لا ريب في أن سائر قراء العربية والذين قرءوا مقدمة ابن خلدون لوقوعها في أيديهم مصادفةً أو بنصح ناصح وأتيحت لهم فرصة الاطلاع على بعض كتاب التاريخ نفسه أو كله، وهو الموسوم باسم (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) قد شعروا بخيبة الأمل للفرق العظيم الشاسع بين المقدمة والكتاب، فإن قارئ المقدمة ينتظر بطبع الأشياء أن يكون التاريخ على نسقها وأسلوبها وقوتها في الاستنتاج واستخراج المعاني العالية، ولا سيما وأن المؤلف رحمه الله قد أشاد بعلم التاريخ نفسه عندما قال في المقدمة: إن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال، وتتنافس فيه الملوك والأقيال، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأول، تنمى فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال، ويطرف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال … إلخ.

والسبب في هبوط مستوى التاريخ عن المقدمة ليس راجعًا إلى عجز المؤلف العظيم أو تقصيره عن الإلمام أو ضعف اجتهاده عندما فرغ من المقدمة وتصدى إلى تدوين التاريخ، وإنما السبب الأول والأخير في قصور التاريخ عن المقدمة وظهور ذلك لكل قارئ مميز، كائن في مواهب ابن خلدون نفسه، فقد كان عالمًا فيلسوفًا، وكان مفكرًا متعمِّقًا ومن أصحاب البصائر المستنيرة، فبعد أن كتب المقدمة المنطوية على المبادئ الفلسفية والاجتماعية وعلى دراسة الطبيعة الإنسانية ومقدار تأثرها بالبيئة الجغرافية ووراثتها الفضائل والرذائل، وتغلغل في فحص النظم السائدة التي أنتجتها الضرورة بالطبع والتي أشار باتباعها العقل، نظر إلى التاريخ في ذاته فإذا هو مجموعة أخبار لم تكن تؤيدها في عصره إلا الرواية والقصة والأحاديث الإنسانية، وهذه يعتورها التشويه والغلط، وقد تمليها الأغراض والمصالح وتنقص وتزيد بفعل صاحبها متعمدًا أو منساقًا لضعف الذاكرة أو تقادم الزمن، ولا سيما وأن كثيرًا من الكتاب ارتجلوا القيام بهذا الفن بدون تخصص ولا دراسة سابقة، وبالغوا في الخلط ومزجوا بين التاريخ والقصة، واتبعوا بعض قواعد علم مصطلح الحديث، ولكن عنايتهم برواية الحديث في العصور الأولى كانت عظيمة جدًّا بالنظر لمقام النبي محمد عليه الصلاة والسلام وللعلاقة المتينة بين حديثه وبين أحكام الشريعة ونظام حياة المسلمين في بقاع الأرض، ومع هذا وذاك فإن الحديث الشريف لم يخلُ من الزيغ والوضع والخديعة والجهل، وحسبنا دليلًا على هذا أن كتب الحديث وهي ستة لم يصح منها صحة مطلقة إلا كتابا الشيخين الصحيحان (البخاري ومسلم). وكان ابن خلدون رحمه الله يعلم هذه الأمور بحكم علمه وصناعته، ولذا أقدم على كتاب التاريخ متكلفًا، وفي ظني أنه لو بدأ بكتابة التاريخ لما شرع قط في كتابة المقدمة؛ لأنهما عند الظهور تناقضا، فالمقدمة علم، وفلسفة، ومنطق، واستنتاج، وهي أمور خاصة بالإدراك والذهن والفهم والمنطق، أما التاريخ فقصة كبرى تتفرع عنها قصص صغرى، وكاتب المقدمة كالواقف على الصخر والمتشبِّث بأمراس كتان شدت إلى صم الجنادل، بينا كاتب التاريخ يشبه النازل في قارب النجاة تتقاذفه الأمواج وتعبث به الرياح.

ولو أن ابن خلدون رحمة الله عليه اكتفى بعد كتابة المقدمة ببعض المثل العليا والواقعات الثابتة التي لا يأتيها الباطل ليقدم الأمثال ويقيم الأدلة على صدق نظرياته في المقدمة، لكانت ثمرة أعماله أشهى وأحلى وادِّخر قوته التي ضيعها في التاريخ في استكمال هذا البحث النفيس العالي.

