ليس هو صدقي باشا، فقد أصبح مرض صدقي باشا لا يعنينا بعد أن خرج من الحكم وأصبح رجلًا من عامة الناس. إنما كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده حين كان الدكتاتور العظيم مستأثرًا بشئون الحكم، عاجزًا كل العجز عن تصريفها، مستمتعًا بلذات الحكم، عاجزًا كل العجز عن أن يحتمل ما يقابل هذه اللذات من الجهد في خدمة البلاد، مستحلًّا لمرتبه الضخم، عاجزًا كل العجز عن أن يؤدي مقابل هذا المرتب الضخم. منتهزًا فرصة استئثاره بالحكم ليصطاف في أوروبا على حساب الدولة، وليصطحب الحاشية على حساب الدولة، وليشتري السيارات في باريس على حساب الدولة، وليعيش في فرنسا وسويسرا على حساب الدولة، عيشة السراة المترفين، دون أن تستطيع الدولة أن تنتفع منه بشيء يعدل أو يقارب كل ما كانت تمنحه من المزايا على اختلافها وتباينها.

في ذلك الوقت كان مرض صدقي باشا شيئًا يصح الوقوف عنده والحديث عنه؛ لأن صدقي باشا في ذلك الوقت كان يأتي أمرًا خُلقيًّا غريبًا فيه شذوذ فاحش عن أصول الحق والعدل، ونقاء اليد ونزاهة الضمير. فلم يكن بد من أن نلفته إلى ذلك، وندله عليه وندعو الناس إلى أن ينظروا إلى حقوقهم كيف تهدر، وإلى مصالحهم كيف تضاع، وإلى عقولهم كيف تتخذ هزءًا وسخرية؛ لا لشيء إلا لأن رجلًا من الناس لم يكن يريد أن يستقيل.

أما الآن وقد أصبح صدقي باشا رجلًا عاديًّا لا يحتمل من أعباء الدولة قليلًا ولا كثيرًا، فليس التحدث عن مرضه والإسراف في هذا الحديث شيئًا يعني السياسة وما تقتضيه من الجدال. ولعل التحدث عن مرضه والإسراف فيه أن يشذَّا عما يلائم الذوق والمجاملة، وما ينبغي أن يحرص عليه الرجل الكريم من الارتفاع عن صغائر الأشياء، وما لا يلائم منها أوضاع الحياة الاجتماعية الراقية.

ولذلك أنكرنا منذ حين على رئيس الوزراء تعريضه بمرض خصمه وإلحاحه في هذا التعريض حين ألقى خطبته في مصر الجديدة. ولذلك ننكر اليوم على رئيس الوزراء رجوعه إلى ذكر المرض والتنديد به حين تحدث إلى المقطم أمس. فقد كنا نحب لرئيس الوزراء وهو الرجل الطيب الذي يتحدث الناس بأنه لا يحرص على التأنق في الزي والشكل وحدهما، بل يحرص عليه في القول وفي السيرة الاجتماعية أيضًا. ومهما يكن من شيء، فكنا نود أن لا تكون النغمة التي ذهب إليها رئيس الوزراء أمس هي التي يهبط بها الوحي على بعض الصحف فتغلو في توقيعها واستخراج ألحانها حتى تصف صدقي باشا باضطراب العقل وبشيء يشبه الجنون إن لم يكن هو الجنون. ولكن رئيس الوزراء وصحفه أحرار فيما يؤثرون لأنفسهم من سلاح يحاربون به صدقي باشا، وفيما يؤثرون أنفسهم من ارتفاع بالخصومة إلى حيث ينبغي أو هبوط بها إلى حيث لا ينبغي.

ومهما يكن من شيء، فليس المريض الذي نريد أن نتحدث عنه اليوم هو صدقي باشا، بل ليس هو فردًا من الأفراد، ولا هيئة من الهيئات، وإنما هو معنًى من المعاني، وفن من الفنون. وقد يضحكك هذا الكلام! فأنت لا تتصور أن تمرض المعاني وتسلم، وأنت لا تتصور أن تعتل الفنون وتصح، ولكني مع ذلك سأحدثك عن معنًى مريض وأسلوب عليل. ولست أرى بأسًا بأن تضحك وتلهو، فإني لا أحب أن أُبكي القراء؛ إلا حين لا يكون من بكائهم بد. فاضحك إذا ما شئت، والْهُ إذا ما أحببت، وحسبي ألا تُتم قراءة هذا الفصل حتى توافقني على ما أقول من أن في مصر الآن معنًى مريضًا وفنًّا عليلًا. وهذا المعنى المريض وهذا الفن العليل، هو هذا المذهب الذي تصرف عليه أمورنا في هذه الأيام، هو هذا الأسلوب الذي تجري عليه شئون الحكم بيننا في هذا العهد السعيد. فيكفي أن تنظر إلى هذه الأحداث التي تشرق عليها الشمس ويظلم عليها الليل؛ لتعرف أن سياستنا الرسمية قد أصيبت بمرض عضال ليس أقل خطرًا عليها من مرض صدقي باشا على صحة صدقي باشا، حين كان المرض عليه ثقيلًا ملحًّا.

