سيدي الرئيس، سادتي:

منذ اختياركم لي زميلًا لكم وأنا — مع شكري فضلَكم وتقديري ما نلتُ من تشريف — مشفقٌ مما أنا مُقْدِم عليه. قرأت للأستاذ الدكتور طه حسين: «إن أُولي العزم وحدهم هم الذين يَقبَلون عضويةَ هذا المجمع، وهم الذين يصبرون عليها وينهضون بأعبائها، ويعملون لخدمة هذه اللغة العربية؛ أي لخدمة التفكير العربي، أي لخدمة العقل العربي أولًا، والعقل الإنساني ثانيًا. ثم لا يلقون مع ذلك إلا عقوقًا وسخريةً وعبثًا وضحكًا منهم أيضًا.» وينذر الأستاذ الداخلين: نحن هنا أصحاب جِدٍّ، وجد مر.

والمجمع خادم اللغة العربية، فهو خادم القرآن وخادم الأمة العربية، وأي شرف يناله رجل أعظم من شرف الانضمام لجامعة تخدم القرآن وتخدم الأمة العربية.

وقرأت — سادتي — أن مصر في أيام الحرب العظمى الأولى رحَّبت أكبرَ ترحيب بإنشاء مجمع للغة العربية، وهذا على الرغم مما كانت تعانيه من الهمِّ والغمِّ في تلك الأيام السوداء، وقرأت أن رئيسنا — وكان إذ ذاك يدير دارَ الكُتب — اقترح أن يخصص مكانًا من تلك الدار للمجمع؛ وقد أسف الناس إذ ذاك حقًّا على أن مجمعهم لم يُقدَّرْ له البقاء … ثم كان أن سعدت مصر بإنشاء المجمع بصورة أكملَ وأوفى تمثيلًا للأمة العربية.

ودعوتموني للمحل الذي شرف بالدكتور محمد حسين هيكل، وكان فخرَ شباب جيله، وكان علَمًا من أعلام الأدب والصحافة والسياسة؛ كان ممن وَجَّهوا الرأي وخاضوا معاركه، وله في الأدب والصحافة والسياسة آثار باقية على الدهر.

وأعلم — حقَّ العلم — أنكم وقد فقدتم زميلكم المؤرخ — صديقي عبد الحميد العبادي — قدَّرتم أني قد أستطيع أن أسدَّ بعضَ الفراغ الذي ترك. ومن الوفاء لصديقي أن أحاول أن أؤدِّي للمجمع بعضَ ما كان يؤديه. وهذا على الرغم من أن الأصول العربية التي كان العبادي يستخدمها وفقَ أدقِّ القواعد الفنية، هي — بالنسبة لي — مادة أحبها كلَّ الحب وأحترمها كلَّ الاحترام، ولكن هل يُغْنِي الحب أو الاحترام عن حذق قواعد الصناعة؟

وعندما ضربتم لي موعدًا لاستقبالي ازددت تهيُّبًا، وخشيت موقفًا أكون فيه وحيدًا، لا أجد الطمأنينة التي يشعر بها الإنسان في صفوف الجماعة. ولكن الأستاذ الدكتور منصور فهمي بسط إليَّ يده وأنزلني منزلًا كريمًا بين زملاء كرام. وليسمح لي الدكتور منصور فهمي بأن أتلو عبارة قرأتها منذ أيام قليلة في آثار الأستاذ مصطفى عبد الرازق، وهذه الآثار لم تُنشر إلا منذ أسبوع أو أسبوعين، ويصح جدًّا — سادتي — أن منكم من لم تسنحْ له بعدُ فرصة الاطلاع عليها: قابل الأستاذ مصطفى عبد الرازق في إحدى رحلاته طبيبًا أوروبيًّا وقال له الطبيب: إني سمعت الفيلسوف برجسن يذكر بالإعجاب عالِمًا من علمائكم اسمه منصور فهمي، وشهِدَ له شهادةً حسنة، فهل تعرف منصور فهمي؟ وهنا أرهفت الأسماع وخشعت الأصوات لذكر برجسن وتلميذ برجسن، وقلت: نعم يا سيدي، ذلك أستاذ الفلسفة في الجامعة المصرية، وشعرتُ ساعتئذ بشيء من الفخر لمصر الناهضة التي شهد لفيلسوفها الشاب إمام فلاسفة العصر، وللجامعيين المصريين أن يفخروا بذلك الفخر كله، ولكن لمنصور فهمي مكانةً أخرى، مكانةً في القلوب، ما بينه وبين الناس عامر دائمًا بالمحبة والبرِّ والوفاء.

وحاجتنا لتلك المعاني في هذه الأيام أكبر ما تكون.

أيام أزمة مستحكمة، وفي أيام الأزمات تختلُّ موازين الحكم ومقاييس التقدير اختلالًا كبيرًا.

من ذلك ما يتوهَّمُه بعض الناس من عدم لياقة الاشتغال باللغة في الوقت الذي يعمل فيه العلماء على الوصول للقمر أو للمريخ على ما يقال، كأن آلات السفر في الفراغ تغني عن آلة التفاهم والتخاطب، أو كأن المارد الأخرس أفضل من الإنسان الناطق، من ذلك أيضًا ما يتوهَّمه البعض من أن المجمع لا يصنع شيئًا، وما ذلك الظن إلا لأن المجمع لا يملك من أدوات السلطان والقهر ما يجعل ذلك البعض يعرف ما يصنع المجمع.

وأشهد أنني إذ أتفكر في هذا وأمثاله افتقدت الرجلَ الذي كان له من الذكاء وسعة الأفق والاطلاع ونفوذ البصيرة، ما كان يكفل له الرأي السليم والتوجيه السديد في أزمة الإنسانية التي نعيشها الآن؛ افتقدت محمد حسين هيكل.

وقد أشار برفق في ثنايا مذكراته إلى اعتقاده بأننا مقبلون على عصر جديد، فلنترك هذا الجديد ولنعش مع هيكل لحظاتٍ في العصر الذي ازدان بوجوده.

وإني إذ أذكر هيكل فلا مندوحة عن ذكر «الجريدة» و«السفور» و«السياسة» و«الجامعة»، ولا مندوحة عن ذكر اسم أحمد لطفي السيد ومنصور فهمي وطه حسين وغير هؤلاء ممن سبقونا إلى جوار ربهم، لا أستطيع أن أتجنَّب ذكر الأسماء وإلا كنت كمن يتكلَّم على مسرحية «هملت» دون أن يذكر اسم أمير الدانمارك. فليأذن لي السادة الذين ذكرت، وأعد بألا أسيء استغلال الإذن.

اعتاد المفكرون أن يصفوا عصرنا الحاضر بعصر نفوذ المدنية الغربية، وصف الأستاذ الدكتور عبد الحميد بدوي في كلمته في المجمع الأثرَ الذي يحدثه ذلك النفوذ، قال: «إن العربي الذي يأخذ من المدنية الغربية بسبب لا يسعه أن يتجنَّب نوعًا من الازدواج النفسي والعقلي، فهو يُحِسُّ بنفسه العربية ضروبًا من الأحاسيس، وهو في الوقت نفسه — وبقدر ما يكون قد أصاب من آداب لغة عربية أو أكثر من فنون أهل تلك اللغة أو اللغات — يتذوَّق ويحسُّ أذواقًا وأحاسيس أخرى لا يجد سبيلًا إلى استشعارها أو الإعراب عنها إلا بما نفذ إلى نفسه من وسائل تلك اللغة أو اللغات وآداب أهلها وفنونهم، فإذا أراد أن يحيل تلك الأذواق والأحاسيس عربية، ألفى دون ذلك صعوبات غير قليلة … ونفذ هذا السيل الجارف من الألفاظ والاصطلاحات إلى الألسنة بصور تختلف باختلاف مصادرها، وتتفق في العجمة والغرابة والوحشية …» ومن ثم كانت مهمة المجمع.

