يقال: إن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ويقال: إن العدول إلى الصواب خير من المُضيِّ في الخطأ، ويقال: إن العودة إلى الإنصاف والعدل خير من الإغراق في الظلم والجور. ومهما يكن مصدر الرجوع إلى الحق، والعدول إلى الصواب، والعودة إلى الإنصاف فهي خصال خير على كل حال، سواء أكان مصدرها الخوف أم كان مصدرها الشعور بالعجز والقصور.

ذلك أن الرجوع إلى الحق يكفُّ عن الناس شرَّ التمادي في الباطل؛ فهو يجنبهم آلامًا وأثقالًا، ويصرف عنهم آثامًا وأوزارًا، وهذا خير مهما يكن مصدره.

وقد أخذ الناس يتحدثون منذ أمس بأن الوزارة القائمة قد أخذت تتردد في أمر الصحافة والتشريع الجديد الذي كانت تريد أن تصدره لتنظيمها، وأن تتعجل إصداره قبل أن ينقضي الصيف، وقبل أن يقبل الخريف، وقبل أن يظهر فيه رأي البرلمان.

فمن الناس من يقول: إن الوزارة قد أجَّلت — أو أريد أن تؤجل — هذا التشريع كله إلى الدورة البرلمانية المقبلة؛ ويعللون ذلك بأن هناك مفاوضات قد اتصلت بين الوزارة وبين الدول لينفذ هذا التشريع في الأجانب والمصريين جميعًا، فلا معنى لإصدار التشريع قبل أن تنتهي المفاوضات.

ومن الناس من يقول: إن الوزارة قد قسمت هذا التشريع قسمين، وأزمعت أن تصدر أحد هذين القسمين معجلًا، وأن تصدر الآخر نسيئة، بعد أشهر. فأما القسم المعجَّل فهو ما يمس نقد الأشخاص من الأحياء بالكتابة والتصوير. وأما القسم المؤجل فهو ما يمس نقد الموتى في فصول الصحف وكتب التاريخ.

ومهما يكن من شيء، فإن في موقف الوزارة ترددًا واضطرابًا، فهي أشبه بقوم وقفوا في دهليز الدار لا يدخلون ولا يخرجون، وإنما ينظرون مرة إلى أمام، ومرة إلى وراء، يهمون أن يتقدموا، ثم يبدو لهم فإذا هم يقفون. ويهمون أن يتأخروا ثم يبدو لهم فإذا هم يعودون إلى حيث كانوا لا يدرون أيقدمون أم يحجمون! وأكبر الظن أن موقف الصحفيين من هذا التشريع وإنكارهم له، واحتجاجهم عليه وإظهار ما فيه من سيئات واعتزامهم أن يذيعوا ذلك في أقطار الأرض كلها على نقابات الصحف، وأندية العلم، كل ذلك قد اضطر الوزارة إلى أن تفكر وتقدر. ولولا أنها كانت قد دخلت من الباب وانتهت إلى الدهليز لعدلت عن تشريعها عدولًا، ولانصرفت عنه انصرافًا. ولكنها تقدمت خطوات فيما يظهر، ثم أتاح الله للصحافيين مَن كشف السِّر، ورفع الستر، وأظهرَ ما كان يدبر بحرية الرأي وكرامة العلم، وأمانة التاريخ؛ فكان الإنكار والاحتجاج وكانت الحيرة، ووقف الوزراء حيث كانوا لا يدخلون ولا يخرجون.

ونحب ألا يشعر الوزراء بأننا نتحداهم أو نسجِّل عليهم ضعفًا وإحجامًا، فربَّ ضعفٍ خير من قوة، وربَّ إحجامٍ خير من إقدام.

ونحن إنما نكتب ما نكتب لنلفت الوزراء إلى أن الأناة خير من الإسراع، والمهل خير من التعجل. وقد كان يقال: إن هذا التشريع قد ولد في الصيف الماضي، على ساحل البحر، ولكن لم يُتحْ له أن ينشأ ولا أن يترعرع، ولا أن يستمتع بالحياة، ولا أن يعرض على البرلمان في دورته الماضية.