وأكبر الظن أن هذا المرض الذي أصاب سياستنا الرسمية سيزداد إلحاحًا، وستثقل وطأته من يوم إلى يوم، حتى تنحل هذه السياسة انحلالًا أو حتى تجهز عليها الظروف إجهازًا؛ لتريحها من نفسها ولتريح الناس منها. وقد تسأل الأطباء عن تشخيص هذا المرض، وتحقيق هذه العلة فيختلف الأطباء في هذا التحقيق وذلك التشخيص؛ فبعضهم يرى أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا لا تستطيع أن تخلص منه ولا تستطيع أن تسيغه أو تهضمه أو تحتمله! وكيف تريد أن تخلص منه وهو مقيم في مصر لا يريد أن يرحل عنها إلى الشمال ولا إلى الجنوب، وليس في الدستور المصري القديم أو الجديد ما يبيح نفي المصريين من الأرض وإخراجهم من ديارهم كارهين. فهي إذن مضطرة إلى أن تقبل كارهة بقاء صدقي باشا في مصر. وهو باقٍ، ولكنه لا يريد أن يعتزل السياسة ولا أن ينفض يده من ترابها، وإنما هو يحب السياسة الرسمية ويكلف بها كما يحب السرطان جسم الإنسان أو الحيوان. وقد وجد الطب شفاءً، بل ألوانًا من الشفاء لضروب العلل، ولكن السرطان أعيا الأطباء إلى الآن، كما أن الحماقة أعيت الفلاسفة ورجال الأخلاق إلى الآن. وصدقي باشا يمكر بهذا الجسم العليل جسم السياسة الرسمية كما يمكر السرطان بجسم المريض، فهو يثقل، ويشتد، ويمتد حتى يدفع السياسة الرسمية إلى الصياح والإلحاح في الشكوى، وتجنيد الأطباء واستدعاء الممرضين من جميع الأقاليم. ثم يتضاءل ويتناقص ويستخفي حتى يشعر المريض كأنه قد برئ من المرض فيتنفس ملء رئتيه، ويتكلم ملء شدقيه، وينظر ملء عينيه، ويسمع ملء أذنيه، ويعتقد أنه قد أخذ على الأيام عهدًا بالسلامة والأمن وطول البقاء. وإنه لفي ذلك، وإذا السرطان الغريب المتنقل قد ظهر في ناحية من أنحاء جسمه، وأخذ يقوى وينمو ويشتد حتى ينغص على مريضه نوم الليل ويقظة النهار. ويقول الأطباء: إن هذا المرض لن يترك السياسة الرسمية حتى يستنفد منها آخر قطرة من قطرات الحياة. ولكن أطباء آخرين يقولون: ليس من شك في أن السياسة الرسمية مريضة بصدقي باشا. ولكن صدقي باشا وحده ليس كل شيء، ومع أن السرطان داء خَطِر أعيا الأطباء، فإن أصحاب السرطان يعيشون عليه أعوامًا وأعوامًا. ولكن السياسة الرسمية مريضة بشيءٍ آخر وإنها مصابة منذ نشأت بضعف عام قد انتشر في بنيتها كلها، فجعلها غير قادرة على المقاومة ولا قابلة لاحتمال العلاج. انظر إليها من جميع أنحائها فستجد فيها ضعفًا ظاهرًا لا يخفى على أشد الناس سذاجة فضلًا عن الأطباء. فلو لم تكن ضعيفة من ناحية الوزارة لما استطاع صدقي باشا أن يلعب بها هذا اللعب الغريب المتصل. وقد قيل: إن المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، ومع ذلك فقد لدغت الوزارة من جحر صدقي باشا مرات! ثم انظر إليها من جهة الأحزاب فسترى أنها ضعيفة حقًّا. أموجودٌ حزب الشعب أم غير موجود، أقوي هو أم ضعيف؟ أمخلصٌ هو لرئيس الوزراء أم متنكرٌ هو لرئيس الوزراء؟ أَوَفيٌّ هو لصدقي باشا أم غادرٌ هو بصدقي باشا؟

هذه أسئلة تستطيع أن تلقيها فستظفر حين تلقيها بأجوبة طريفة. فحزب الشعب موجودٌ غير موجودٍ؛ موجود إذا اختصم صدقي باشا وعبد الفتاح باشا فظهرت المنافع والمطامع، ولاحت أشباح الأمل والرجاء. وهو غير موجود إذا ظهرت القوة وكشرت عن نابها. وهو كذلك قوي وضعيف، وهو كذلك مخلص ومتنكر، وهو كذلك وَفِيٌّ وماكر.

