وكذلك تمر الأعوام في أثر الأعوام في أثر الأعوام، وتمضي الأجيال تتابعها الأجيال، وتتغير الحياة، وتتبدل الظروف، وتنتقل الأمة الإسلامية من طور إلى طور وأزهرنا الشريف — أصلحه الله — ثابت في موقفه ذلك القديم، لا يزول عنه ولا يحول. وقد كنت أظن أن قصة الأستاذ الشيخ علي عبد الرازق قد مضت وانقضت، وعفَّى آثارها كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وأصبحت حديثًا للتاريخ يذكرها الأزهريون فيضيقون بها، ويأسون لها، ويحمدون الله على أن عهدها قد انقضى منذ زمان، وعلى أنهم قد تطوروا وأدركهم من الخير والرشد ما يعصمهم من العودة إلى أمثالها. وأعترف كذلك بأني أحسست منذ أيام غبطة لم أحس مثلها من قبلُ حين قرأت في الجمهورية أن جماعة من علمائنا الأزهريين قد اجتمعوا وأنكروا ما أذيع من أمر التحقيق مع ذلك الأستاذ الأزهري، الذي كتب في أمر الصوم ما لم يرضَ عنه الشيوخ.

أحسست غبطة أي غبطة؛ لأني قدرت أن اجتماع هؤلاء النفر من علمائنا الأزهريين، وغضبهم للحق، وإنكارهم لمعاتبة الناس على الرأي، إن دل على شيء فإنما يدل على أن الأزهر قد استيقظ من نومه ذاك العميق، وخرج من تقليده ذاك العتيق، وأصبح يحب أن توضع الأمور في مواضعها، ويكره الإسراف على الناس فيما لا يجوز الإسراف عليهم فيه.

فهذا الأستاذ الذي قال في صوم رمضان بما لا يرضاه الشيوخ بين اثنتين: إما أن يكون قد قال الحق، فليس لأحد عليه سبيل، وإما أن يكون قد أخطأ وحاد عن القصد، فليس لأحد عليه سبيل أيضًا، إلا أن يرد عليه خطأه، ويبين له وجه الصواب، وينصح للناس بألا يتبعوه، فأما ما فوق ذلك فلا ينبغي لأحد أن يطمع فيه؛ ذلك أن الله لم يعصم الناس من الخطأ، ولم يأخذهم به حين يتورطون فيه، وإنما قال في كتابه العزيز: ().

والله وحده هو الذي يعلم ما تتعمد القلوب؛ لأنه عليم بذات الصدور، ولأنه رقيب على ضمائر الناس وما يضطرب في نفوسهم من الخواطر، وما يجول في رءوسهم من الآراء، وما يثور في قلوبهم من العواطف والميول والأهواء، وهو وحده الذي يملك مثوبة الناس وعقوبتهم على ذات نفوسهم؛ لأنه وحده الذي يحيط بها، ولا تخفى عليه منها خافية، فأما نحن فموكلون بما ظهر لنا من أمر الناس لا نتجاوزه إلى ما وراءه، فإن فعلنا فقد أسرفنا على أنفسنا وعلى الناس.

والله قد علَّم المسلمين في القرآن الكريم أن يسألوه ألا يؤاخذهم إن نسوا أو أخطئوا، والنبي ﷺ يُنبئُنا في الحديث الصحيح بأن الله قد تجاوز للمسلمين عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، والله — عز وجل — يقول لعباده الذين أسرفوا على أنفسهم: ().

بهذا كله يؤدبنا القرآن، ورجال الدين أجدر الناس بأن يتأدبوا بأدب القرآن: فيحلوا ما أحل الله، ويحرموا ما حرَّم الله، والله لا يحل لهم العقاب على الخطأ، ولا يبيح لهم أن يحاكموا الناس إذا رأوا غير رأيهم، أو ذهبوا غير مذهبهم في مسألة من مسائل الدين.

وكان النبي ﷺ يقول: «من قال: لا إله إلا الله؛ فقد عصم مني نفسه ودمه إلا بحقهما.» ولم نعلم أن ذلك الأستاذ الذي قال مقالته تلك في صوم رمضان قد شك في دينه، أو عدل عن قول لا إله إلا الله، أو جهر بكفر تعمده قلبه، وإنما رأى رأيًا فنشره؛ لأنه رأى في نشره نصحًا للناس، ورفقًا بهم. وقد دعينا إلى أن ننصح للناس، ونرفق بهم، وأنبأنا رسول الله ﷺ، فيما روى البخاري، بأننا بعثنا ميسرين لا معسرين، وأنبأنا الله بأنه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، وأنبأنا بأنه لم يجعل علينا في الدين من حرج.