وكتب الدكتور هيكل في مذكراته: «فمصر تتأرجح حتى اليوم بين العقليتين العربية والغربية، تتغلَّب إحداهما حينًا، وتتغلَّب الثانية حينًا آخر. تتغلَّب العقلية الغربية حينًا، فينهض الفكر الحرُّ وتنتشر النظريات العلمية، وتتأثَّر الثقافة بهما في المعاهد المختلفة وفي المعاهد الدينية نفسها، وتتغلب العقلية العربية حينًا، فتتحكم العاطفة ويستردُّ الماضي سلطانَه، وتتأثَّر الثقافة بهما في المعاهد المختلفة، وفي المعاهد الجامعية المدنية نفسها.

وهذا التأرجح يحدث حينًا بعد حين، ويثير مناقشات حادةً، لها حتى اليوم أثرها الواضح في اتجاهاتنا المختلفة. ويرجو كثيرون أن يوفَّقُوا إلى صيغة تؤدِّي إلى اندماج العقليتين، ولكنهم لم يصلوا بعدُ إلى ما يريدون. ولا شبهة عندي في أن الوقوف لدراسة الأطوار المتعاقبة لهذا التأرجح جمُّ الفائدة، ولعلَّ هذه الدراسة هي الوسيلة — لا وسيلة غيرها — للاهتداء إلى الصيغة التي ينشدها من يبتغون مزج العقليتين، لكن هذا الوقوف يقتضي من يقصد إليه ملاحظةً وتحليلًا وتفصيلًا لم أقصد إليها من هذه المذكرات. وآثار هذه الدراسة لا يكفي فيها مجلد أضخم من مجموع هذه المذكرات.»

هذان الوصفان لتأثير نفوذ المدنية الغربية في مصر منذ ما يزيد على قرن ونصف القرن من الزمان، يصوِّران تصويرًا دقيقًا الفكرة التي كوَّنها العالِمان الجليلان عن العصر الذي نبغا فيه.

بَيْدَ أن التوتُّر الذي ينشأ عن التقاء مدنيتين في مجتمع معيَّن ليس في ذاته شيئًا فريدًا، يماثله التوتر الذي ينجم عن التقاء جيل الآباء بجيل الأبناء في الأمة الواحدة، أو الذي يكون بين الخاصة والعامة في أمة ما، أو بين الأديب ومجتمعه في أي مكان.

وأظنُّ أنه يصعب بعض الشيء أن نعثر على العقلية العربية والعقلية الغربية مختلفتين إحداهما عن الأخرى بتلك الدرجة من التغاير التي يثيرها التعبير. وقد يكون أكثرَ مطابقةً للواقع أن نميِّز بين رجل أميل للمحافظة وآخرَ أميل للتجديد. وقد يكون أيضًا أكثر مطابقة للواقع أن نتحدَّث عن تأثير القديم وتأثير الجديد، بدلًا من أن نتكلَّم عن الشرق والغرب.

والواقع أيضًا أني لا أعرف مشكلةً ما في مصر إلا ولها نظير في أوروبا، والمشكلات هنا وهناك تختلف بطبيعة الحال في مظاهرها وفي حِدَّتها أو تعقيدها.

مِثْلُ هذا يقال عن الخُلق الشرقي والخُلق الغربي؛ فالقناعة هنا وهناك، والجشع هنا وهناك … إلى آخره.

وتوحيد ألوان الثقافة في الأمة الواحدة — أو اندماج العقليتين في تعبير الدكتور هيكل — لا يمكن تحقيقه بوضع «صيغة» له، إنما يعالَج — على فرض كونه ذلك الأمرَ الكريهَ الذي يستوجب العلاجَ (ومنا من لا يراه كذلك) — إنما يعالج عمليًّا، كما فعل الدكتور هيكل عندما تولَّى وزارةَ المعارف وفرض على المدارس الأجنبية أن تعلِّم جميع تلاميذها اللغة العربية والتاريخ المصري والتربية الوطنية وجغرافية مصر.

ولو أن الرجل منا قُدِّر عليه أن يواجه في نفسه صباحَ مساءَ الصراعَ بين الشرق والغرب، وفُرض عليه أن يبحث عن صيغة يوفق بها بين عقليتين، لكان بذلك شقيًّا.

وقد سَعِدَ الدكتور هيكل كلَّ السعادة لقدرته على أن يَنْهَلَ من جميع الينابيع؛ اسمعوا هذا الكلام الجميل: «وسط هذا الوطن الذي نشأت فيه، والذي نسيت معه كلَّ ما رأيت مما سواه، ذكرت أنني أستطيع أن أجوبَ أقطارَ الأرض ما شئت، وأشهد من صور الجمال في مختلف مظاهر الفن ما حلا لي أن أشهد، وأن أسمع من موسيقى الغرب كلَّ ما يلذ ويطرب، وأن أقرأ من أدب العرب وأدب الفرنج كلَّ ما يتسع وقتي لقراءته، أستطيع أن أصنع هذا وأكثرَ منه ثم أبقى بعد ذلك وفوق ذلك مصريًّا، وأبقى أكثرَ من مصري؛ أبقى فلاحًا قُحًّا صميمًا أُقدِّس كلَّ ما في مصر ومزارعها من جمال، وأُقدس النيل الذي حبا مصر الحياة وحباها الجمال.»

وإذا كان الدكتور هيكل قد أصاب كلَّ هذا الخير من تنوُّع الينابيع ومن حرية النهل منها، فلِمَ نعمل على تحريم هذا على المصريين؟ إن القادة الذين كان لهم الأثر الكبير في توجيه شباب ذلك العصر وضعوا الحرية الفكريةَ فوق كلِّ شيء، وطريقتهم في التعليم وفي البحث تصدر أولًا وآخرًا عن الإيمان بها. قال الأستاذ علي عبد الرازق يصف طريقة الشيخ محمد عبده، قال: دعا الشيخ إلى إصلاح بالعمل أولًا، ثم بالقول الصريح يصدع به أنَّى كان، في المحافل العامة، وفي مجالسه الخاصة، وفيما يؤلِّف من كُتب وأبحاث وفيما ينشر في الجرائد والمجلات، وفي رسائله العامة أو الخاصة. فدعوة الأستاذ الإمام — كما ترى — دعوة عامة، توجَّه إلى كل من بلغته الدعوة على أيِّ وجه فوعاها، ومدرسته — كما ترى — ليست مدرسة يحدُّها زمان ولا مكان ولا أشخاص. وبلغت الدعوة — على هذا النحو — محمد حسين هيكل، الطالب بمدرسة الحقوق، فوعاها، وتعلَّم منها — على وجه أخص — كُرهَ «التقليد». وبلغته أيضًا دعوة قاسم أمين، وتعلَّم أن قاسم أمين أقدمَ على أن يضع تحت نظر العقل تقليدًا اجتماعيًّا مسلَّمًا به من الخاصة ومن العامة. وتدعو «الجريدة» لكسر غلِّ البروجرام المدرسي، قالت: «الطبيعة في تعاليمها البديهية التي تعلِّمنا إياها من غير واسطة المدرسة، لا تجعل تعاليمها خاضعة لبروجرام، بل هي تقدِّم إلى أنظارنا المخلوقات القائمة في الدائرة التي نحن فيها وتتركنا أحرارًا؛ وكل منا يشغل نظره بما يروقه من المشاهد، ويفهم ما يريد أن يفهم …»

وحبذت «الجريدة» طريقةَ سقراط وأبي العلاء المعري والسيد جمال الدين الأفغاني … نُشر ذلك المقال بمناسبة منع الطلبة من الاشتغال بالسياسة. سألت «الجريدة»: ولماذا لا يشتغلون هم أيضًا بسياسة الأمة؟ أليسوا من أبنائها، لهم خيرها، وعليهم شرها؟ أيُّ ضرر في أنهم يتعلمونها خارج المدرسة كبقية الشئون التي أغفل البروجرام فرضها عليهم؟ وعلى هذا النهج مضى لطفي السيد يحبِّب إلى الشباب حريةَ الفكر، ويُكرِّه إليه التعصب، ويجعل منه إذ ذاك وفيما بعد شبابًا متمدينًا مهذبًا. ودعوة «الجريدة» أيضًا دعوة عامة، على أن من الشباب من اتصل اتصالًا شخصيًّا بالأستاذ أحمد لطفي السيد؛ فكان أثر الدعوة في تكوينه أقوى، من هذا الفريق محمد حسين هيكل، وكان على استعداد تامٍّ لقبولها.

