ولكنه يختلف باختلاف الناس؛ فقوم يشكرون بالقلم، وقوم يشكرون بالعصا، ومهما تفعل فلن تغيِّر من طِبَاع الناس شيئًا، ولن تبدِّلَ من جواهر نفوسهم قليلًا ولا كثيرًا، إنما تستطيع أن تسجِّل منها ما ترى وتلفت الناس إليها ليعلموا أين الخير وأين الشر، وليتبيَّنوا أين الرشدُ وأين الغيُّ. إني لَأقرأ صحف اليوم فأرى هذا التناقض الغريب بين وزيرين يعملان في وزارة واحدة لغاية واحدة على برنامج واحد وبرياسة رجل واحد، هذا يشكر الناس ويثني عليهم، وهذا يضرب الناس ويمعن في الإساءة إليهم، وكلاهما مصري، وكلاهما وُضِع في منصبه ليخدم المصريين لا لِيسودَهم، ولينفع المصريين لا ليضرهم، وليطيع المصريين لا ليأمرهم، ولينزل عند إرادة المصريين لا ليأخذهم بما يريد.

هذا وزير الحربية يشكر الأمة أجمل الشكر ويثني عليها أحسن الثناء؛ لأنها أظهرت حبًّا للجيش وعطفًا عليه ومواساةً له، حين شيَّعَتْ بقلوبها وأجسامها وألسنتها الشهيدين العظيمين، ويعجز أو يعلن أنه يعجز عن تصوير ما يمتلئ به قلبه من عواطف الشكر والرضى، وبواعث التقدير والإكبار. وهذا وزير الداخلية يحشد للأمة جنود الشرطة وجنود الجيش حشدًا لم تعرفه الأمة من قبلُ إلا مرة واحدة منذ الثورة فيما تقول الأهرام، ثم يسلِّط هذا الجند المحشود على هذه الأمة، فإذا العِصِيُّ والسِّيَاط تنال من أبنائها في غير حساب، في غير رحمة، في غير شفقة، في غير رعايةٍ لحرمة، في غير تقدير لحق، في غير استحياء من جلال الموت. فإذا استطعت أن تلائم لي بين هذين الوزيرين اللذين يعملان معًا ويتضامنان في العمل، فأنت موفَّق بارع في الفهم والاستقصاء، أما أنا فلولا أن المقام مقام حزن وأسى، ولولا أن المقام مقام لوعة وحسرة، ولولا أن المقام مقام عظة واعتبار، لَدعوتك إلى أن تضحك من هذا التناقض، فإن الضحك خير ما ينبغي أن نلقى به مثل هذا التناقض الغريب، أي الوزيرين ينبغي أن تصدِّق الأمة، أتصدِّق هذا الذي يشكرها من طرف القلم أو من طرف اللسان، أم تصدِّق هذا الذي يضربها رجالُه كما كان يضرب الأرقاء، ويسلطون عليها العصي والسياط كما تُسلَّط على الحيوان، أم لا تصدق هذا ولا ذاك، فهذا يشكر لأن الرسميات تضطره إلى أن يشكر، وهذا لا يحمي الناس من الضرب؛ لأن تكلُّف القوة ومحاولة البقاء في الحكم، والرغبة في إظهار الهيبة تضطره إلى ألَّا يفعل، ولو خُلِّيَ بين الأول وبين نفسه لما شكر ولا أثنى، فقد كانت هذه الأمة المحتشدة أمس ناقمة منه ومن وزارته، راغبة عنه وعن وزارته، تظهر في صراحة ترضيها وتؤذي خصومها، إن هواها وقلبها وإن إخلاصها وودها ليست معه ولا مع وزارته، وإنما هي مع قوم آخَرين كانوا يسعون معه جنبًا إلى جنب، وكانوا يتنفسون معه من هواء واحد، وكانوا يرون معه مشاهِد الحب والإخلاص ومظاهر النفور والإعراض، وكانوا يسمعون معه صياح التأييد والاحتجاج، وكانوا يحسنون أنهم يمثلون هذه الأمة حقًّا، وكان هو يحس أنه لا يمثل أحدًا إلا نفسه وهؤلاء النفر الذين يحصونهم والذين يظهرون التضامن، ويذهب كل منهم مذهبه لا يلوي على أحد ولا يلوي على شيء.