وليس هذا الرأي منا نقدًا لهذا العالم الجليل، ولكنه أمنية ترددت في النفس من زمن طويل بعد أن قرأنا المقدمة ودخلنا في التاريخ، وقد جاهرنا بأن ابن خلدون لم يكن مؤرخًا ولكنه فيلسوف وعالم اجتماعي.

وقد رأينا أمرًا مماثلًا وقع فيه هيجل الفيلسوف الألماني بكتابه «فلسفة التاريخ» فجاء فيه من الخلط والتهويش والغموض ما زعزع مكانته؛ لأن التاريخ ليس له فلسفة غير ما كتبه ابن خلدون في مقدمته، ومع أن هيجل كان مدرسًا للفلسفة ومدعيًا تلمذته على كانط وزاعمًا أنه مكمل لمذاهبه، فقد أخفق إخفاقًا شنيعًا وجعل نفسه أضحوكة العلماء في القرن التاسع عشر.

ولا يمكن أن يكون الفيلسوف مؤرخًا؛ لأن طريقة تفكيره وتصوره وإدراكه وتعلقه بالمقدمات والنتائج والمسببات والأسباب والزمان والمكان وما بعد الطبيعة، تعوقه عن الاكتراث بالواقعات وتعدم قيمة الحوادث المرويَّة وتحمله على الشك في صدق الحكاية والقصة، وهو بطبيعة الحال لا يمتلئ بالإعجاب الواجب على المؤرخ بالشخصيات الفذة، فإن نظر إلى الرجال الذين يوصفون بالعظمة حكمًا واعتبارًا فإنما يكون هذا النظر من باب التعليق على العبقرية أو مواهب العقل الممتازة ولا تدهشه حوادث الدنيا ولا يستخرج منها عبرة؛ لأن كل حادثة مهما عظمت فإنها لا تخرج في نظر الفيلسوف عن حلقة من سلسلة ما يقع على قشرة الكرة الأرضية، وهي أحد الكواكب السابحة في الفضاء اللا نهائي، ومثل الفيلسوف الذي يشتغل بالتاريخ كمثل ابن الهيثم وهو رياضي كوفي إذا اشتغل بعدِّ البرتقال أو الليمون ليقدم عنهما حسابًا، فعلم التاريخ بالإجماع علم وضيع بالنسبة للفلسفة وأشخاص العظماء أقزام بين يدي من ينظر في الكون محاولًا تفسيره وتعليل وجوده.

نعم كان توماس كارليل فيلسوفًا ومؤرخًا ولكن انظر كيف كتب التاريخ؟! فإنه وضع تاريخًا للثورة الفرنسية وكتابًا في عبادة الأبطال، ولأجل أن ندلل على صحة الرأي نلفت نظر القارئ إلى ما كتبه هيبوليت تين المفكر العظيم الفرنسي نقدًا على كارليل في كتابه الأدب الإنجليزي، فإن تاريخ الثورة ليس تاريخًا ولكنه سلسلة فصول يمليها العقل الباطن على الكاتب، بل هي تأملات عقل مضطرب إذا صح الجمع بين الاضطراب والتأمل، واهتزازات عصبية سببها إهراق الدماء وزفرات خارجة من صدر ضيق ينفث اللوعة تلو اللوعة ويرجع الحوادث للقضاء والقدر، ويجزم بأن دانتون وروبسبيير وكاميل دي مولان والملك والملكة وميرابو وجيوتين مخترع المقصلة لم يكونوا إلا ألاعيب في يد القدر، ولا يستطيع قراءة ذلك التاريخ إلا مؤرخ ملم بالحوادث والأشخاص صبور على الشدائد حلال للألغاز والأحاجي والمعميات، وهذا ما أبرزه تين خير إبرازًا في كلامه عن كارليل، أما كتابه الآخر عبادة الأبطال وهم أمثال محمد عليه الصلاة والسلام ونابليون بونابرت، فقد اتخذ عبقرياتهم نماذج لأممهم ووصف تأثر الأمة بالفرد سواءٌ أكان نبيًّا أم سياسيًّا أم محاربًا أم شاعرًا أم كاتبًا، وليس هذا من التاريخ في شيء، بل هو تحليل لأثر الفرد في المجموع لا يتعرض فيه كارليل للحوادث إلا نادرًا، وشغله الشاغل هو الصورة الذهنية الكبرى التي يرسمها عن حياة الأمة التي ينتمي إليها البطل قبل ظهوره وبعد ظهوره، ولا شك في أن دراسته لتاريخ الثورة الفرنسية هو الذي أوحى إليه كتاب الأبطال.