كان أيام التحصيل بالمدرسة الثانوية ومدرسة الحقوق شَغوفًا بقراءة الأدب العربي، (وبقي شغوفًا به حتى النهاية)، وفي السنة الأخيرة من دراسة الحقوق بدأ يقرأ كُتبًا في الأدب الإنجليزي وفي الفلسفة الإنجليزية، وانفسح أمامه من عوامل التفكير ما لم تمهد إليه مطالعاته العربية، وبعد أن حصل على الليسانس في القانون بعثه أبوه إلى باريس ليواصل الدراسة الجامعية العليا ويحصل على درجة الدكتوراه، فدرس في باريسَ الفرنسيةَ وآدابها، وجعل يحضر من دروس الأدب ما يماثل ما يحضر من دروس القانون … ووصف أثرَ هذا كله في نفسه، قال: «ولعلَّ أشدَّ ما أعجبني من هذا الأدب روحُ الثورة الذي يبدو فيه دائمَ الضرام، وحيويةٌ متوقِّدة لا تخبو قط نارها، نشاط دائم لا يستقر ولا يهدأ.» وقال أيضًا: «ومرت الأيام وأنا أرى في مدينة النور ألوانًا من الحياة تفسح أمام النظر آفاقَ التفكير وتَزيد الإنسانَ إيمانًا بحرية العقيدة والرأي، وبأن التعصب ذميم وأن أول واجب على الإنسان أن يديم البحث عن الحقيقة، وألا يكتفي بما يظن أنه وصل إليه منها، بل يجعل دأبه تقليب هذا الذي وصل إليه، فينفي عنه ما يعلق به من زيف، يرى من خلاله آفاقًا جديدة لهذه الحقيقة العظمى تتراءى لنا من وراء الحُجب …»

واختار لرسالته للدكتوراه موضوع «دين مصر العام»، فقرأ كل ما أمكن له قراءته من تاريخ مصر الحديث، وقال: «كان لهذه المطالعات أثر كبير في اتجاه تفكيري في سياسة بلادي. لقد ازددت إحاطةً بالعوامل التي أدت بها إلى الوضع الذي هي فيه، وتقديرًا لما يجب على أبنائها عمله لخيرها، كما قدَّرت أن للسياسة الدولية أثرها الكبير في حياة الأمم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ذلك كله يصطبغ في تفكيري بمنطق سنِّي يومئذ، وكان منطقًا أثر العقل فيه أكبر من أثر العاطفة، ولكنه على كل حال تفكير شابٍّ لم يمارس الحياة ولما يقف على تصاريفها إلا من خلال ما قرأ، فأما ما رأى من حوادث الحياة فقليل بالقياس إلى هذا الخضمِّ الضخم الذي تضطرب فيه السياسة العالمية وتتأثَّر به الدول كبيرها وصغيرها على حدٍّ سواء.»

وعاد هيكل من فرنسا وكان شابًّا لما يبلغ الرابعة والعشرين، يؤمن بوطنه وبحقه في الاستقلال.

قال الدكتور هيكل: «كنت أكتب في الصحف وأؤلِّف منذ كنت طالبًا بالحقوق.»

نشر القصة المشهورة «زينب» أولَ ما نشر، وكانت ثمرة حنينه وهو في باريس إلى الوطن، وفيما بين عودته من فرنسا والثورة المصرية كتب في «الجريدة»، ثم بعد احتجابها في «السفور». وخير ما أقول عن «الجريدة» أن أقتبس ما قاله الأستاذ مصطفى عبد الرازق عنها عندما احتجبت عن قرائها في السنة الأولى من الحرب العالمية الأولى، قال: «استبشرنا بها رايةً يلتفُّ حولها الجوهر المصفَّى من شبابنا وتسير في ظلها دعوة الحرية والتقدم بين جاه العلم والعقل، وجاه العصبية والغنى … ماتت الجريدة وتفرَّق عنا أصحابها غافلين لاهين بمظاهر ألقابهم وأموالهم … إن المرزوئين في الجريدة هم أهل الجد من فتيانها الذين كانت صحيفةُ الأعيان مظهرًا لمذاهبهم الحرة وأفكارهم الجديدة، ولن يعدموا — بإذن الله — وسيلة لنشر دعوتهم الصالحة في جرائد إن كانت صغيرة ضعيفة فستمدها قوة الحق فتكبر وتقوى. أما بعد، فإننا في هم من موت «الجريدة» يشغلنا اليوم عن التقدير لجريمة من أماتوها وعاشوا بعدها.»

وشعر طلاب العلم والأدب بأن الجرائد السياسية أضيق من أن تتنفس فيها عقولهم، ولم يستطع الدكتور هيكل ولا أصدقاؤه أن يحطموا أقلامهم فلا يكتبون؛ ولذلك اتفقوا — هو والأستاذ مصطفى عبد الرازق والأستاذ منصور فهمي والأستاذ طه حسين — على الاشتراك مع الأستاذ عبد الحميد العبادي في تحرير جريدته «السفور»، بحيث يكتب كل منهم مقالًا في كل عدد، فإن لم يكتب دفع مبلغًا معينًا لقاء عدم كتابته. وكانت «السفور» أسبوعية أدبية اجتماعية لا شأن لها بالسياسة، ولم تلبث أن أصبحت مدرسة للناشئين من الكُتاب والكاتبات، وأن صارت موضعَ تقدير الكثيرين من القراء. وقال عنها الأستاذ مصطفى عبد الرازق: «إنها وإن لم تكن تركت في الفن الأدبي إلا صدى متواضعًا، فإنها كانت — على كل حال — فيض الشعور المتدفق في قلب الطائفة المفكرة.» ومن طريف ما يذكر عن «السفور» أن «إخواننا دكاترة السفور» — كما سماهم الأستاذ مصطفى عبد الرازق — اتخذوا حديث الحرب فلسفة وقاموا بين صيحات التواكل وأنين الجرحى يتنازعون بينهم أمر الحضارة وعلاقتها بالحروب، يأبى الدكتور طه حسين إلا أن يثبت نفع التقاتل للجمعيات البشرية وعنده أن كل مدنية في الأرض إنما تنبت تحت ظلال السيوف. لكن الدكتور محمد حسين هيكل يفزع من سيلان الدماء الإنسانية ولا يرى خيرًا في الحرب التي هي — في نظره — بقية مما تركت الوحشية في صدور الناس، فلسفة الأزهري القديم فلسفة مسلحة، وفلسفة الأستاذ المحامي دعة وسلام.

ولتلك المعركة قصة رواها الدكتور هيكل في مذكراته، قال: إن فكرة الجدل هذا كانت مما اتفق عليه هو والدكتور طه، لتدفع الشباب للتفكير، ولتدعوَ القراء لمتابعة ما يكتبان، إذ الناس لا يحبون شيئًا حبَّهم الخلافَ والجدلَ. ولكن الجدلَ تطوَّر إلى معركة عنيفة نوعًا ما، فوقف الصديقان عند حد، وقد اقتنعا بأن الاتفاقَ على الاختلاف يجرُّ إلى الاختلاف بالفعل، وقد يؤدِّي إلى أكثر من الاختلاف.

