(١) إن المقياس الذي به يُقاس ما يستطيع أن يتحمَّله المرء من الآلام هو مقياس من نفسه. ومن أجل ذلك لا يستطيع المرء تحمُّلَ آلام غيره مهما شاركه وعَطَفَ عليه وادَّعى حملَه آلامَه وعاونه.

(٢) إن نظرةً واحدة من نظراتِ الغضب أو كلمةً واحدة من كلمات العداء والنفور قد تمحو سعادةَ سنينَ طويلة من سني الأُلفة والمحبة، ولكن بريقًا زائلًا مثلها من السرور ووميضًا قصيرًا مثل وميض البرق منه لا يستطيع أن يمحوَ تعاسة السنين الطويلة من سِنِي الشقاء؛ وذلك لأننا نتأثَّر في سعادتنا بالألم أكثرَ من تأثُّرِنا في تعاستنا بالسرور الوامض القصير.

(٣) إن السبب في أن إحساساتنا لها حياة مستقلة بما لا نستطيع أن نغيِّرها، أن تلك الإحساسات تتشكَّل وتنمو بما يناسبها من الظروف والأحوال التي أوجدتها، والأماكن التي قويت فيها واشتدت، كما أنها تنمو من نفسها بالأفكار المتصلة بها، والتي كانت تشغل فكرنا عندما خلقت، وتعظم بالخواطر والهواجس التي تناسبها في النفس.

(٤) ربما نزداد قوة وقدرة برعاية من هو أضعف منا وبحمْل أثقالِه ومُعاونتِه على متاعب الحياة. ولعلَّ بعضَ من يفعل ذلك يدري هذه الحقيقة، ويلتمس الزيادةَ في القدرة بهذه الوسيلة.

(٥) قد يحسب بعض الأقوياء، أو من يدَّعِي القوة، ويطمح إلى مراتبها أن فضيلة القوي وفضله في حب السيطرة، ولكن الذين يرون القوة أمرًا طبيعيًّا فيهم ولا يباهون بها يعرفون أن فضل الأقوياء في ألَّا يشغف القوي بالسيطرة، التي هي دليل على فقدان الحنان والعظمة.

(٦) إنك لا تستطيع أن تحكم على إنسان بدراسة حوادث حياته فحسب، كما لا تستطيع أن تدرس التاريخ بمعرفة قوائم الحوادث، بل لا بد من دراسة أشجان ذلك الإنسان وأحزانه وعواطفه، وأفكاره الخفية، ونزعات نفسه وعواملها. أما دراسة الحوادث فهي وسيلة الحمقى.

(٧) إذا تحركت الحياة في المرء واشتعلت نارها بقوة لم يستطع الاقتصادَ من ذلك الاشتعال، بل يدعه يشتعل بإسراف فلا يستطيع أن يَقِيس الغايةَ التي يسعى إليها، ولا الوسائل التي يتخذها لها.

(٨) إذا كان الحب لا يغتفر كل شيء فهو لا يغتفر شيئًا، واغتفار الحب قد يحسب جهلًا وغفلة، وهو ليس بجهل ولا غفلة.

(٩) إن صفاتِ المكرِ والاحتيال والائتمار صفات كثيرة الفرص والوسائل والموارد، وقد تعرف النفس الصافية المهذبة ذلك، ولكنها لا تستطيع أن تتخلَّق بها حتى ولو حاولت، ولا تستطيع أن تنتفع بها، وإنما جُلُّ اعتمادها على ما قد يسعفها عفوًا من السوائل، وما يكون باتفاق المصادفة، وليس اعتمادها على ابتكار الوسائل وصنع الحيل الناشئة من الاحتيال.

(١٠) إن أهل الخير قد يساء بهم الظن، ويُحسبون من أهل الشر والكيد إذا كان ينقصهم الذوق السليم، فيعملون ما هو حسن طيب في نظرهم من غير اهتمام بمعرفة أثره في غيرهم.

(١١) إن الشباب يَقِيسُ المستقبل بفرجارٍ من عنده، فإذا كانت قوة إرادة الشباب وعزيمته توافق الزاوية الكبيرة التي انفرج عنها الفرجار في قياسهم المستقبل؛ كانت الدنيا لهم.

(١٢) كما أن فضائل الإنسان تظهر بمظهر أعظم في البيئة الصالحة لها التي تناسبها، ويكون مظهرها منطفئًا أو شبهَ منطفئ في البيئة غير الصالحة لها، كذلك المصائب قد ترخي على فضائل الإنسان حجابًا وستارًا فتخفيها.

(١٣) إن أعظم العظمة وأفخم الفخامة ليست في المرئيات والظواهر الفخمة العظيمة من أمور الدنيا، بل أعظم العظمة والفخامة في أمور النفس.

(١٤) أكثر الناس في الحياة إذا سقطوا كان سقوطهم إلى مستقرٍّ قريب، وهم في سقطاتهم كالأطفال الذين يتألمون ويصرخون ثم ينسون.

