نلخِّص الأمور التي أخذها عليه النقاد فنقول: إنهم أخذوا عليه — كما يقولون — أن نظرته إلى الجمال كانت نظرةً إغريقيةً قديمة لا نظرة مسيحية، وأنه كان في اكتمال عمره وشيخوخته لا يتبسَّط مع بعض زوَّاره، بل يبدي بعضَ الجفاء إذا لم يكن زائره ممن يتوقَّع أن يستفيد منهم ثقافة، وأنه لم ينظم القصائد ولم يكتب المقالات لحث الألمان على قتال الفرنسيين، وزاد على ذلك أنه أخطأ في قدر قوة نابليون، وأنه لم يمالئ الأحرار الألمان في موقفهم من أمرائهم، وأن الثقافة كانت دائرة عنده حول تكميل الفرد، فكان بها شيء من الأثرة.

وتعجبني صراحة هنري هيني الشاعر الألماني الذي نقد جوتا كما شاء، ثم اعترف أن شدته في نقده إنما كانت لأنه حسده عظمته، وربما ظلم هيني نفسه بعضَ الظلم في هذا القول، فإن مزاج هيني الثائر على كل شيء إلى البرودة وجفاء القول في شعره عاد يقول: إن أغانيه الشعرية أحسنُ وأعظمُ الأغاني، وهو فيها أعفُّ قلمًا ولسانًا من غيره، وأما موقفه من الفرنسيين فإنه لم يؤجِّر لهم قلمه ولسانه، ولا أجَّره لغيرهم من الأحزاب والطوائف، وقد رفض ما اقترحه عليه نابليون أن يجعل باريس مستقرَّه، ولم تكن ألمانيا في عهده إلا دويلات متنافرة، وقد أوشكت بروسيا أن تتَّفِق ونابليون على أن يعطيها هانوفر، ثم علمت أنه يخابر الحكومة الإنجليزية لإرجاعها إلى أسرتها. وكانت بافاريا وسكسونيا وورتمبرج وبادن وغيرها مع نابليون، ولم ينشقَّ عنه أكثر أنصاره من الألمان إلا بعد انهزامه في موقعة ليبزك، ويعترف كلُّ الأدباء أن الأديبَ يستطيع أن يناصر الحرية من غير كتابة شعر أو نثر سياسي.

وأما أن الثقافة عند جوتا كانت تدور حول تكميل الفرد، وأن بها من أجل ذلك شيئًا من الأثرة، فليس كلُّ الأَثَرة من نوعٍ واحد، والأثرة التي هي إيثار للثقافة أمر مثمر منتج لم يستغنِ عنه مثقَّف. وأما الذين كانوا يريدون أن يقبل عليهم، وهم يضيعون وقته الثمين، ثم يشتكون إذا لم يفعل، فقد قال جوتا: إن أحمق اللصوص هم اللصوص الذين يسرقون وقتك واطمئنان بالك. ولا نريد تبرئته من كل عيب، وإنما نريد أن نُظْهِر ما في نقد النقاد له من التحامل والمبالغة التي تغيِّر الحقائق، والحكم له بأقواله أصدق من الحكم عليه بأقوال نقاده، حتى ولو كان في أقوالهم بعض الحق.

وفيما يلي تتمة لنظراته مع التعليق القليل على بعضها:

(١) لا دواء تستطيع أن تعالج به شعورك بامتياز غيرك إلا بالعطف والمودة لمن هو ممتاز عنك، فبهما ترتفع إلى مرتبته. أما الحسد والحقد فإنهما لا يعالجان امتيازه عليك، بل بهما تزداد انحطاطًا، ولا يستطيع أن يدرك مظاهر العظمة وصفاتها في الناس إلا من كان على صفة من صفاتِ العظمة.

(٢) إني أشفق على الذين يصخبون ويحزنون بسبب فناء كل الأمور، ويسترسلون في تأمُّل يجعل الحياة عبثًا وغرورًا؛ فإننا ما خُلقْنا إلا لكيْ نجعل الأمر الفانيَ خالدًا بأن نستخلصَ منه حقيقته وجماله، وهذا لا يكون إلا إذا قدرنا الحالتين حقَّ قدرهما. والذي يستطيع أن يستخلص من الأمور الفانية جمالها وحقيقتها يستطيع أن يقول للساعة العابرة تريَّثِي.

(٣) يظن المرء أنه إذا تكلَّم فإنه دائمًا ما ينطبق تمامَ الانطباق على ما يحس، أو ما يلاحظ، أو ما يجرِّب، أو ما يتخيَّل، أو ما يفكِّر فيه، ولكنه إذا فحص الأمرَ وجد أن كلامه قلَّما ينطبق تمامَ الانطباق؛ إذ إن الكلمات التي ينطق بها المرء كثيرًا ما تكون الحاضرة التي هي عوض عما لا يؤاتي، فهي من قبيل سد خانة. وفهم الإنسان وفكره كثيرًا ما يكونان مما يعبر من الكلام.