وفي أيام الكتابة في «السفور» نشر هيكل في «المقتطف» سلسلة من مقالات فلسفية عن القدرية والجبرية (١٩١٧م). ولم أهتدِ بعدُ إلى معرفة الباعث على كتابتها، فموضوعها لا يستقيم والظروف السائدة إذ ذاك: ظروف الحرب العالمية، وما كانت تعانيه مصر في تلك الأيام. وأسلوبها يخالف أسلوبَ مقالات «السفور». وفصول القدرية والجبرية هذه كانت — بلا شك — أقربَ إلى الفصول العلمية التي كان يكتبها الدكتور يعقوب صرُّوف ومن جاراه من مريدي الداروينية، وقد ذهب هيكل في تلك الفصول إلى أن «جبرية اليوم — كما سماها — يرجعها المعاصرون من كُتَّاب أوروبا إلى تأثيرات الوراثة والوسط في حين كان يُرْجِعُها أهل الرأي القديم إلى القدرة الإلهية.» وقال: «أما رأينا فهو أن الاختيار معدوم من الوجود جملةً، وإنما تُصَرِّفُنا قوانين مرتبة نعرفها، وصُدَفٌ واتفاقات ربما كانت تسير على قوانين لا نعرفها.»

وقد وجدتُ في المذكرات إشارةً تدلُّ على أن هيكل كان مشغولًا إذ ذاك بالفيلسوف الفرنسي «هيبوليت تين»، قال — بعد أن ذكر كتابة فصول القدرية والجبرية للمقتطف — أنه ترجم البحث الذي لخَّص فيه «تين» كتاب عالِمٍ ألمانيٍّ عن البوذية، وقد استغرق هذا نحو مائة صفحة من كُتب «تين» في النقد والتاريخ.

وواضح أثر «تين» في الاتجاه الغالب على فصول القدرية والجبرية، ومن الممتع أن نقارن تلك الفصول بفصولٍ نَشَرَها الأستاذ مصطفى عبد الرازق في «الجريدة» نقدًا لكتاب «الواجب»، تأليف الفيلسوف الفرنسي «جول سيمون»، وتعريب الدكتور طه حسين ومحمد رمضان. واهتم الأستاذ الناقد بصفة خاصة بمسألة «الاختيار»، قال: «نظرية الاختيار الإنساني نظرية معضلة في الفلسفة الحرة وفي علم التوحيد، وقد وُجد في كلِّ جيل أنصار للاختيار وأنصار للجبر، ولكل من الفريقين على تأييد مذهبه حجج يضل العقل بينها …» وأضاف الأستاذ عبارة لها دلالتها على شخصية قائلها:

إني أدعو مع صاحب كتاب «الواجب» إلى الإيمان بالحرية، مقتنعًا بأن هذا الإيمان خير كله ولو أثبتت جميع البراهين الفلسفية أن نظرية الاختيار الإنساني غير صحيحة.

وإنا إذ نَرجِع اليوم إلى ذلك العهد — عهد الحرب الأولى، وعهد الشباب الباكر، حين لم يكن فقيدنا قد بَلَغَ الثامنة والعشرين — نعجب بما كان له فيه من نشاط متصل وإنتاج وفير. تذكَّر هو ذلك الزمن في مذكراته، تذكَّر ما نشر وما لم ينشر، فارتسمت على ثغره ابتسامة الرضا. ولا عجب؛ ففي تلك الأيام اندفع (وهذا هو تعبيره) يكتب الجزء الأول من «جان جاك روسو» حياته وكُتبه. و«اندفع» — كما قلت — هو اللفظ الذي نستحضره دائمًا عند ذكر «روسو»؛ فهو رجل الاندفاع.

وقد سمعت من أحد أساتذتي في مجالس التعليم أن من الخير لكل ناشئ أن يخضع في صباه لتأثير الاشتراكية أو لتأثير جان جاك روسو، وهذا بشرط التحرر من سلطان الاشتراكية ومن سحر روسو في الوقت المناسب. فأما الاشتراكية فقد أعلن هيكل ولاءه للفردية، ولم يجاوز الأمرُ عنده أو عند جيله حدودَ الكلام في المذاهب. وأما روسو فقد سحر هيكل حقًّا، كما سحر غيره من قبل ومن بعد. أبقي فعل السحر؟ لا أظن، فالعمل في السياسة، والوصول لمناصب الحكم، كفيلان تمامًا بإبطال أي سحر وأي ساحر. ويدلُّني على صحة ما ذهبت إليه أن هيكل لم يُلقِ بالًا فيما بعد لكتابه روسو بجزأيه، فبقي الكتاب بورقه الرخيص وطبعه السقيم وغلطه المطبعي الفاحش، ولم يُصدر هيكل الجزء الثالث، على الرغم من أنه أجَّل لذلك بحث «عقد الاجتماع» و«رسائل الجيل» و«الاعترافات». هذا مع العلم بأن ذلك الكتاب مما يستحق أن يفخر به أي مؤلف، فقد قرأ هيكل مؤلفات روسو بكل عناية، كما قرأ أهم ما كتبه النقاد عن روسو. ومن حق هيكل، ومن حق القراء، أن يعاد طبع الكتاب، وأن يضاف إليه الجزء الثالث إن كان هيكل قد أعدَّ مادته دون أن ينشره.

أهدى الدكتور محمد حسين هيكل — المحامي والأستاذ بالجامعة المصرية — الجزءَ الأولَ «إلى مصر الحرة، إلى القلوب الخفَّاقة بمعاني الحرية والعدالة والإخاء.» وقال: «هذا الكتاب صورة لأب من آباء الحرية والمساواة، وقديس من قدِّيسي العدالة الاجتماعية الصحيحة.» ورجا أن تَجِدَ مصرُ من بين أبنائها البررة من يقوم بتحقيق الأفكار الصحيحة في الكتاب تحتَ سمائها البديعة الصافية. ثم بيَّن أنه كمصريٍّ أولًا، وكشرقيٍّ ثانيًا، يريد أن يعرضَ على أبناء مصر والشرق صورة من قوة حيوية قامت في الغرب، لعل في عرضها ما يجعل الصلةَ بين الشرق والغرب ممكنةً على أساس التفاهم الحرِّ المخلص لا على مجرد القوة الغاشمة المتحكِّمة. وليس التلاقي محالًا في عالم النظر الاجتماعي بين الشرقي القانع السعيد في أحضان الطبيعة الكريمة الطقس والجو والمنبت، والغربي البائس بين الجبال والثلوج. ولكنا بحاجة إلى عصور تمر ومودة متبادلة وإخاء صحيح ومساواة عادلة ليمكن ذلك التلاقي.

ومن أدواتِ ذلك نقل الأفكار المتداولة في مختلف الأقطار نقلًا صحيحًا أمينًا، ووصف حياة الأبطال الهداة وصفًا دقيقًا بعيدًا عن كلِّ تحيز. ولهذا أقدم على وضع الكتاب، ووجد لذةً عظيمةً في العمل، وكان مما حبب إليه روسو — بنوعٍ خاص — أن طريقته في التفكير تكاد تكون شرقية، وأن شخصيته شخصيةُ المفكِّر الذي خلد على الدهر، مع ما كان عليه من فقر واضطراب نفساني يقارب الجنون، وعِلَلٍ وأمراض ونقائض لا حَدَّ ولا نهاية لها. وطريقته في التفكير تكاد تكون شرقيةً لأنها نوع من إجلال الطبيعة والإيمان بأنها مصدر الخير.

