كانت مصر إلى خمس وعشرين سنة خلت تعيَّر بانتشار الأمية فيها، وبأن الذين يقرأون ويكتبون من أبنائها لا يتجاوزون ثمانية في المائة من عدد السكان، وكان ذلك بعض ما ترمي به عند التدليل على عدم صلاحها لحمل أعباء الحرية، وقد اقتنع المسئولون من المصريين يومذاك بقوة هذه الحجة؛ فقاموا يعملون على نشر التعليم بين طبقات الأمة المختلفة، والذين أدركوا السنوات الأولى من هذا القرن العشرين يذكرون الجهود التي قام بها الأفراد، وقامت بها الهيئات المحلية المختلفة لنشر هذا التعليم الأولي ولمحاربة الأمية، يحاولون بذلك أن يسدُّوا النقص الذي لم تعمل الحكومة لسده، فلما كانت سنة ١٩١٧، وكان المغفور له عدلي يكن باشا وزيرًا للمعارف العمومية، فكر — رحمة الله عليه — في جعل التعليم الأولي إلزاميًّا، ووضع لذلك مشروعًا ينفذ في عشر سنين، لكن مصر ما لبثت بعد ذلك أن شغلت بنهضتها القومية في سبيل الاستقلال، فلما اعترفت إنجلترا بها دولة مستقلة ذات سيادة بتصريح ٢٨ فبراير سنة ١٩٢٢، وتألفت لجنة الدستور، كان النص على التعليم الأولي وأنه إلزامي مجاني للبنين والبنات مما نال عنايتها، وصدر الدستور في ١٩ أبريل سنة ١٩٢٣، وهذا النص بين نصوصه التي لا يجوز تحويرها ولا تبديلها.

ومن يوم صدر الدستور بدأت وزارة المعارف تفكر في تنفيذ هذا النص، ولقد مضى حتى اليوم سبع عشرة سنة، ثم لم يتناول الإلزام في التعليم الأولي أكثر من ثلث الأطفال الذين هم في سن الإلزام، مع ذلك بدأت الصيحة ترتفع بالشكوى من هذا التعليم، وبدأ بعضهم يطلب إلغاء الإلزام والعودة بالناس إلى الحرية في تعليم أبنائهم القراءة والكتابة أو عدم تعليمهم إياها. وليست هذه الصيحة بنت اليوم، بل هي ترجع إلى عدة سنوات خلت.

وتختلف الأسباب التي يتذرع بها هؤلاء المطالبون بإلغاء الإلزام، ولقد كان أول ما سمعناه من هذه الأسباب أن الإلزام حرم الزراعة من جهود هؤلاء الأطفال، فتأثر إنتاج البلاد الزراعي بسبب هذا الحرمان، ولم تكن هذه الحجة ذات قوام، لأن الأطفال بين السابعة والعاشرة ليس لهم في الزراعة إنتاج يعتد به، لأن بين العاشرة والثانية عشرة ممن يتناولهم الإلزام فئة لا يمكن أن تؤثر في هذا الإنتاج، بل لقد دفعت هذه الحجة بأن القائلين بها هم الذين يريدون استغلال هؤلاء الأطفال بأجر بخس كاستغلالهم آباءهم وأمهاتهم، وأن من غير المعقول أن ننادي كلنا بأن الفلاح هو قوام مصر وعصبها، وأن نضن مع ذلك عليه بتعليم أبنائه ذلك التعليم البسيط الذي يعتبر في كل أمة متمدينة ضروريًّا للحياة ضرورة الهواء الذي يتنفسه الإنسان، والماء الذي يشربه والخبز الذي يقيم أوده.

سقطت هذه الحجة إذن؛ وصمت المنادون بها، لكن ذلك لم يثن خصوم الإلزام عن المضي في محاربته، قالوا: إن هذا التعليم غير منتج بالصورة التي هو بها اليوم في مصر، فالمضي فيه إضاعة لوقت الأولاد ولما ينفق فيه من أموال الدولة، وأيد القوم حجتهم هذه بما قيل من أن الأطفال الذين يخضعون للإلزام لا يلبثون حين يتركون المدارس الإلزامية أن ينسوا ما تعلموه فيها، وأن يعودوا أميين، ولم تكن هذه الحجة لتنهض ضد التعليم نفسه، وإن أمكن أن تنهض ضد وسائله وطرائقه، وأن تكون صيحة قوية للدعوة إلى إصلاحه، فلو أن هؤلاء الأطفال أحسن تعليمهم وعرفوا مبادئ القراءة والكتابة حقًّا، وحفظوا ما يجب حفظه وأدركوا مبادئ الحساب وما إليه من المعلومات الأولية الضرورية لما أمكن أن ينسوها، فإن صحَّ أنهم ينسونها فالذنب ليس ذنبهم، وليس ذنب التعليم، ولكنه ذنب الوسائل التي يؤخذ بها في هذا التعليم، وبكلمة أخرى ذنب القائمين به والمشرفين عليه.

