تعثرت المفاوضات بين مصر وإنكلترا بسبب الاختلاف على تفسير بروتوكول السودان في المشروع الذي أسفرت عنه محادثات صدقي-بيفن، وقد كان السودان، منذ بدأت المحادثات والمفاوضات بين مصر وإنكلترا، الصخرة التي يقف عندها الفريقان، والتي طالما أودت بالمفاوضات وعرَّضت صفاء العلاقات بين الدولتين إلى الاضطراب.

ويرجع السبب في ذلك إلى أن لكل دولة من الدولتين نظرية تخالف نظرية الدولة الأخرى تمام المخالفة، فالنظرية المصرية بسيطة طبيعية ترتكز إلى الواقع، فهي ترى أن تربط بينها وبين السودان وحدة تحت تاج مصر، وأن يكون للسودان بعد بلوغه مرتبة الحكم الذاتي، حق اختيار أسلوب الحكم الذي يرضاه في نطاق الوحدة مع مصر تحت التاج المصري، وجليٌّ من هذا التصوير أن مصر لا تريد أن تفرض على السودان ولا على أهله نوعًا من أنواع الحكم، بل هي على العكس من ذلك تريد أن تعاونهم بسرعة على الوصول إلى حكم أنفسهم بأنفسهم فتكون إدارتهم ويكون نظامهم سودانيًّا إلا إذا أرادوا مختارين أن يرتبطوا في نظام الحكم مع مصر، فيكون دستور مصر دستورهم، وتكون القاهرة عاصمتهم، أما إذا آثروا البقاء في نظامهم الداخلي على وجه آخر فلهم ذلك، على أن يظل الدفاع وتظل السياسة الخارجية لمصر والسودان في يد حكومة القاهرة.

وبديهي أن مصر لا تقصد من ذلك إلى أي غرض ذاتي، بل تقصد إلى بقاء سلامتها وسلامة السودان بمنأى من أي عبث، فلا يتسلط على السودان متسلط يمكن أن يضر مصر أو يصيب مصالحها بسوء، هذا إلى أن وحدة مصر والسودان ليست بنت اليوم بل هي وحدة تاريخية أنشأتها الطبيعة وغذاها النيل، فمصر والسودان تقع كلتاهما على شواطئ هذا النهر العظيم وروافده، وتستمد من مائه الحياة والخصب، ومصر والسودان تتكلمان لغة واحدة، ولهما عادات وتقاليد مشتركة، ويجمع بين قلوب الأكثرية من أهلهما دين واحد، والنظرية المقررة اليوم، والتي لا ينكرها أحد، أن الدول الصغرى لا تستطيع أن تعيش كل منها في عزلتها، وأن وحدتها من عناصر السلام العالمي وأسبابه، أما والإنسانية تسعى إلى عالم أفضل تطبق فيه هذه المبادئ، فلن يستطيع أحد أن ينكر وحدة مصر والسودان تحت تاج واحد، ولن يستطيع أحد أن ينكر ارتباطهما والعمل على توثيق هذا الارتباط.

هذه هي النظرية المصرية في سلامتها وبساطتها، ولذلك لم يجد وزير الخارجية البريطانية بدًّا من التسليم بها بعد مفاوضات القاهرة ومفاوضات الإسكندرية التي استغرقت شهورًا، والتي كانت مسألة السودان عقبة في سبيل انتهائها إلى الغاية المرجوة منها.

على أن لإنكلترا نظرية غير نظرية مصر تعرفها وزارة الخارجية البريطانية، ولكنها لا تبوح بها، ولذلك لا يستطيع أحد أن يحددها على وجه الضبط، وكل الذي نستطيع أن نستشفه من خلال التصريحات والتصرفات التي حدثت وتحدث في إنكلترا وفي السودان، أن إنكلترا لا تريد أن تتخلى عن نفوذها في السودان بحال، وأن سياستها القديمة التي كانت ترمي إلى وصل مدينة الكاب بالقاهرة، لتصبح القارة الإفريقية كلها داخلة في نطاق الإمبراطورية البريطانية أو خاضعة لنفوذها — لا تزال تسيطر على الذين يصورون السياسة البريطانية في وزارة الخارجية البريطانية بلندن، وإلا فكيف نستطيع أن نفسر تصريحات حاكم السودان العام التي أدلى بها بأمر رئيس الوزارة البريطانية، ثم أيدها متحدث بلسان وزارة الخارجية البريطانية، في الوقت الذي تريد مصر فيه أن توثق علاقات المودة والصداقة بينها وبين إنكلترا؟

إن الإنكليز أنفسهم لا يأبون أن يصرحوا بأن إعداد السودان للحكم الذاتي يستغرق عشرين سنة في شماله، وخمسين سنة في جنوبه، فما لهم يصرون منذ اليوم هذا الإصرار الملح على حق السودان في الانفصال عن مصر بعد هذه السنين؟ وما لهم يحرصون على إبعاد مصر قدر المستطاع عن المعاونة على الإسراع بالسودان إلى نظام الحكم الذاتي؟ وهل للسلام العالمي في هذه المنطقة من الأرض مصلحة في هذا الإصرار؟ إن الحجة الوحيدة التي يتذرع بها الساسة البريطانيون، لتأييد موقفهم هذا، أنهم وعدوا أهل السودان بأن لهم حق الانفصال يوم يبلغون مرتبة الحكم الذاتي، أفلا ساءلوا أنفسهم كيف يقطعون مثل هذا الوعد منفردين، ومعاهدة سنة ١٩٣٦ تجعل الأمر في السودان مشتركًا بينهم وبين مصر؟ وهلا ساءلوا أنفسهم: كيف يقطعون هذا العهد منفردين وهناك هيئة الأمم المتحدة، وهناك النص في ميثاقها على أن لها حق الإشراف والهيمنة على كل ما يحدث في البلاد التي لم تبلغ بعد مرتبة الحكم الذاتي؟ وهلا فكر المختصون في وزارة الخارجية البريطانية أن عليهم أن يعدلوا عن سياسة الماضي، وأن يتخيروا أساليب غير أساليبه، وأن يعملوا فعلًا على تنفيذ المبادئ والأفكار التي بني عليها ميثاق الأمم المتحدة.

أم أن إثارة مشكلة السودان الآن قد قصد بها إلى غرض لا نعلمه؟ ذلك ما ستُظهره الأيام، راجين أن يكون ما تُظهره مما يقر في النفوس الطمأنينة وفي العالم السلام.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.