فدعوته كدعوة كبار المفكرين في الشرق ودعوة الرسل والأنبياء، مع الفرق أن روسو يدعو إلى القناعة والتنعُّم، في حين يرى الأكثرون من رسل الشرق وجوبَ التخلِّي عن كل نعمة. ثم مضى هيكل يقول: «هذا نابليون أبو الغزو والفتح وصاحب الصولة والسلطان، ماذا بقي من أثره في فرنسا؟» ونستغرب هذا السؤال من عالِمٍ تعمَّق في دراسة القانون في مصر وفي فرنسا! ومثله: «هل لهذه الأسماء الضخمة من أسماء الملوك والقياصرة وقادة الجيوش ورجال السياسة التي اغتصبت على الزمان حقَّ البقاء من معنى في الحياة أو أثر؟» ونبتسم عندما نقرأ: «ونعتقد أن العصور التاريخية التي يعلو فيها نجم السياسيين هي أتعس عصور الإنسانية وأحطُّها. ولو أنك رجعت إلى أبدع ساعة في تاريخ فرنسا — ساعة الثورة الفرنسية — ووقفت عندها وقفةَ الحكيم، وحلَّلت ما كان فيها؛ إذن لَمَا رأيتَ إلا كلماتٍ جوفاءَ وإلا مظالمَ مكدَّسَةً بعضُها فوقَ بعضٍ، وإلا السياسيين ذوي المطامع الذاتية يدوسون باسمِ أرقى المبادئ وأسماها رقابَ البشر، يظلمون باسم العدل، ويقتلون باسم السلام العام، وينهبون باسم ثروة الدولة، ويرتكبون كلَّ فاحشة ومنكر باسم الفضيلة الطاهرة، ويهيئون الأمة الثائرة تطالب الحرية لقبول ظلم نابليون وطغيانه.»

ولا أتذكر أن الدكتور هيكل كان شقيًّا بالعمل في السياسة أو بتولي الوزارة، ولكننا نحبه لأنه قال ما قال. ومما نبتسم له أيضًا أن هيكل الشاب شارك روسو رأيه في المسرح، وذلك في عرضه رسالة روسو المشهورة عن المسرح (أو كما سمَّاها الدكتور «المناظر»)، ذهب روسو إلى أن المسرح لا يمكن أن يكون موضوعَ درسٍ أو تقويمٍ أخلاقي، فالإنسان يذهب إلى المسرح بفكرة اللهو وإضاعة الوقت في إمتاع العين والأذن وفي إراحة النفس من عَناء أعمال الحياة. وما نراه على المسرح من الصور والمناظر ونسمعه من مختلف الآراء ليس من شأنه أن يدفع إلى نفوسنا عقيدة تستقرُّ عندها، وتُطبع فيها، بل هي لذة ساعة ثم ننساها … واعترف الدكتور بأن قولَ روسو أن المسرح يستطيع إفساد الأخلاق فيه إغراق كثير، ولكنه يحتوي أيضًا جانبًا من الحقيقة. والذي أتذكَّره شغف الدكتور هيكل بالمسرح، فكان يحرص على ألا يفوته شيء ما يمثل في القاهرة. ولم يكن حرصه على ألا يفوته شيء من ذلك يرجع إلى طلب لذة ساعة، بل كان يرجع إلى رغبة الناقد الأديب في المشاركة في عمل من أعمال الخلق الفني.

هذا وأحبُّ أن أنبِّه إلى أني لم أذكر كتاب جان جاك روسو لمجرد فهم أديبنا هيكل في أيام شبابه، بل ذكرته لقيمة الكتاب في ذاته، فقد أبدع هيكل كلَّ الإبداع في تحليل الكتاب الشهير في التربية «إميل». وفي تحليل القصة المشهورة «هلويز»، وفي تحليل اعترافات «قسيس سافوا» تحليلًا دقيقًا أمينًا. قال في نقده لاعترافات القسيس: «ويجب أن يكون الإنسان روحيًّا ليؤمن بها وليقدِّر مداها.» وأضاف إلى ذلك هذه الفكرة: «ليس الإنسان طيبًا بطبعه، وهو ليس خبيثًا بطبعه، وإنما هو ذرة في دائرة الوجود قضى عليها بالحياة الإنسانية، ولا تعلم لهذا القضاء سببًا ولا تفهم للحياة غاية ولا تدرك للوجود غرضًا … وهي تعيش حتمًا في انتظام مع غيرها من ذرات الوجود، وكلما زاد انتظامها طابت حياتها. لم نعرف بعد — وقد لا نعرف أبدًا — ما يجب علينا لكمال الانتظام حتى نبلغ كمالَ السعادة، ونحن لا نزال ندأب وراء هذه الغاية بالاستفادة مما يكشف العلم عن صلات الأشياء بعضها ببعض … فإذا أمكن حصول الانتظام يومئذ نكون قد بلغنا غاية التقدم، ويومئذ تستردُّ الإنسانيةُ الفردوسَ المفقود.»

ولا يمتاز الكتاب بتحليله الدقيق الأمين فحسب، بل عُنِيَ أكبر عناية بالترجمة لروسو ترجمةَ تحقيقٍ وفهم لنفسية عبقري معذَّب شقيٍّ. والكتاب من خير ما قرأتُ في اللغات التي أعرفها عن روسو، وهو — كما قلتُ من قبل — كتابٌ لمؤلِّفِهِ أن يفخرَ به حقًّا.

وبتأليف جان جاك روسو، وبالمقالات السياسية في أحداث الفصول الأولى من الثورة المصرية، وبتأليف الحزب الديموقراطي؛ يختم الدكتور هيكل القسم الأول من حياته: قسم النشأة والتكوين، والعمل المتنوع، ويبدأ القسم الثاني بالعمل في تحرير «السياسة» وفي أغراض حزب الأحرار الدستوريين. وفي القسم الثاني تولَّى الوزارة، ورَأَسَ الحزب ورَأَسَ مجلسَ الشيوخ، واتخذ في التأليف اتجاهًا يصحُّ أن نَصِفَهُ بأنه لم يكن منتظرًا تمامًا. وقد آثرت أن أدرج تأليف الحزب الديموقراطي في الكلام عن القسم الأول؛ لأن ذلك «الحزب» — إن صحت تسميته «بحزب» — أوثق صلة بمتنوعات ذلك الشطر الأول منه بالشطر الثاني، الشطر السياسي حقًّا من حياة الدكتور هيكل.

نشأ الحزب الديموقراطي في جوِّ النشاط السياسي الذي بعثته الثورة المصرية، أنشأه هيكل ومصطفى عبد الرازق وعزيز ميرهم ومنصور فهمي. لِمَ جعلوا من جماعتهم حزبًا وهم خلان يتقابلون كلَّ يوم؟ هو الجِدُّ الذي يغلب على الشباب أكثرَ مما يغلب على الكهول والشيوخ! والطريف أن عزيز ميرهم عَمِلَ على أن يوجِّه «الحزب» نحو الاشتراكية، بينما عمل هيكل على توجيهه نحو الفردية. واختلف الرجلان اختلافًا كاد أن يُفْضِيَ إلى حلِّ الحزب، وهنا تدخَّل بينهما مصطفى عبد الرازق بطريقته الجذابة، وأكاد أراه وهو يحكم بينهما، وأكاد أسمع صوته وهو يسأل هيكل: أفأنت تضنُّ على الفقراء بحقهم في التعليم والتداوي والعيش عيشًا إنسانيًّا؟ وأجاب هيكل بطبيعة الحال: أن لا. ثم سأل ميرهم: وهل أنت تريد إلغاء الملكية الخاصة في مصر حالًا؟ فقال عزيز: أن لا. قال مصطفى: أمامكما إذن ميدان فسيح مشترك تستطيعان العمل فيه متَّفِقِين، فإذا جاء اليوم الذي لا مفرَّ فيه من اختلافكما — ولا أحسبه يجيء قبل سنوات طويلة — نظرنا جميعًا في الأمر وفصلنا فيه بما يقضي به الحال حينئذ. وأنقذ مصطفى عبد الرازق «الحزب».

