هذا عنوان الكتاب الذي أخرجه الدكتور محمد كامل حسين خلال الشهر الماضي، يتحدث فيه عن بيت المقدس — أورشليم كما يسميها اليهود — حين قرر الإسرائيليون من أبنائها صلب السيد المسيح، وإن لم يذكر الدكتور كامل في كتابه أن المسيح صلب بالفعل! مكتفيًا بأن الدنيا أظلمت يوم قرر الحاكم الروماني تنفيذ قرار بني إسرائيل بصلبه، أفكان هذا الظلام ظاهرة طبيعية عادية، أم كان آية لها تفسيرها الروحي، أم كان شيئًا مخيفًا تضطرب له النفس، وإن لم تعرف سببه، ذلك ما اختلف فيه حاضرو ذلك اليوم في قصة «قرية ظالمة»، وهو ظاهرة طبيعية في رأي الجنود الرومان وهو آية من عند الله في رأي المؤمنين بالسيد المسيح، وهو نذير بأخطار تنزعج لها نفوس السذج الذين لا يهديهم الإيمان، ولا يسعفهم العقل في تفسير تلك الظاهرة.

أي نوع من الكتب هذا الكتاب، أهو تاريخ، أو قصص، أو فلسفة بحتة؟ هو ليس تاريخًا بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، وإن كان سداه ولحمته ذلك الحادث التاريخي الذي تناوله العشرات من الْكُتَّابِ المدققينَ، والذي أحدث في العالم انقلابًا روحيًّا خالد الأثر على التاريخ، فقصة السيد المسيح من أروع القصص وأبقاها على الزمان، وقصة مريم المجدلية وهي الخاطئة التي باعت جسمها فغفر السيد المسيح لها، ولما رأى في عيون أتباعه غضبهم للطهر المهان ناداهم: من لم يكن ذا خطيئة فليرمها بحجر. هذه القصة هي الأخرى من روائع ما يقوم عليه الإيمان المسيحي في المغفرة للخاطئين ومحبتهم، لكن الدكتور كامل حسين لم يتحرَّ في كتابه أن يكون مؤرخًا، ولم يقصد إلى ذلك؛ فقد روى قصة المجدلية على نحو لا يثبته التاريخ، ولكنه رواها على نحو فيه من الروعة ما يسمو على إثبات التاريخ، فالمجدلية في كتابه فتاة بارعة الجمال من أسرة نبيلة غاية النبل، بعث جمالها ونبلها إلى نفسها نورًا جعلها تكفر بالحب، وتترفع عن أن تزوج من أي شاب من أبناء قريتها، فكرهها الناس وكرهها أهلها وكرهتها أمها؛ لغرورها، وكبريائها، ففرت من قريتها إلى أورشليم؛ حيث عبث بغرورها شاب قادها إلى بيت الخاطئات، فبقيت به تسلم جسمها لكل من هفت نفسه إليه مسحورًا بجمالها، ولكنها لم تسلمه في استسلام أنثى الحيوان للذكر فلا تشعر لذلك بما يذل كبرياءها أو ينهنه من غرورها، وإنها لكذلك إذ جاء إلى بيت الخاطئات جندي روماني كامل الرجولة فأحبته المجدلية، وتدلهت به وشعرت عند ذلك بذل الحبيب لمن يحب، وبانهزام كبريائها وغرورها، وفيما هي في حبها وذلها لهذا الحب سمعت بالسيد المسيح، وبمعجزاته وبمغفرته للخطايا فذهبت إليه، وآمنت به، وغسلت قدميه بدموعها، وجففتهما بشعرها، وعاد الجندي الروماني يبحث عنها في بيت الخطيئة فلم يجدها، وعثر بها يومًا مع أتباع المسيح فسار معها، وآمن بإيمانها، وبتعاليم السيد كلها، ومن بينها أن يحب الإنسان أعداءه، وأمر القاضي الروماني جنوده بغزو مدينة حصينة مجاورة لأورشليم مؤمنًا بأن انتصاره في غزوها يمهد له الطريق؛ ليصبح بطلًا تؤمن به روما وتضعه على رأس حكامها، وردت حصون المدينة غزاتها فأجمعوا حصارها حتى تستسلم جوعًا، وكان لأسوار المدينة ثغرة يأتيها الطعام منها، وعرف الجندي الروماني حبيب المجدلية مكان الثغرة مصادفة وجرت بينه وبين حماتها معركة قتل فيها هؤلاء الحماة إلا واحدًا منهم جُرح، فنقله الجندي الروماني إلى أهله، وعاد ولم يخبر قائده بمكان الثغرة، فلما طال الحصار اضطر القائد الروماني للتصالح مع تلك المدينة من غير أن ينتصر عليها، ومن غير أن يتحقق مطمعه في البطولة وفي حكم روما، لكن ما صنعه الجندي الروماني عرف بعد ذلك فحوكم بخيانته وحكم عليه بالصلب، وتقرر تنفيذ الحكم يوم تنفيذ الحكم في السيد المسيح.