أدرك ابن خلدون بقريحته الوقادة وفطرته السليمة هذه الأمور في المقدمة، فأشار إليها في فصل عنوانه (ومن الأخبار الواهية للمؤرخين: ما ينقلونه في أخبار التبابعة ملوك اليمن وجزيرة العرب أنهم كانوا يغزون من قراهم باليمن إلى أفريقيا والبربر من بلاد المغرب، وأن إفريقش بن قيس بن صيفي من أعاظم ملوكهم الأُوَل، وكان لعهد موسى عليه السلام أو قبله بقليل غزا أفريقيا وأثخن في البربر، وأنه سماهم بهذا الاسم حين سمع رطانتهم وقال: ما هذه البربرة، فأخذ هذا الاسم عنه ودعوا به حينئذٍ، وأنه لما انصرف من المغرب حجز هنالك قبائل من حمير فأقاموا بها واختلطوا بأهلها ومنهم صنهاجة وكتامة …) قال ابن خلدون تعليقًا على هذه النبذة: (وهذه الأخبار كلها بعيدة عن الصحة عريقة في الوهم والغلط وأشبه بأحاديث القصص الموضوعة.) ثم قال في ص١١: «وانظر ما نقله ابن عبد ربه في مفاوضة الرشيد عم جده داود بن علي في شأن نكبة البرامكة وما ذكره في باب الشعراء من كتاب العقد في محاورة الأصمعي للرشيد وللفضل بن يحيى في سمرهم، تتفهَّم أنه إنما قتلتهم الغيرة والمنافسة في الاستبداد من الخليفة فمن دونه، وكذلك ما تحايل به أعداؤهم من البطانة فيما دسُّوه للمغنين من الشعر احتيالًا على إسماعه للخليفة وتحريك حفائظه لهم وهو قوله:

ليت هندًا أنجزتنا ما تعدْ

وشفت أنفسنا مما نجدْ

واستبدت مرة واحدةً

إنما العاجز من لا يستبدّْ

وأن الرشيد لما سمعها قال: أي والله إني عاجز، حتى بعثوا بأمثال هذه كامن غيرته وسلَّطوا عليهم بأس انتقامه نعوذ بالله من غلبة الرجال وسوء الحال، وأما ما تموه به الحكاية من معاقرة الرشيد الخمر واقتران سكره بسكر الندمان فحاش لله ما علمنا عليه من سوء، وأين هذا من حال الرشيد وقيامه بما يجب لمنصب الخلافة من الدين والعدالة وما كان عليه من صحابة العلماء والأولياء ومحاورته للفضيل بن عياض وابن السماك والعمري، ومكاتبته سفيان الثوري، وبكائه من مواعظهم ودعائه بمكة في طوافه وما كان عليه من العبادة.» انتهى عن المقدمة ص١١.

وظاهر تمام الظهور من هذه النبذة وما سبقها وما تلاها أن ابن خلدون رأى عيوب التاريخ والمؤرِّخين، وعلم أن الذين يستحقون صفة المؤرخ على الرغم مما في مؤلفاتهم من المطاعن والمغامرة قليلون جدًّا وأنهم لا يكادون يتجاوزون عدد الأنامل وحركات العوامل، وأما البقية فهم من الهمل الذين ليس يعتبر لهم مقال وينعتهم بأقصى النعوت مثل بليد الطبع والعقل وقوله: إن الأخبار والحكايات مظنة الكذب ومطية الهذر، والكذب متطرق للخبر بطبيعته، وقد وضع شبه قواعد لنقد الخبر رقمها الأستاذ ساطع بن الحصري في كتابه عن مقدمة ابن خلدون من ١ إلى ٧ ص٢٢٥، وعلى الرغم من هذه المهاوي كتب ابن خلدون تاريخه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.