدباء من البلاد العربية المختلفة، وحضره من شباب لبنان عدد عظيم، وطرحت فيه للمناقشة مسائل كثيرة تمس اللغة والأدب، ثم انتهى المؤتمر إلى قرارات أذاعتها الصحف وأعارتها من العناية ما تستحق، ومنذ الجلسة الأولى، جلسة الافتتاح التي ألقى فيها وزراء لبنان كلمة الحكومة، رحب المتكلمون باسم الوفود التي اشتركت في المؤتمر بهذا الاجتماع، وأعلن ممثلو سوريا والمملكة العربية السعودية باسم حكومات بلادهم أن المؤتمر مدعو للاجتماع في سوريا سنة ١٩٥٥، وفي المملكة السعودية في سنة ١٩٥٦، وقبيل انتهاء المؤتمر تألفت لجنة تنفيذية تمثل البلاد العربية المشتركة فيه، وعهد إليها في تنظيم المؤتمرات المقبلة تنظيمًا لا يقع معه خطأ ولا تعرض بعده مسائل لا يجوز عرضها، كما عهد إليها في وضع نظام لهذه المؤتمرات السنوية يكفل استمرار هذا المجهود ونجاحه.

وفي شهر فبراير الماضي حضر إلى مصر الأستاذ صلاح الأسير، نائب رئيس أهل القلم بلبنان، والتقى ببعض الكتاب ورجال القلم في مصر تمهيدًا لاجتماع اللجنة التنفيذية، ولتنظيم المؤتمر الذي دعت سوريا إليه في جلسة الافتتاح لاجتماع بيت مري في العام الماضي، وأضاف أن الأستاذ لبكي رئيس رابطة أهل القلم بلبنان، والأستاذ فؤاد الشايب ممثل سوريا في اللجنة التنفيذية، وسائر أعضاء اللجنة سيلحقونه إلى القاهرة ويجتمعون بها لتنظيم المؤتمر الذي ينعقد هذا العام بمصيف بلودان من أعمال سوريا، وقد تحدث معي في هذا الأمر غير مرة، ثم انصرف المرة الأخيرة على موعد نلتقي فيه، آملًا أن يكون فيه الأستاذان صلاح لبكي وفؤاد الشايب، وسائر أعضاء اللجنة التنفيذية لهذه المؤتمرات.

وفي اليوم المحدد لهذا الموعد ترك لي رسالة تليفونية أنه مسافر إلى الإسكندرية، وأنه سيعود بعد أيام، وانتظرت أيامًا وشهورًا بلغت اليوم سنة ولم أعرف متى سافر الأستاذ صلاح الأسير من مصر، ولا متى يعود إليها، كما أني لا أعرف إن كان مؤتمر بلودان سينعقد أو لا ينعقد، وإذا كان لا ينعقد فما سبب عدم انعقاده.

وقد حاولت من بعد أن أقف على الحقيقة في ذلك كله فلم تسعفني محاولتي بنافع، قيل لي إن السبب يرجع إلى خلاف بين أهل القلم في لبنان، وإن هذا الخلاف هو سبب عدم انعقاد المؤتمر في سوريا، وعجبت لذلك، فلو كان صحيحًا لما أدى إلى هذه النتيجة، وليس طبيعيًّا أن يتأثر مؤتمر يعقد في سوريا بخلاف بين أهل القلم في لبنان، أم ترى عدلت الحكومة السورية عن الدعوة التي وجهتها العام الماضي لهذا الاجتماع، أحسب أن ذلك أقرب إلى العقل وأدنى إلى التصديق، ولكن … أما كان جديرًا أن تحاط اللجنة التنفيذية علمًا بذلك وأن تُرتب عليه نتائجه، ولو كان تأجيل الاجتماع هذا العام بعض هذه النتائج، ليظل لهذه اللجنة التنفيذية التي تمثل المؤتمر وجودها إلى أن تحل محلها لجنة أخرى.

لقد أسفت لما حدث من ذلك كله، وليس يرجع أسفي إلى أن هذه المؤتمرات كانت ستقلب اللغة العربية أو الأدب العربي رأسًا على عقب، وإنما يرجع إلى أن ما حدث مظهر من مظاهر عدم الثبات والاستمرار التي حاولنا — ولا نزال نحاول — التغلب عليها في هذا الشرق، فنارنا نار قش تلتهب ويرتفع لهيبها فترة قصيرة ثم إذا هي تخبو ولا تذر وراءها أثر يُذكر، لقد اغتبطت يوم اجتمع مؤتمر بيت مري العام الماضي، وحسبت أننا بدأنا نشاطًا أقل مظاهره تعارف رجال القلم في البلاد العربية كلها، وأن هذا النشاط لن يجني عليه خلاف في الشئون الاقتصادية، أو في الشئون السياسية، أو في غير هذه وتلك من الشئون، أما اليوم فأشعر شعورًا عميقًا بأنني أخطأت التقدير وبأنا لا نزال في حاجة إلى معالجة شئوننا وتغيير أنفسنا حتى يغير الله ما بينا، والله قادر على كل شيء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.