كذلك صور الدكتور كامل حسين قصة المجدلية وخطيئتها وحبها وذلها لهذا الحب ومغفرة المسيح لها وخيانة حبيبها الروماني؛ إيمانًا منه بتعاليم السيد المسيح أن يحب أعداءه، ولك أن تقول إذن بأن كتاب «قرية ظالمة» قصة دبجها يراع مؤلفها، وخلع عليها من روعة القصص بأسلوبه الجذل ما شاء له خياله، لكن القصة ليس فيها من رواية الحوادث إلا ما ذكرت في هذه السطور المعدودة، أوَيكفي قصص ذلك كل ما فيه، ليمتد على ما يزيد على مائتين وثلاثين صفحة؟!

والواقع أن ما في الكتاب من قصص لا يزيد على خمسين صفحة أو ما حولها، أما سائره فحوار فلسفي ساق فيه المؤلف نتائج تفكيره الطويل في الحرب والسلم، وفي عقلية الجماعة الإنسانية، وفي سمو الفرد على الجماعة، كما صور فيه اضطراب الإنسانية بين أحكام العقل المجرد، والعاطفة الرقيقة، والإيمان الهادئ، وجمع خلاصة ذلك في كلمة واحدة هي كلمة «الضمير»، فالضمير هو الحكم الذي يحول دون تمادي العقل في منطقه، والعاطفة في ثورتها، والغريزة في تحكمها، والإيمان في تعصب المبالغين فيه. الضمير هو الميزان الذي يضع فيه صاحبه أحكام العقل، ودوافع العاطفة وسلطان الغريزة، وبواعث الإيمان، كما يضع الصيدلي في ميزانه مجموعة العقاقير؛ ليؤلف من أقدارها المختلفة الدواء الناتج، لكن سلطان الضمير يختلف بين الناس قوة وضعفًا، ولذلك لا تزال الإنسانية ولما تهتدي إلى الميزان الدقيق الذي يقيها الشرور ويجنبها الكوارث.

والحوار الذي يستغرق من هذا الكتاب قرابة مائتي صفحة هو سبيل المؤلف للتدليل على هذه النظرية، وفي هذا الحوار يتغلب منطق العقل حينًا، ودوافع الغريزة حينًا آخر، وسلطان العاطفة حينًا ثالثًا، ثم يسكِّن الإيمان من حدة هذه المتناقضات؛ ليؤلف الضمير بعد ذلك بينها خيرَ تأليفٍ.

وهذا الحوار بارع في مجموعه كل البراعة، ومن آيات براعته سلاسة أسلوبه وسلامته من التعقيد رغم دقة منطقه.

هذا هو كتاب «قرية ظالمة» للدكتور كامل حسين، وهو جدير بأن يقرأه كلُّ من يعنيه التفكير من حيث هو التفكير، جدير بأن يقرأه الجامعي، وأن يقرأه رجال هيئة كبار العلماء، وأن يقرأه المثقفون جميعًا، ولا أشك في أنهم سيجدون في قراءته متاعًا وفائدة يشكرون المؤلف عليهما من أعماق قلوبهم.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.