في هذه الأيام ظهر كتاب «سمنر ولز» عن المسائل السبع الكبرى التي برزت في السياسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الأخيرة، وقد كان المؤلف — كما يذكر القراء — من أعوان الرئيس روزفلت المعدودين، فهو يتكلَّم عن علم بدخائل الأمور واطلاع على الوقائع التي خفيت في حينها ولا تزال خافية على كثير من الأمريكيين وغير الأمريكيين.

تناول الكلام عن الخطر الذي كان يهدد الولايات المتحدة من ناحية قناة بناما، فقال:

كان من العجيب أن قليلًا من الأمريكيين كانوا يُدرِكون مبلغ الخطر في ذلك الحين، وقد بقي مدى الضرر الذي ألحقه اليابانيون بالأسطول في حادث بيرل هاربور مكتومًا لأسباب ترجع إلى الأمن وسلامة الدولة، فقد كانت خطط المحور تتيسر كثيرًا لو علم سادة الحرب اليابانيون أن أسطولنا في المحيط الهادي قد أصابه الشلل، ولكن أجهل الصحفيين كان مع هذا الكتمان يعلم أن أسطولنا قد ابتُلِي بضربة مُقْعِدة، وأن شواطئ المحيط الهادي من كندا إلى شيلي قد باتت مفتوحة للإغارة والهجوم، ووضح كما وضح هذا أن سلامة قناة بناما قد أصبحت فجأة مسألة حياة وموت، وأن صدق النية من جيراننا في معونتنا على حمايتها والمشاركة في اتِّقاء الغارات المتوقعة، قد أصبح من الشئون الحيوية العظمى …

ثم قال:

وباتت شيلي وبيرو وإكوادور مفتوحة للغارة اليابانية، وكانت كليفورنيا السفلى عزلاء وخلوًا من السكان في كثير من المواقع، ومثلها الشواطئ من حدود جواتيمالا المكسيكية إلى شمال بناما، وامتلأت أمريكا الوسطى بعيون النازيين ووكلائهم، وعلمنا أن رجال الأعمال الألمانيين والفلاحين اليابانيين اشتروا المزارع في كوستاريا وكولمبيا على مسافة لا تجاوز مئات قليلة من الأميال من قناة بناما، وأن الألمان منذ زمن غير قصير كانت لهم يد قوية في إدارة الخطوط الجوية الداخلية بجمهورية كولمبيا، وأن الطيارين الإيطاليين قاموا بتدريب القوة الجوية بإكوادور، وأقام في بيرو ألوف عدة من اليابانيين، وفي كل أمر من هذه الأمور خطر جسيم على الولايات المتحدة؛ إذ كان كابوس رجال البحر عندنا أن تنشب حرب تضطرنا إلى القتال في محيطين بأسطول واحد، فإذا بهذا الكابوس يصبح فجأة حقيقة واقعة، ولا أمل لنا في مكافحته ما لم يكن استخدام القناة بغير انقطاع مكفولًا على الدوام لنقل السفن من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادي، ولم تكن القوة البحرية المحدودة التي كانت الولايات المتحدة تملكها يومئذ كافية لدرء الخطر إذا توانت الجمهوريات الأمريكية في تقديم المعونة …

كذلك كانت أهمية القناة الأمريكية للولايات المتحدة، وكذلك كانت أهمية المعونة التي تعتمد فيها الدولة العظيمة على الدويلات الصغيرة في الأزمة التي وصفها الرجل المسئول بأنها أزمة الحياة والموت.

فماذا كان موقف الولايات المتحدة من جمهورية بناما الصغيرة قبل الحرب العالمية الثانية؟ وكيف أصبح موقفها منها بعد انتهاء تلك الحرب إلى ساعتنا الحاضرة …؟

ينبغي أن نذكر أولًا أن الولايات المتحدة هي التي خلقت جمهورية بناما ومكَّنتها بالمال والسلاح والسياسة من الخروج على الجمهورية الكولمبية، ثم حملت هذه الجمهورية على الاعتراف بها وتبادل التمثيل السياسي معها.

كانت بناما إلى أوائل القرن العشرين إقليمًا من أقاليم كولمبيا، ثم انفصلت عنها، وبادرت الولايات المتحدة إلى الاعتراف بها على الأثر؛ فأصبحت دولة مستقلة بهذا الاعتراف منذ الثالث عشر من نوفمبر سنة ١٩٠٣، ولم تلبث كولمبيا أن اعترفت باستقلال الإقليم المنفصل في سنة الحرب العالمية الأولى، ثم بادلته التمثيل السياسي بعد ذلك بعشر سنين.