وأكبر الظن أنه لم يهمل إلا لأن الخير ظهر في إهماله، ولم يُترك إلا لأن الشر ظهر في الإقبال عليه. فما الذي جَدَّ أثناء هذا الصيف، حتى يحاول قوم إحياء الموتى، ونشر هذا التشريع الذي لم يستطع أن يواجه الضوء منذ عام؟ والغريب أن مثل هذا التشريع إنما يكثر التفكير فيه والحديث عنه في غيبة البرلمان، أي في الوقت الذي لا يسمح الدستور فيه بإصدار القوانين إلا حين تدعو إليها الضرورات الملجئة! فهل يفهم من هذا أن قومًا لا يستطيعون مواجهة الحياة الدستورية حتى حين تكون ضعيفة ضيقة، فهم ينتظرون ويستخفون، ويتمهلون وينتهزون الفرص ليشيروا على الوزارة بوضع البرلمان أمام الأمر الواقع، وإصدار القوانين في غيبته دون أن يستطيع القضاء فيها برفض أو قبول؟ وهم يعلمون حق العلم أن القانون إذا صدر، ثم عرض بعد ذلك على البرلمان، كان من العسير رفضه؛ لأن في هذا الرفض خذلانًا للوزارة، وتنكرًا لها. وخذلان الوزارة في هذه الأيام أمر لم تجرِ به التقاليد في عهدنا الدستوري السعيد!

وكان يقال أيضًا: إن من الناس من يضيق بالصحافة والمحاماة إلى أبعد غايات الضيق، ويريد أن ينظم المحاماة تنظيمًا يخضعها لسلطان الوزارة أشدَّ الخضوع، وأن ينظم الصحافة تنظيمًا ليس أقل شدة ولا حدة من تنظيم المحاماة. وقد كانت محاولات في تنظيم المحاماة، ولكنها لم تستطع أن تنفذ من البرلمان فأنفذ بعضها في غيبة البرلمان. وكأن الذين يريدون التضييق على الصحافة والمحاماة، أشفقوا من أن يكون حظ تنظيم الصحافة كحظ تنظيم المحاماة أمام البرلمان، فلم يقدموا تشريعهم في الدورة الماضية ولم يريدوا أن ينتظروا به الشتاء المقبل، وإنما هموا أن يسبقوا الحوادث وينتهزوا الفرص ويصدروا التشريع والبرلمان غائب، والناس مثقلون بآلام الصيف فلم يتح لهم هذا، وحيل بينهم وبين ما كانوا يشتهون، وظل الوزراء — كما قلنا — في الدهليز لا يدخلون ولا يخرجون.

وكان بعض الناس يتحدث عن هذا كله في أسمار أمس، ويلتمس له العلل وضروب التأويل، ولكنَّ واحدًا منهم جعل يستمع للأحاديث مطرقًا، حتى إذا فرغ الناس منها أدلى هو برأيه في التعليل والتأويل، وكأنه كان موفقًا فلم ينكره أحد وإنما أقره السامعون جميعًا. وهذا الرأي هو أن بعض الموتى تراءى لبعض الأحياء، أثناء اليقظة أو أثناء النوم، وحذره في لهجة مزعجة وصوت مخيف من أن يعرض للتاريخ، أو لنقد الذين فارقوا الحياة؛ لأن الموتى ليسوا في حاجة إلى من يحميهم. وكأنه قال له في لهجته المزعجة، وصوته المخيف: دونكم منافعكم العاجلة، وأعراضكم الزائلة، وأمانيَّكم الباطلة، فاعبثوا بها إن شئتم العبث، وجِدُّوا فيها إن أحببتم الجِدَّ. فأما شئون الموتى فقد خرجت من أيديكم، وأصبح التعرض لها إثمًا محظورًا وحجرًا محجورًا، لا يدنو منه أحدكم إلا رُدَّ عنه أعنف الرد وصُدَّ عنه أشنع الصد. فإن كنت في ريب من هذا فقيدوا نقَّاد الموتى وكتَّاب التاريخ، ثم انتظروا فسترون! قال الراوي: فلما سمع مَن أُلقي إليه هذا الحديث لهجة هذا الطائف المزعج وصوته المخيف؛ اضطرب أشد الاضطراب، وقصَّ الأمر على من يحسن تعبير الأحلام والتنبؤ ببعض شئون الغيب، فلم يزده إلا خوفًا وروعًا. هنالك أحجم ونَصح بالإحجام، فانتهى أمر هذا التشريع إلى هذا الموقف الذي انتهى إليه الآن؛ موقف التردد بين التأجيل المطلق الذي يريح البال، وبين التأجيل الجزئي الذي يؤمن من سخط الموتى، ويظهر الوزارة على شيء من القوة؛ لأنه يعصمها من الإحجام كله، وماش خير من لاش …

أما نحن، فنؤكد للوزراء أنهم يستطيعون أن يُعرضوا عن هذا التشريع كله إعراضًا، فقد يجدون من هذا الإعراض قوة لا ضعفًا. وأي قوة تشبه هذه القدرة على كبح الأهواء والشهوات، ورد النفس إلى الحق، بعد أن تبين لها في جلاء ووضوح!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.