(١٥) إنما تحيا النفوس بأن تعطي غيرها من نفائسها، وأن تأخذ من نفائس النفوس الأخرى، وهي قد تعطي غيرها، ثم تستعيدُ بعضَ ما أعطته بعد أن تحوِّله النفوس الأخرى إلى ذخائر ونفائس من عندها. وهذا التبادل ضروري للنفس كما أن التنفُّس ضروري للجسم.

(١٦) إن المرأة تشعر أنها تكون على أتمِّ جمالها عندما تكون على أعظم سلطة وقدرة، وقد تنال السلطة بفتنة جمالها. ومن أجل حب المرأة لما يجلو جمالها من السلطة والنفوذ تحبُّ الرجلَ القويَّ القادر، حتى ولو أدت قدرته إلى ضررها.

(١٧) الحب كالبحر؛ فذوو السذاجة لا يرون في الحب كمن لا يرى في البحر غير شكلٍ ومنظر واحد لا يتعداه. أما صاحب الميزة في الحب فإنه كالذي يرى أن البحر لا يكاد يستقر على شكل واحد من أشكال الجمال، بل يراه أشكالًا وألوانًا متعددة من الجمال.

(١٨) إن الحب يخلق للمحبِّ ربحًا ويوهمه كسبًا من كل شيء، حتى من الألم والخسارة وما هو أشد منهما، وينسيه مصائب المستقبل.

(١٩) الإيمان زهرة اليقين، والأمل زهرة الرغبة، والأمل خير من الذكرى؛ فإننا نعوم في بحرٍ من الذكريات، ولكن حبنا لا بد أن يغرق فيه. أما الأمل فإنه يجدِّد الحبَّ كما يجدِّد كل نعم الحياة.

(٢٠) دوام رؤية الوجه ألفة قد تمحو صفاتِ النقص فيه؛ لأنه يُطْلِعُ الرائي على صفات نفس صاحبه.

(٢١) كل اختراع فيه شيء من عفو المصادفة، حتى ولو كان متوقعًا.

(٢٢) ليس الحب إحساسًا فحسب، بل هو أيضًا فنٌّ به يؤثر المحب في قلب من يحب من غير أن يذويه، وهو يُحْدِث أثرهُ بكلمة، أو بسكوت، أو بتردُّد بين الكلام والسكوت، أو ما شابه ذلك، ويُلهِم المحبَّ متى يحسُن أن يفعل أيَّ شيء من ذلك.

(٢٣) كلما عظم نبل النفس ازدادت نفورًا من الخيانة والغدر، حتى ولو كان فيهما رِبْح لها.

(٢٤) إن المحبة الممزوجة بالأنانية والأثرة لا تَنَال عطفًا من الناقد البصير بها؛ إذ إن القلب يكره الحب الأنانيَّ الذي يعد ويحسب ما ربح، وهذا بالرغم من أن الحب الذي لا يحسب ما ربحه قد يكون ناشئًا في قلب لا يعرف الحياة ولا يقدر الأمور.

(٢٥) إن معرفة الأوقات التي يحسن فيها الصمت تحتاج إلى خبرة ولباقة، كالخبرة واللباقة التي تعرف الأوقات التي يحسن فيها الكلام.

(٢٦) إن العاطفة النبيلة تنمو بما يغذيها من تشجيع وعطف وحنان ومودة، كما أن العاطفة الذميمة تنمو أيضًا بما يغذيها من حقدٍ وعداوةٍ وشر.

(٢٧) الزمن يعطي الصبر والعزيمة قدرة على عمل أي شيء.

(٢٨) لم تُبتكر طريقة ولا وسيلة لرَأْمِ جرح اللفظ على صلاح وصفاء تام، وجُرْحُ اللفظ قد يكون أشدَّ من جُرح السلاح.

(٢٩) لا يستطيع أن يعرف الأعاصير التي تثور عند قمم الجبال إلا من عاش بينها، وكذلك لا يستطيع أن يعرف النفوس العظيمة إلا من كان من النفوس العظيمة.

(٣٠) بالرغم من الأهواء العديدة التي قد تبعث الحمقى والجهلة والأغنياء إلى التغير والتقلب، فإنهم قد يظهرون استمساكًا بمذهب أو حزب أو رأي واحد. وسبب ذلك أن هذا التغير من حزب أو رأي أو مذهب إلى حزب آخر أو رأي أو مذهب قد يقتضي منهم تفكيرًا، والتفكير في عقولهم عملية مؤلمة صعبة مرهِقة معقَّدة مكروهة.

(٣١) إن الرجل الذي في نفسه جانب نقص لا يستطيع التخلِّيَ عنه إنما يعطي أعداءه سلاحًا يستعملونه ضده إذا استطاعوا.

(٣٢) إن الصفة أو الفكرة الفنية تُوقِظ النفوس، سواء أكانت في صنع فني جليل أم في جسم إنسان حي.

(٣٣) إن الشجاعة لباس يلبسه المرء كي يخفيَ به نقص نفسه وعوراتها.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.