واختفى الحزب واختفت الجماعات من نوعه في البيئة السياسية التي أنشأتها الحياة البرلمانية الجديدة.

لِمَ اختار مؤسسو حزب الأحرار الدستوريين أن يعهدوا إلى الدكتور هيكل بتحرير «السياسة» لسان حزبهم؟ ولِمَ اختار هو الانقطاع للصحافة وللسياسة؟ أما عن اختيارهم له، فتفسيره سهل، فالحزب نسخة جديدة من حزب قديم وُصف بأنه يجمع بين جاه العلم والعقل وجاه العصبية والغنى.

والإمام الذي جمع الجاهين في شخصه وحاول أن يجمعها في حزب الأمة، هو نفس الإمام الذي حاول نفس الجمع في حزب الأحرار الدستوريين. وكان هيكل من الفتيان الذين كانت صحيفة الأعيان — الجريدة — مظهرًا لمذاهبهم الحرة وأفكارهم الجديدة، وهو — بعد — من أبناء الأعيان، وقد أثبتَ فيما نَشَرَ من مقالات في العامين الأولين من الثورة اقتناعًا مخلصًا باتجاهات مؤسسي الحزب وبراعةً في استخدام أساليب الفنِّ الصحفي. هذا عن جانب الذين اختاروه، وأما عنه فالأمر ليس على ذلك القدْر من الوضوح. قبوله معناه ترك المحاماة والتخلِّي عن التطلع لأستاذية جامعية دائمة، وأهمُّ من هذا وذاك فَقْد حرية الكتابة وحرية التأليف؛ لا تدلُّ «المذكِّرات» على أنه تردد بين القبول والرفض، (وسأعود لهذه المذكرات بعد قليل). وربما يرجع القبول إلى رغبة طبيعية في الشاب في أن يستقرَّ على شيء، ويرجع أيضًا — بلا شك — إلى إخلاصه لمبادئ الحزب كما صاغها «مفلسفه»، رئيسنا الجليل. وقد وصف هيكل في المذكرات ما صيغ بأنه «قطعة من الأدب السياسي البارع». وأخيرًا، لا بد أن هيكل أدرك — بحكم ألمعيته وسعة اطلاعه على شئون الديمقراطيات البرلمانية في ذلك الزمان — أن العمل السياسي الجاد يقتضي صحافةً من نوع جديد وتنظيمًا من نوع جديد، وعرف في نفسه أنه أهلٌ لإنشاء هذه الصحافة الجديدة.

تمثِّل «السياسة» صحافةً جديدة لأنها اشتغلت بالشئون العامة اشتغالًا جديًّا، ليس معنى ذلك أن الصحفَ قبل «السياسة» لم تشتغل بالشئون العامة، هذا لا يمكن أن يكون. إنما كان اشتغال الصحف القديمة يجري بأسلوب متسم بقلة التمييز بين العام والخاص، متسم بالنقل عن الكُتب، بالإفراط في الوعظ والإرشاد. وفي آثار الأستاذ مصطفى عبد الرازق «لطيفة» تصوِّر لك الصحافة القديمة، قال: كأن ربك لم يخلق صحفنا إلا للدعوات الصالحات، فهي تدعو للمواليد بطول العمر، وللميتينَ بالرحمة، وللمسافرينَ لأوروبا بالسلامة، وللحجاز بالحج المبرور، وللكُتب بالرواج والانتشار.

وقال إن أساتذة الجامعة — ماعدا متخرجي الإرسالية — كانوا يفتتحون موسمَ الدروس بالدعاء لرئيس مجلس الإدارة والأعضاء، وتصحُّ بقراءة الفاتحة لمجلس الإدارة!

و«السياسة» كما ابتدأت بعد الثورة كانت هي أيضًا شيئًا جديدًا. حقًّا اشتغل المصريون بالشئون العامة اشتغالًا سياسيًّا، وخاصةً منذ إنشاء الجمعية التشريعية، ولكن كان للسياسة اسم كريه، في تقاليدنا التاريخية نفور منها على اعتبار أنها تخالف الشريعة، على اعتبار أنها تتعلَّق بالحكم بغير ما أنزل الله، وكرهها الداعون للإصلاح في الحياة الدينية والاجتماعية على اعتبار أنها مَفْسَدَة للدعوة، وتذكرون أن الشيخ محمد عبده استعاذ بالله منها ومن السياسيين، وحرَّمتها الحكومات المصرية على الطلاب والموظفين، وحرَّمتها قوانين الجمعيات والأندية على أعضائها. وقد قال برنارد شو: إذا حرَّمتم الاشتغال بالدين وبالسياسة فبماذا نشتغل؟ ونسي الكارهون للسياسة أنها تتصل بكلِّ ما هو عام، وأننا نلتمس آراء أرسطو — مثلًا — في التربية وفي التدبير الاقتصادي في كتاب «السياسة».

وبعد، فهل كان هيكل سعيدًا بما اختار؟ أعتقد نعم، أعتقد أنه رضي كلَّ الرضا عما أحرز في الصحافة والسياسة؛ يدلنا على ذلك أن عمله في الصحافة والسياسة كان العمل الذي أرَّخه تأريخًا مُفصَّلًا في مذكراته، وأن الجانب السياسي من التاريخ المعاصر كان الجانب الذي عُنِيَ به حقًّا في مذكراته، وعنوانها — كما تذكرون — «مذكراتٌ في السياسة المصرية».

كان سعيدًا بما اختار، وإن مرَّتْ عليه أوقاتٌ ندم فيها على ما فعل، وهذا ما يصيب أي إنسان من فرط الإرهاق، وهذا ما يصيب السياسيَّ بصفة خاصة عندما يحسُّ بأنه لم ينل كلَّ حقه، وأن زملاءه وقادته لم يقدِّروا حقَّ التقدير ما بذل وما ضحَّى وما أدى، بل قابلوا جهوده بنكران الجميل والحسد. نقرأ شيئًا من هذا في المذكرات، ونلمس في شخصيته آثارًا من العمل الصحفي والسياسي لا نستطيع إلا أن نلحظها. وقبل أن أعرض عليكم ما لاحظت، اسمحوا لي أن أتلوَ عليكم ما كتبه هيكل: «وبين نظرة الصحفي وبين نظرة الوزير أو رئيس الشيوخ للحوادث فرق كبير يجعل النظرتين تختلفان اختلافًا كبيرًا؛ فالصحفي ناقد يجلس في شرفات المتفرِّجين ليرى ما يقع على مسرح الحوادث ويُبْدِي رأيه فيه تأييدًا أو معارضة، أما الوزير ورئيس الحزب ورئيس الشيوخ فيقف على هذا المسرح ليكون موضعَ نقدِ الصحفي وحكمه. وشتانَ بين الموقفين، صحيح أن الصحفيَّ كالناقد، ليس أيهما متفرجًا عاديًّا، وليس أيهما لذلك متأثرًا ذاتيًّا بما يقع على المسرح كسائر المتفرجين وكفى، بل هما يؤثِّران بما يكتبان عن طريق الرأي العام في أعمال الوزراء والمسئولين على اختلاف اتجاهاتهم تأثيرًا مباشرًا؛ وذلك ما جعل كثيرين من الكُتَّاب الدستوريين يصفون الصحافة بأنها سلطة رابعة في الدولة لها من النفوذ في الشئون العامة ما للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. والصحفي كالناقد في الأدب أو في العلم، إلا أنه يتعرض للشئون العامة جميعها، وهو كالناقد وكالمتفرج يَقِفُ دائمًا على مسافة من المسرح، ولا يزجُّ بنفسه في غمارها، وهو إن قارب المسئولين ليؤيِّدهم فيما يقتنع بوجه الحق فيه، أو ليصدَّ عنهم صولة المعارضة إن هي بالغت أو تنكَّبت سبيل الرشاد، فلن تبلغ مقاربته حدَّ الاشتراك في المسئولية؛ ذلك بأنه غير مطالب بتأييد ما لا يقتنع به ما كان صحفيًّا نزيهًا جديرًا باسم الصحفي النزيه. أما الذين يؤيِّدون خوفًا أو طمعًا فأولئك ليسوا جديرين بالانتساب إلى الصحافة. ونظرة الوزير تختلف عن نظرة الصحفي اختلافًا كبيرًا، نظرة الصحفي النزيه مثالية تزن الحوادث لذاتها، وقلَّما تُعْنَى بملابساتها. أما نظرة الوزير النزيه فواقعية تعير ما يلابس الحوادث من ظروف عنايةً واعتبارًا يزيدان في بعض الأحيان على اعتبار الحوادث لذاتها. وقد حرصتُ على وصف الصحفي والوزير بالنزاهة؛ لأن من يتنكَّبها منهما لا يدخل في حسابي، ولا أستطيع أن أعرف نظرته، ولن يستطيع أحد أن يعرفها معرفة دقيقة؛ لأنها تتلوَّن بلون الشوائب التي تشوب النزاهة أكثرَ مما تتلوَّن بأي لون آخر. وهذه الشوائب كثيرة متشعبة، ولكلِّ شائبة منها منظارها الخاص الذي يُسْبِغُ على الحوادث لونها.»