ثم انظر إليها من هذه الجهة جهة الصلة بين الوزارة والبرلمان؛ فسترى مرضًا ظاهرًا جِدًّا، ظهر حتى شاع أمره في الآفاق ونشرته الصحف الإنجليزية، وأفاضت فيه. ألم تقرأ ما نشرته الديلي تلغراف وهي صديقة الوزارة القائمة بعد أن كانت صديقة الوزارة الساقطة، وستكون بإذن االله صديقة الوزارة المقبلة. فالديلي تلغراف تقول: إن الوزارة القائمة قوية قابضة على أعنة الأمور؛ لأن في يدها سلاحًا قاطعًا هو تهديد النواب بحل مجلس النواب. أرأيت إلى حياة نيابية تتحدث عنها الصحف الأجنبية بهذا الحديث؟! أرأيت إلى وزارة قوية؛ لأنها تهدد بحل مجلس النواب، وإلى نواب أقوياء واثقين بالوزارة؛ لأن الوزارة تهددهم بالحل والتفريق؟! ومع ذلك فهذا كلام نشرته الديلي تلغراف صديقة الوزارة بعد أن نشرته صحف مصرية موالية للوزارة. والغريب أن رئيس الوزراء ينكر ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد ينكر ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية ينكر ما نسب إليه، وأن نوابًا يسعون إلى صدقي باشا، وإلى غير صدقي باشا مؤكدين أن رئيس الوزراء قد قال ما نسب إليه، وأن وزير التقاليد قد قال ما نسب إليه، وأن وزير الداخلية قد قال ما نسب إليه. والغريب أن جماعة من النواب يهيئون استجوابًا في هذا الموضوع ولا يصدقون الوزراء حين ينكرون بل يريدون التحقيق. ولست أدري كيف يكون هذا التحقيق؟ أيكون والوزارة قائمة في الحكم، أم يكون بعد أن تستقيل الوزارة؟ أم يكون والوزارة بين البقاء والفناء موقوفة عن الحكم؟! أكبر الظن أن هذا كلام يقال، ومن الممكن جِدًّا أن يكون الاستجواب نفسه كلامًا يقال.

وأظرف من هذا كله وأطرف أن نائبًا من النواب زعم للناس أنه سيوجه سؤالًا إلى رئيس الوزراء، وسيقول له في المجلس بمحضر من إخوانه جميعًا أنه سمع منه هذا الكلام الذي ينكره. وكان هذا النائب يقول هذا الكلام أمس قبل الظهر أو نحو الظهر، وكان يزعم أن سؤاله مستعجل، وأنه سيلقى إذا كان الليل، فلما أقبل الليل وانعقد المجلس كان هذا النائب بين المعتذرين.

أترى إلى هذا كله؟ أتظن أن هذا كله يصدر عن سياسة صحيحة بريئة قوية البنية قادرة على المقاومة والاحتمال؟ كلا، إنها سياسة مريضة حقًّا، مريضة إلى أقصى غايات المرض. وحسبك أن تذكر أن مجلس النواب اجتمع أمس فلم يستطع أن ينشط لانتخاب لجنة الرد على خطاب العرش، بل تخفف من هذا الانتخاب على مكتبه، ثم انصرف ليستريح مع مجلس الشيوخ إلى يوم الإثنين. وهو معذور؛ صوم بالنهار وسياسة بالليل، هذا كثير! ولا سيما حين يكون الإنسان متعبًا مكدودًا قد أصابه هذا المرض الجديد الذي يسميه الأطباء صدقي باشا.

سياستنا الرسمية إذن مريضة كصدقي باشا حين كان مريضًا، فقد يقال: إنه قد ثاب إليه الشفاء، أو هي أشد مرضًا من صدقي باشا، وهي تحتمل من هذا المرض وتُحمِّل الناس عناء لا حدَّ له. ألستَ ترى معي أن الخير والرحمة لأنفسنا ولهذه السياسة المسكينة أن نسأل الله ببركة شهر الصوم أن يعجل لها بالراحة من هذا العناء؟!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.