ولو خُلِّيَ بين الثاني وبين نفسه لَآثر العافية واختار السِّلْم، فهو يعلم حق العلم، وهو يؤمن أشد الإيمان بأن هؤلاء الناس أشد منه قوةً، وأعظم منه بأسًا، وأقدر منه على أن يصونوا أجسامهم من وَقْع العِصِيِّ، ووجوههم من مسِّ السِّيَاط، لولا أنهم لا يريدون الشر، ولولا أنهم أشد وطنيةً وحكمةً من أن يحتملوا ما يحتمل هو من تبعة الاعتداء والخروج على النظام.

نعم، وإنه ليعلم حق العلم أنه لم يُوضَع في منصبه إلا ليكون خادمًا أمينًا مخلصًا مطيعًا لهذه الجماهير التي سلَّط عليها العذاب أمس، وأنه ليعلم حق العلم أنه لو خُلِّيَ بينه وبين نفسه لَسار في هذه الجماهير سيرة الخادم المخلص الأمين؛ لأنه لا يستطيع إلا أن يسير فيهم هذه السيرة. ولكن ذاك الوزير كان مضطرًّا إلى الشكر، وهذا الوزير كان مضطرًّا إلى الرضاء بالضرب؛ لأن هؤلاء الناس لا يصدرون فيما يأتون من الأعمال عن أنفسهم وحدها، وإنما يصدرون عن أشياء أخرى يعرفونها حق المعرفة، وهي التي تدفعهم إلى ما لا يحبون. إني لا أستطيع أن أظن أن وزير الداخلية إذا خَلَا إلى نفسه ورُفِعت الكلفة بينه وبين ضميره، يرى أن ضرب الناس وتعذيبهم ومصادرتهم في أبسط مظاهر الحرية شيء يرضاه الرجل الكريم أو يُتمدَح به الوزير الأمين، ولكنها ضرورات السياسة تكلِّف الناس أحيانًا ما لا يطيقون. إني لا أستطيع أن أظن بأن الأمر قد انتهى بوزير الداخلية إلى حيث أصبح يرى لنفسه الحقَّ في أن يطلق يد الشرطة على الناس إلى هذا الحد، فينظروا إلى أبناء مصر كما ينظر صاحب الحيوان إلى الحيوان في البلاد التي لا توجد فيها جماعات الرفق بالحيوان. وإني لَأزعم لنفسي أن وزير الداخلية حين يخلو إلى نفسه يلقى منها لومًا عنيفًا، وحين يتحدَّث إلى ضميره يحس منه لذعًا أليمًا، ووزير الداخلية مصري مهما يكن أمره، والمصريون أكرم على وزير الداخلية من أن تُسلَّط العصي على أجسامهم في غير حق ولا موافقة للقانون، ولكن وزير الداخلية يريد أن يظل وزيرًا، ويظهر أن إذلال المصريين أو السكوت عن إذلالهم هو الثمن الذي يجب أن يُؤدَّى للاحتفاظ بالوزارة في هذه الأيام. إني لَأرغِم نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد تشييع الشهيدين، فتحدثوا عن هذه الأمة الكريمة البائسة كيف أرادت أن تشيِّع فقيديها، وتُظهِر تقديرها لهما وعطفها عليهما وإكبارها للتضحية والمضحين في سبيل الواجب والوطن، وكيف لقيت من الشرطة والجند ما لقيت من الهول، فصُرِع من أبنائها مَن صُرِع، وفُجِع من أبنائها مَن فُجِع، وحُمِل منهم أكثر من سبعين إلى حيث يداوون جراحاتهم ويهدئون آلامهم. فيتمدح وزير الداخلية؛ لأنه قد حفظ النظام وأقرَّ الأمن وكسب المعركة، ولم يمكِّن هذا الشعب من أن يَبْلُغ ما يريد من أداء الواجب، أو يعلن ما يريد من إكبار الواجب وإجلال الذين يحسنون أداءه. ثم يتحدَّث وزير الحربية بأنه على ذلك وبرغم ذلك، سيصدر بيانًا لا يضن فيه على هذه الأمة بكلمة شكر لا يشبهه شكر، وثناء لا يدانيه ثناء.