هذا كلام الدكتور هيكل عن الصحفي والسياسي، وهو كلام أكبر حجيةً من كلام رجل لم يكن في يوم من الأيام صحفيًّا أو سياسيًّا. ولكن في ملاحظات الدكتور ما يلفت النظر، منها قوله إن نظرة الصحفي النزيه مثالية تَزِنُ الحوادث لذاتها وقلَّما تُعْنَى بملابساتها، وأعتقد أن الصحفي الذي يفعل ذلك لا ينفع نفسه ولا صحيفته ولا قراءه. وأظن أن وصف نظرة الصحفي بأنها مثالية ونظرة الوزير بأنها واقعية يشوبهما فهم غير مستقيم للمثالية وللواقعية، وكذلك القول بأن الصحفي كالناقد أو كالمتفرج لا يطابق الحقائق، ولا أظن أن عمل الدكتور هيكل في تحرير «السياسة» كان عملَ المتفرج! لا شك في أن عمل الصحفي يختلف عن عمل الوزير، بَيْدَ أن الاختلاف لا يرجع للمثالية والواقعية أو لوقوف الوزير على المسرح والصحفي على مسافة منه. إنما يرجع الاختلاف إلى أن الصحفي النزيه يخدم الرأي العام، يخدم القراء، والوزير النزيه يخدم مصالح حسية ومعنوية.

لم يقل لنا الدكتور هيكل شيئًا عن أثر عمله صحفيًّا وسياسيًّا في نفسيته، و«مذكراته» لا تتناول إلا ما هو ظاهر، وقلَّما تهتم بما بعث ذلك الظاهر على الظهور أو بما امتدَّ من آثار الظاهر إلى ما هو كامن.

ولا أقول هذا لومًا، ولا نطالب أحدًا بأن يفعل ما يكره إرضاءً منه لشهوة الاطلاع عند الناس، على أن ذلك لا يعفينا من البحث والفحص والحكم. وواضح أن رجلًا يعمل في تحرير «السياسة» و«السياسة الأسبوعية» خمسَ عشرةَ سنةً متواصلةً ويواصل العمل آناء الليل وأطراف النهار متفنِّنًا في التجديد الصحفي، ذابًّا عن حزبه، مهاجمًا لخصومه، ينال منهم وينالون منه؛ لا يمكن إلا أن يتأثَّر بهذا خيرًا وشرًّا، ولا يمكنه كذلك أن يضطلع بمسئوليات الحكم والمعارضة في زمن محفوف بالمصاعب والمكاره دون أن يتأثَّر بهذا خيرًا وشرًّا. وعمل الصحفي وعمل السياسي كلاهما يُطلع الصحفيَّ ويُطلع السياسي على أخس ما في البشرية في الأكثر وعلى أنفس ما فيها في الأقل. وقد لمحتُ أنا في هيكل وزير المعارف ظلالًا خفيفة من سوء الرأي في الناس، وهذه الظلال كانت تظهر غالبًا في قالب الدعابة والمزاح والنكتة، كما لمستُ فيه شيئًا من الميل إلى قبول التأويل الأبعد أو الأصعب بدلًا من الأقرب والأسهل. على أنه لم يجعل من هذا أساسًا للعمل، بل اكتفى منه بأن أثبت لنفسه ولمعاونيه أنه لم ينخدع ولا ينخدع.

وأعتقد أن الذي أنقذه لمُثله العليا بقاؤه وفيًّا لجِدِّه واجتهاده ودأبه على التحصيل والدرس. قال: حياتي العملية حياة استقلالية بكلِّ معنى الكلمة، هذا ما وجهتني إليه دراساتي العليا وقراءاتي في الفلسفة والآداب والقانون، وإيماني بحياة الكاتب المجيد، وأنها خير حياة وأكفلها ببقاء ذكر صاحبها؛ لأن الكاتب فلذة من ضمير الإنسانية، وضمير الإنسانية باقٍ على الدهر بقاءَ الدهر.

علم السياسي محكومٌ عليه بالعجز عن التمام.

قال الشاعر:

قَضَيْتَ أُمُورًا ثُمَّ غَادَرْتَ بَعْدَهَا

نَوَافِجَ فِي أَكْمَامِهَا لَمْ تُفَتَّقِ

واعتز هيكل بأنه كان يود أنه يستطيع — حينما يشاء — أن يستغنيَ عن الصحافة وعن السياسة، وركَّز جهوده في خدمة قضايا اللغة العربية، وركز تأليفه في مجال الخالدين. كثرت رحلاته الرسمية وغير الرسمية، وخالط ذوي الرأي في أوروبا وأمريكا والوطن العربي، واتسع أفق هذا الوطن أمامه — وأمامنا جميعًا — عما كان عليه في أيام شبابه. واهتم أيما اهتمام باللغة العربية، قال: لم يكن مرجع هذا الاهتمام إلى أن اللغة العربية هي اللغة القومية وكفى، بل كان مرجعه إلى أنها لغة البلاد الممتدة من العراق شرقًا إلى مراكش غربًا. ولو أن أبناء هذه الأمم تعارفوا لغةً لتحابُّوا شعوبًا، ولوصلت الألفةُ والعقيدة بينهم من وشائج أمرهم ما انقطعَ وتدابر. وتذكَّر حديثًا دار بينه وبين الدكتور عبد الرحمن الشهبندر، أبدى فيه الشهبندر عجبه من رجل يدعو للكتابة بالعامية فلا يفهمه إلا أهل إقليمه، على حين أنه إذ يكتب بالفصحى يفهمه سبعون مليونًا من العرب، ثم يفهمه ملايين في أرجاء الأرض في العالمين القديم والجديد ممن يتكلمون العربية. وخير ما ينفع اللغة العربية الاهتمام باختيار مدرسها، «فمدرس اللغة القومية» (في طبعة مجلة المجمع «اللغة العربية»، والتصويب من طبعة محاضر جلسات المجمع. (المحرر).) في أية أمة من الأمم هو الذي يصوغ ثقافة الأمة العامة في مناحي حياتها جميعًا، وهو الذي يصقل لسان الأبناء في لغة التفاهم والخطاب، وهو الذي ينقل المختار من آثار الماضي إلى الحاضر، وهو الذي يكشف عما في هذه الآثار من معاني الجمال وصوره. فإذا لم يكن المدرس الذي يضطلع بهذه الرسالة على جانب من الكفاية والبراعة وسعة الأفق، ومن تذوق الفن الأدبي لم يؤدِّ رسالته، وإذا هو لم يحظَ إلى جانب ذلك بشيء من آداب الأمم الأخرى لم يؤدِّ رسالته على الوجه الأكمل. فالعالم في عهدنا الحاضر قد تقاربت أجزاؤه، فأصبح التفاهم السريع بين الأمم والشعوب المختلفة من ضروريات الحياة، والتفاهم لا يكون بتبادل الألفاظ التي تتألف منها عبارات بذواتها، بل لا بد له من أن يدرك المتفاهمان ما تنطوي عليه الألفاظ والعبارات من معاني صقلها الزمان على أيدي الكُتاب والشعراء وغيرهم من رجال الفن، وكيف فهم الناس جميعًا هذه المعاني.» هذا وصفه لمعلِّم اللغة القومية.