(٤) إن الإنسان لا يفعل ما ينبغي أن يثابر عليه من محاولة إزالة ما يَعْلَق بذهنه أو بذهن غيره من الأفكار المخطئة، أو التي لا محلَّ لها أو المقصِّرة عن الصواب بعضَ التقصير فيتركها عالقة بذهنه، وهو لا يعرف عاقبتها. والواجب المفروض عليه هو أن يثابر على محاولة محوها بأن يكون مقصده واضحًا صادقًا نبيلًا، وتركها عالقة يكون إما من الكسل أو قلة الاكتراث أو سوء النية.

(٥) كل مرحلة من مراحل العمر لها نظرة خاصة وفلسفة هي بها أشبه وإليها أحوج؛ فالطفل لحداثة عهده بالدنيا يتلمَّس الموجودات، ويتعرف الحقائق الكائنة، فنظرته إذن واقعية «رياليست»، فإذا كبر وصار شابًّا ازداد عاطفة وأملًا ونظرًا إلى المستقبل. ومن يزدد من هذه الأمور يكن مثاليًّا «إيدياليست»، فإذا اكتمل وصار رجلًا وجرَّب أمورَ الحياة وشكَّ في وسائله، وتساءل هل هي تنجح مقاصده ودبَّر وحزم أمره؛ لذلك كان عمليًّا «براكتيكال». فإذا شاخ وهرم ورأى كيف أن الأمور كثيرًا ما تأتي عفوًا واتفاقًا وبالمصادفة، وأن الأحمق قد ينجح والعاقل الحازم يخيب، وأنه كثيرًا ما يكون الجيِّد والرديء إلى مصير واحد، فعندئذٍ يرى الحياة لغزًا وسرًّا؛ أي يصير «ميستيك»، ولكن ليس معنى ذلك أن هذه النظرات منفصلة في مراحل العمر انفصالًا تامًّا، بل كل منها تتعدَّى مرحلتها، وقد تجتمع في مرحلة واحدة من العمر.

(٦) الشكُّ العامل النشط المنتج هو الذي يحاول دائمًا أن يتغلَّب على نفسه، وأن يصل بالخبرة والتجارب إلى يقين محدود، وأن يكون همُّ صاحبه تطبيقَ ما وصل إليه بحثه وبرهانه في الأمور العملية.

(٧) يوجد أناس كثيرون يُخَيَّلُ لهم أنهم يفهمون ما يلاقونه في الحياة من تجارب، وإنما هم يقنعون أنفسهم بذلك كي يستريحوا؛ إذ الواقع أن في الحياة — ولا سيما في اختلاف أعمال الناس وأخلاقهم — ما يحيِّر.

(٨) إن الرجل المغرور المعجب بنفسه يطلب مدحَ الناس إياه، ولكنه لا يطلب هذا المدح أو الإكرام أو الإعجاب لأعمال أو صفات مجيدة، وإنما يطلبه لشخصه مهما كانت صفاته وأعماله. وهذا الطلب ناشئ من شعوره بالنقص، فيجب أن يستعيضَ عما نقص بالمدح والإكرام، ودافع النقص هذا قد يوجد حتى في ذوي الكفايات والنبوغ الذين يجدون نقصًا في أنفسهم.

(٩) إن السخاء والأريحية أنواع، ولكن أصدَقَهَا وأحسَنَها موقعًا وقبولًا السخاء الذي هو عطف التفاهم والتقدير والقدر المنصف.

(١٠) إننا لا نستطيع أن نظلَّ على خلاف مع من يتفق معنا في الطباع والميول، ومهما طال الخلاف فمآله إلى الاتفاق. أما الذين يخالفوننا في الطباع والميول فمآل الاتفاق معهم إلى الخلاف. وهذا يشبه قول مارسل بروست: إن التداني إنما يكون باتفاق الأمزجة والأذواق والميول، لا باتفاق الآراء والنظريات.

(١١) أكبر خَطَرٍ على قومنا الألمان مجاراة جيرانهم ومحاكاة الأمم التي سبقتهم إلى الظهور والحضارة من غير اتِّعاظ بعبر التاريخ وعظاته. وأعظم ما يفيد الألمان أنهم لفتوا العالم إلى أنفسهم في زمنٍ متأخِّر بعد أمم كثيرة؛ أي إن الفائدة في اتعاظهم بما في حياة من سبقهم. وما فات جوتا ما لفت النظر إليه في مكانٍ آخر من أن التجارب لا تُكتسب بالتلقين، فكما أن الحياة تبدأ تجاربها من جديد إذا كانت حياة الآحاد من الناس أو الأجيال والقرون، فكذلك حياة الأمم، وهو يعلم ذلك، ولكن صنعه في إرشاد قومه وعظتهم صنع المعلم الذي يحاول أن يجعل المتعلِّم يكتسب خبرة بالتعليم، سواء أأفادته أم لم تفده كلَّ الفائدة.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.