سقطت هذه الحجة أيضًا من حيث كونها دعوة لإلغاء الإلزام وانقلبت دعوة لإصلاح التعليم الإلزامي، ومن يومئذٍ انصرف المسئولون إلى البحث في عيوب هذا التعليم، أفيرجع العيب فيه إلى نظام نصف اليوم؟ أم يرجع إلى تداول المسئولية عنه بين وزارتي المعارف والداخلية، أم إلى الإشراف عليه، أم إلى تخريج المعلمين القائمين به، أم إلى النظام المتبع مع هؤلاء المعلمين في تنقلاتهم وفي قيامهم بأعمالهم؟!

لكن خصوم الإلزام لم يقنعوا بما قيل من وجوب الإصلاح، فقاموا ينادون بأن الأطفال الذين يُحرم أهلوهم منهم لتعليمهم أحوج إلى الطعام منهم إلى التعليم، وأن واجب الدولة أن تقيم أجسامهم قبل أن تقوِّم عقولهم، وإنها إن لم تفعل فالرحمة تقتضيها أن تترك هؤلاء المساكين يعملون لكسب رزقهم وإقامة أودهم، بل إن منهم مَن أهلُه أحوج إليه لمعاونتهم على العيش، فإذا حرم هو وحرم أهله من الطعام، فأية فائدة يجنيها هذا الطفل البائس الجائع من التعليم؟ إنه يذهب إلى الكُتَّاب أو إلى المدرسة خاوي البطن لم يتناول طعامًا، ويقضي سويعات الدرس يعضه الجوع فلا تعي ذاكرته ولا يعي ذهنه شيئًا مما يحاول المعلمون إفهامه إياه أو حمله على استظهاره، أما والدولة تنفق اليوم قرابة المليونين من الجنيهات على هذا التعليم الأولى، فمن الخير، بل من الإنسانية، أن تنفق بعضها على إطعام هؤلاء المساكين، وأن تدع التفكير في أمر تعليمهم إلى أن يستطيعوا الحياة المادية بأجسامهم.

ولقد كانت هذه الحجة مما قدم في هذا العام بعد أن أذاعت وزارة المعارف ما يعانيه هؤلاء الأطفال من فساد في صحتهم يرجع إلى الإهمال وإلى سوء التغذية، ولقد دفع بعضهم هذه الحجة دفعًا قويًّا قويم الأساس، ولولا التعليم الإلزامي ما عَرف الناس مدى الخطر الذي يهدد الأمة لسوء صحة أبنائها ولنقص تغذيتهم، ومهما يكن من أمر هذا التعليم ومن نقصه فهو — لا ريب — خير من لا شيء، وهو قد فتح العيون على أمور لولا تفتُّحها عليها لبقيت تنخر في كيان الأمة ولا يعرفها أحد، أما وقد بدت هذه العيوب فليس الخير في إلغاء التعليم الإلزامي، وإنما الخير في معالجة هذه الأدواء التي كشف عنها هذا التعليم ودل على فداحة خطرها.

ما الذي يجب علينا لمعالجة هذه العيوب التي كشف عنها خصوم الإلزام؟ أود قبل أن أتحدث في ذلك أن أذكر أن خصوم الإلزام هؤلاء حسنو النية جميعًا، وأن الذين يطلبون إلغاء الإلزام باسم الرحمة والإنسانية أحسن الناس نية، فهم لا يحاربون هذا التعليم كراهية فيه، أو اقتناعًا بعدم الحاجة إليه، وإنما يحاربونه شفقة منهم على هؤلاء الأبناء الضعفاء الجائعين، وهم يقولون في صراحة: إذا كان التعليم حقًّا أساسيًّا للفرد كالهواء والماء والغذاء، فيجب أن نمده بالغذاء والماء والهواء ليستطيع أن يتعلم، فأما إن حرم مقومات الحياة الأولى فتعليمه جهد ضائع، والنفقة عليه إسراف فيه من السفه ما لا يجوز.