نعم، إني لَأكره نفسي الثائرة على الضحك والإغراق فيه، حين أتصور الوزراء وقد اجتمعوا أمس بعد المأساة وأديرت بينهم هذه الأحاديث، فإن هذه الأحاديث وما تصوره من النفوس والعواطف، ومن الميول والأهواء، تدل حقًّا على أن أمورنا لا تذهب مذهب الجد، وعلى أن وزراءنا لا ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر الوزراء إلى الشعوب، وإنما ينظرون إلينا كما ينبغي أن ينظر السادة إلى العبيد، ومع ذلك فلولا نحن ما سادوا، ولولا نحن ما كانوا شيئًا.

لقد أصدر حكمدار القاهرة بيانه أول أمس يطلب فيه إلى الشعب أن يحرص على النظام ليحتفظ المشهد بما ينبغي له من الروعة والجلال، فطلبنا نحن إلى حكمدار القاهرة أن يلفت رجاله إلى مثل ما يلفت الشعب إليه، وأن يطلب إلى رجاله مثل ما يطلب إلى الشعب، وأن يحافظ هو على النظام ويمنع الشرطة من الخروج على النظام؛ لأن الأمة ليست أقل من الحكومة حرصًا على ما ينبغي للمشهد من الروعة والجلال. وهذه الصحف التي لا تنتمي إلى الأحزاب، ولا تصور آراءها ولا تضنُّ على الحكومة بالعطف والتأييد، تعلن أن الشرطة هي التي اعتدت، وأن اعتداءها هو الذي أفسد النظام وأضاع كثيرًا مما كان ينبغي للمشهد من الروعة والجلال، فإحدى اثنتين لا ثالثة لهما، فإما أن تكون الشرطة قد اعتدَتْ لأنها عاجزة عن حفظ النظام إلا بالاعتداء، وإما أن تكون الشرطة قد اعتدت لأنها أُمِرت بالاعتداء ودُفِعت إليه، والتَّبِعة في الحالين ثقيلة أثقل مما يظنُّ الحكمدار، وأثقل مما يظنُّ وزير الداخلية، ولكنها مع ذلك ستذهب هدرًا؛ لأن حقوق المصريين وحرماتهم أهون على هؤلاء السادة الذين يحكمون من أن يحترموا فيها حكم الدستور والقانون، ولأن عقول المصريين عند هؤلاء السادة الذين يحكمون أيسر من أن يلقاها الوزراء إلا بهذا التناقض الغريب. وزير يشكر بالقلم، ووزير يشكر بالعصا، ويجب على المصريين أن يقبلوا شكر القلم، وأن يخضعوا لشكر العصا، ورئيس الوزراء الرجل الطيب النزيه الذي يحب وطنه أشد الحب، والذي لم يؤلِّف وزارته إلا ليوزِّع العدل بين الناس بالقسط، لا متأثِّرًا بالهوى، ولا متحيزًا للغرض؛ راضٍ مغتبطٌ مسرورٌ. وأي توزيع للعدل أدنى إلى الإنصاف من أن يقسِّم الوزراء الأمر بينهم على هذا النحو؛ وزير يجرح بالعصا والسلاح، ووزير يأسو بالشكر والثناء.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.