بحث الوزير عن معلم للغة القومية من هذا الطراز فلم يجده، ثم بحث عن أحسن ما في «السوق» وظن أنه وجده في متخرجي معهد معين، وثار أبناء المعاهد الأخرى، وقد وصف هذا تفصيلًا في مذكراته، فليقرأه فيها من أراد.

وكان وهو وزير شديدَ البرم بما في مصر من تباين في ألوان الثقافة، ورأى أن من وسائل التقريب بين تلك الألوان أن تُعلِّم المدارس الأجنبية جميعَ تلاميذها اللغة العربية وتاريخ مصر وجغرافيتها والتربية الوطنية المصرية. وبذل وهو وزير عناية تُشكر بتشجيع القراءة الحرة، وقد جنى هو في أيام التلمذة من ثمارها ما جنى.

والحديث في المجمع عن الدكتور هيكل عضو المجمع يُعْتَبَرُ تحصيلًا للحاصل كما يقولون. وقد قرأت حديثه في مؤتمر من مؤتمرات المجمع، ولم آخذ عليه إلا نسبتَه تشدد المتشددين من أصحاب اللغة لرغبتهم في أن تكون اللغة وقفًا على طائفة خاصة، وأن تكون لها من أجل ذلك أسرار تغيب عن الكافة، كما أراد الكهنة في عهد الفراعنة أن يجعلوا حقائقَ الدين سرًّا موقوفًا على طائفتهم، وأن يتركوا للناس من الزيف ما يتنزَّهون هم عنه وما يسخرون منه. وكما قلت، أخذ الدكتور هيكل هنا بالتأويل الأبعد بدلًا من التأويل الأقرب.

وقد ازدان العهد الأخير من إنتاج الدكتور هيكل الأدبي بكُتبه المشهورة في سِيَر الرسول — عليه الصلاة والسلام — والشيخين — رضي الله عنهما — وفي منزل الوحي. وتأليف هذه الكُتب يمثِّل تفضيلًا مقصودًا من جانب الأديب لنهج دون نهج آخر، وإليكم بيان ذلك: ذكر في كتابه «ثورة الأدب» حديثه مع فتاة كندية تعرَّف بها في باريس أيام أن كان يطلب العلم، قالت الفتاة: كم أودُّ لو استطعت أن تكتب تاريخ مصر في صورة قصصية كما صنع «سير والتر سكوت» بتاريخ إنجلترا. وكان قبل ذلك قد كتب القطعَ التي نشرها في نفس الكتاب عن إيزيس وسميراميس وأفروديتي، ثم عدل عن هذه الأساطير إلى صياغة مادة التاريخ الإسلامي في أسلوبٍ يناسبُ ذوقَ المحدثين.

وقد شرح في المذكرات الأحداثَ التي وجَّهته نحو السيرة، ولهذه الأحداث — بلا شك — وزنها. ولكنني أنسب الاتجاهَ أيضًا إلى إيمانه بوجوب إشعال روح الثورة في الحياة الأدبية وتذكية العاطفة الدينية. قال: «ليقتحم أدبنا إذن ماضينا، وليقتحم هذا الماضي بأدوات البحث الأدبي وبأساليب الكتابة الحاضرة … وليقتحم هذه الميادين حرًّا طليقًا، غيرَ هيَّاب ولا متردد. وليقتحمها بروح الثورة التي اقتحم بها الأدب الغربي تراثَ اليونان، وليقلِّب في هذا الماضي ما شاء له التقليب والتنقيب بروح البحث والتمحيص والحرص على الحق لوجه الحق وحده، الحق في أسمى صوره التي تلتمس الإنسانية على الأجيال فتكاد تلمسه أحيانًا حين يكشف عنه أنبياء الإنسانية وشعراؤها وكُتابها، ثم لا يلبث أن يفلت من يدها لأول ما تغريها المادة وتلهيها عن جادة هذا الحق الصحيح.»

وقال: «في كل نفس إنسانية قَبَسٌ من نور الحق يهديها سبيله ويدلُّها عليه. وهي قد تتنكَّب طريقَ هذا الحق، وتغمض بصيرتها عن هذا النور خضوعًا لأهوائها أو جريًا وراء منافعها، لكن الضميرَ الإنسانيَّ لا يلبثُ حين يسطع عليه هذا النور أن يخزيَ النفسَ الأمارةَ بالسوء وإن عجز عن ردها إلى الصراط المستقيم.»

وشاء الله أن يجد هيكل ما كان يلتمس، وهذه كُتبه في سِيَر الرسول والشيخين كُتُبُ هداية وإيمان، وأدب رفيع، وتأديب وتهذيب.

ومن القرَّاء من يمدح تلك الكُتب بما ليس فيها، هؤلاء يظنُّون أنهم يرفعون من شأنها إذا زعموا أنها كُتب تحقيقٍ علميٍّ، كما لو كان جمال العاطفة الدينية أحطَّ قدْرًا في نظرهم من التحقيق العلمي.

سادتي …

أحب قبل أن أختم كلامي عن فقيد المجمع، أن أهدي لكم ثلاثَ قطع قصيرة من إنشائه:

الفهم المخطئ لمعنى الحكم أن الهيئة الحاكمة تتولَّاه على أساس من محاباة أنصارها ومحاربة معارضيها، ولا تتولَّاه لحساب الجميع على السواء، فتقوم فيه بينهم بالقسط وترعى الذمة والعدل.

أيُّ منظر من مناظر بحيرة ليمان وسحرها البديع يعدل منظر نهرنا في سحره وبهره! وأيُّ جبال في سويسرا وغير سويسرا تعدل هذه المستويات الذاهبة إلى الأفق تكسوها زروع مصر وأشجارها وكلها النماء والقوة والحياة المتدفقة! انظر إلى مزرعة الذرة ما تزال في أول صباها زاهية، خضرة أوراقها، غضَّة سيقانها، تلتف حولها عُقَلُها وكأنها قصبات الناي يُثِير منظرها في أذنك ألحانًا لا تدري أهي عيدان الذرة ترتِّلها أم هي أصوات الموسيقى المصرية الحنون تموج على أوتار فؤادك لتكمل في نفسك جمالَ هذا المنظرِ المصريِّ الفذ الجمال.

أشهد بأن القسم بالقلم في قوله تعالى: () قسم عظيم، فالقلم الذي يجري بالحق يخطُّ بحروف من نور آيَ الهدى إلى الصراط المستقيم.

فَلْنُحَيِّ هيكل، رجلَ القلم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.