وأكرر أننا مدينون للتعليم الإلزامي بالوقوف على هذه الأخطار المحدقة بنا، والتي يجب علينا أن نفكر فيها تفكيرًا عميقًا، فلولا هذا التعليم لما تكشفت لنا ألوان البؤس الخافية على عيون المسئولين عن سياسة هذه البلاد لأنهم بعيدون عن بيئاتها، ولولاه لما فكرنا جميعًا في التماس الوسائل لمعالجة هذه الحال اتقاء للخطر، ثم لولاه لما كشفنا عن عيوب هذا التعليم بالذات ولما أتيح لنا أن نفكر في معالجتها.

والناحية الصحية وناحية التغذية هما أول ما يجب علينا أن نفكر فيه، ولقد فكرت وزارة المعارف في هذين الأمرين منذ حين واقترحت لمعالجتهما ألوانًا من المشروعات عرض بعضها على مجلس الوزراء، ولا يزال البعض محل بحث رجال الوزارة وتفكيرهم، وقد وقفت العقبة المالية في طريق هذه المشروعات فكان ذلك سببًا في عجز المسئولين على التعليم عن تنفيذ شيء منها إلى الآن.

ولست أريد أن أذكر هذه المشروعات وبعضها حديث العهد، ولا يزال الناس جميعًا يذكرونه، لكنني لا أتردد في القول بأن الاعتذار بالمال وعدم توفره في أمور حيوية كهذه الأمور لا يمكن أن ينهض، فإذا قدم كان دليلًا على سوء السياسة، وبخاصة إذا كانت الدولة تنفق أحيانًا في كماليات يمكن إرجاؤها أو الاستغناء عنها.

ولئن دلَّ هذا الاعتذار بعدم وجود المال على شيء فعلى أننا غير مؤمنين بحاجة الشعب إلى ما يطلب هذا المال من أجله، ولو أننا اقتنعنا بهذه الحاجة لالتمسنا الوسيلة لتدبير هذا المال ولما عجزنا دونها، والدليل الملموس على ذلك أننا حين رأينا أن البلاد لا غنى لها عن التوسع في أمور الجيش لم نتردد في فرض ضرائب جديدة، ولم ننزعج من التفكير في الاقتراض، ولم تقف أمامنا عقبة من العقبات دون الغاية التي نريد بلوغها، وليست مسألة الجيش وحدها هي التي حفزتنا لإيجاد المال فأوجدناه، بل إننا طالما واجهتنا أمور اضطرتنا الظروف أن نجد مالًا نواجهها به فوجدنا هذا المال، فلو أننا اقتنعنا بضرورة ما يطلب من المال لصحة الأطفال الذين يسري عليهم قانون الإلزام ولتغذيتهم لما ترددنا في تدبيره، لكن إيماننا بحق هذه الطوائف ضعيف، خصوصًا ونحن نعتقد أنها لن تفكر في إكراهنا على الاعتراف لها بهذا الحق، ولذلك تقف عقبة المال في سبيل ما يطلب لهؤلاء البؤساء والضعفاء، ويخيل للذين يواجهون بها أنها عقبة كأداء ليس إلى التغلب عليها سبيل.

ولعلك تتولاك الدهشة حين تعلم أن هذه المال الذي يطلب لصحة هؤلاء الأطفال ولتغذيتهم ليس بالشيء الكثير حين يقاس إلى غيره مما ننفقه، فمائة ألف من الجنيهات سنويًّا كافية لرعاية صحتهم، وثلاثمائة ألف كافية لتغذيتهم، أقل من نصف مليون يطلب لهذين الغرضين الجليلين في حياة الشعب فنعتذر بالمال وعدم توفره، ويطلب مثل هذا المبلغ ويطلب أضعافه لأغراض ليست أجلَّ من هذا الغرض خطرًا فلا نتردد في إنفاقه ولا نتردد في تدبير الوسائل للحصول عليه.

ليس الاعتذار بالمال إذن مما يمكن أن ينهض، فإذا أمكن توفير المال تيسر لنا أن ننهض بطوائف الأمة الفقيرة من الفلاحين والعمال نهضة كبرى أساسها التعليم الإلزامي.

كيف يكون هذا النهوض؟ وماذا يجب لهذا التعليم؟ إن الحديث في كل واحد من هذين الأمرين يطول، فلنرجئه إلى الأسبوع القادم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.