واتخذت الولايات المتحدة للقناة حكومة منفصلة عن الحكومة البنامية التي خلقتها، ثم أحسَّت أن هذا الوضع السياسي غير مأمون العاقبة، أو أحسَّت ببوادر الحرب العالمية الأخيرة، فنزلت عما كان لها من شبه الحماية على بناما، وعقدت معها في شهر يوليو سنة ١٩٣٩ اتفاقًا يطلق يدها أثناء الحرب في إدارة القناة، وزادت المنحة السنوية التي كانت تتقاضاها بناما مقابل هذا الاتفاق.

ثم نشبت الحرب العالمية الثانية، فرخصت بناما للولايات المتحدة باستخدام المطارات والمحطات المقاومة للغارات الجوية، وبلغت عدتها أكثر من مائة وثلاثين.

وقد تحوَّلت إدارة القناة بعد ذلك إلى شركة ملحقة بشركة السكة الحديد البنامية. وكانت الولايات المتحدة قد أرادت أن تحتلَّ بعض المواقع خمس سنوات، وأن تحتلَّ قاعدة «ريوهاتو» عشر سنوات قابلة للتجديد، فعقدت معاهدة تحقق لها هذا الغرض مع الحكومة البنامية، ولكنها عرضت على الهيئة البنامية في بناما فرفضتها بعد عقدها بأقل من أسبوعين في الثالث والعشرين من شهر ديسمبر سنة ١٩٤٧ … فلم يسع الولايات المتحدة إلا أن تجلو عن المواقع المحتلة، وأن تعدل عن إبرام تلك المعاهدة.

هذه هي مسألة القناة الأخرى.

قناة تتوقف سلامة الولايات المتحدة في صميم أرضها على ضمان حراستها.

قناة تحيط بها أقطار يباح فيها ملك الأرض للألمان والطليان واليابان، ويسهل استخدامها لتنظيم الغارات الجوية على القناة أولًا، وعلى المواقع البحرية الأخرى قبلها أو بعدها.

وحكومة بناما — مع هذا — حكومة بغير جيش بغير عدة، وكل ما عندها من الجند فرقة من الشرطة لا تتم عدتها بجنودها وضباطها أربعة آلاف.

فهل احتلت الولايات المتحدة تخوم كولمبيا وشيلي وبيرو وإكوادور ضمانًا لسلامة القناة؟ وهل استطاعت أن تُكْرِه بناما الضعيفة على إبرام المعاهدة التي رفضتها؟ وهل شددت قبضتها على الأرض التي تملكها وتحرسها وتشرف على حكمها؟ هل شدَّدت قبضتها بعد ما وضح من تجارب الغارات الآسيوية أو هي خففت من تلك القبضة ولم تزل تنزل عن موقع بعد موقع وعن سلطة بعد سلطة؟

إن «اعترافات» الوزير الأمريكي المسئول قد جاءت في أوانها؛ لأن الدولة الأمريكية تطلب في هذا الأوان بذاته أن يكون لقناة السويس شأن في المعاملة غير شأن بناما وما حواليها.

فمن حق المصري أن يسأل: لماذا هذا التمييز في المعاملة؟ ولماذا يعرفون عشرات الوسائل لدرء الخطر على القناة الأخرى ولا يعرفون غير وسيلة الاحتلال العسكري على الرغم من مصر حين ينظرون إلى قناة السويس؟

في الأمر سر مكشوف أو كالمكشوف؛ لأنه لا يخرج عن فرضين أو بضعة فروض لا تَخفَى على السائل ولا على المجيب. فإما أن يكون الغرض هو خنق هذه الأمة المصرية لكيلا تكبر ولا تقوى ولا يرتفع لها قدر بين الأمم الشرقية أو الغربية، وإما أن يكون الغرض هو استغلال القارة الأفريقية برمتها واتخاذ الاحتلال العسكري في مصر قاعدة لتهديدها وضمان طاعتها، وإما أن تكون الحيطة موجهة إلينا وليست موجهة إلى أعدائنا الذين يتوقعون منهم العدوان علينا، ولا معنى للتفرقة بين مصر وبين الأمم الأخرى كلما اتخذت الحيطة لدفع الخطر عن السلام إن لم يكن وراء تلك الخُطَط غرض من تلك الأغراض.

إنهم لا يحتلُّون الدردنيل والبسفور ضمانًا للسلام، ولا يحتلون أمريكا الوسطى ضمانًا للسلام، ولا يشترطون الاحتلال الدائم لمكان غير مكان في هذه البلاد، فلماذا؟

لماذا؟ ولا حاجة إلى الجواب، فهو على أية حال جواب لا يبعث مصريًّا إلى الاطمئنان.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.