فما هذه المحنة التي يُمتحن بها هذا الأستاذ لا لشيء إلا لأنه أراد الخير فأخطأ سبيله؟! ولمن يكون النصح أو بمن يكون الرفق إذا لم يكن لمثل هذا الأستاذ؟!

كنت أفهم أن يصدر عن شيوخ الأزهر رد رفيق على هذا الأستاذ يبين مواضع الخطأ فيما قال، ويبين له الصواب الذي يجب عليه أن يثوب إليه، وينصح للناس ألا يأخذوا بما جاء في مقاله من رأي.

وكنت أفهم كذلك أن يدعو صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر هذا الأستاذ إليه، فيسمع منه ويناقشه، ويبين له مواضع الخطأ في رأيه، ويدله على الصواب، ويأمره بالمعروف، وينهاه عن المنكر، ويرغبه في الخير، ويحذره من الشر. هذا كله حق للأستاذ الأكبر، وحق عليه؛ لأن المسلمين وعلماءهم خاصة مكلفون أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر. فأما التحقيق والمحاكمة والعقاب، فأمور أخشى أشد الخشية أن تكون مُخالِفةً لما ينبغي للمسلمين من النصح والموعظة الحسنة، والإرشاد إلى الخير. والله قد أمر نبيه أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بالتي هي أحسن.

وإذا كانت هذه هي السبيل التي أمر الله نبيه أن يسلكها حين يدعو إلى الإسلام، وحين يجادل عنه؛ فأجدر بشيوخ الأزهر أن يسلكوا نفس هذه السبيل حين يريدون أن يردوا واحدًا منهم عن خطأ يرون أنه تورط فيه، وكان يقال: إن من اجتهد فأصاب كان له أجران؛ فإن اجتهد فأخطأ كان له أجر واحد. بذلك تحدَّث المسلمون قرونًا طوالًا، وإلى ذلك اطمأنوا قرونًا طوالًا أيضًا؛ فما بال شيوخ الأزهر يخرجون عن هذه السنة، وينحرفون عن هذه الطريق، ويقيمون أنفسهم مقام القضاة لا مقام الواعظين المرشدين، ويريدون على أن يعاقبوا على شيء لم يأذن الله للناس أن يعاقبوا عليه. وأعظم من هذا خطرًا، وأشد منه نكرًا، ما عمد إليه فريق من الشيوخ، فيما نشرت الصحف، من رفع قضية على هذا الأستاذ؛ ليُثبتوا عليه الردة أمام القضاء، وليُنكِّلوا به تنكيلًا فيفرقوا بينه وبين أهله، ويرتبوا على حكم الردة هذا ما يترتب عليه من الآثار الغلاظ.

أين نحن؟ وفي أي عصر نعيش؟ وإلى أي محنة، بل إلى أي فتنة يريد هؤلاء السادة أن يدفعونا؟ ولمصلحة مَن يكون هذا الشر العظيم؟ وبأي حق يستبيح مسلم لنفسه أن يُكفِّر مسلمًا يشهد ألا إله إلا الله، ومحمدًا رسول الله؟!

أجدٌّ هذا الكلام أم هزلٌ؟ ومتى أبيح الهزل في دين الله؟! أحق هذا الكلام أم خيال؟ ومتى جاز للمسلمين أن يتعلقوا بالخيال في أمور الدين؟!

وكيف يرى صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر بوادر هذا الشر العظيم، ثم لا يكف عنه الشيوخ؟

وهل يرى فضيلته أن الوقت الذي يعيش فيه، والظروف التي تحيط بحياتنا الداخلية والخارجية تلائم هذا النحو من إثارة الفتنة، والإيغال في الشر، وإفساد رأي المسلمين في المسلمين، وإغراء بعض المسلمين ببعض! وكيد بعضهم لبعض لا لشيء إلا لأن أستاذًا من أساتذة الأزهر أعلن رأيًا في صوم رمضان فأخطأ في إعلانه طريق الصواب.

ليصدقني حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر أن هذه القصة كلها شرٌّ لا ينبغي الإيغال فيه، وعبثٌ أُجِلُّ الأزهر أن يُقدِم عليه في أيام الجد هذه التي نمر بها.

كان مثل هذا الشر ممكنًا، بل كان مُيسَّرًا في عصور مضتْ كان الأزهريون يُدفعون إلى الشر فيها دفعًا، ولم أنسَ بعدُ أن قصة الأستاذ علي عبد الرازق ما كانت لتحدث لو لم يقسم صاحب القصر برأس أبيه ليُحاكمنَّ صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم»، وليُخرجنَّه من زمرة العلماء، وليَعزلنَّه من مناصب القضاء.

تلك أيام قد مضت بما كان فيها من خير وشر، ومن عرف ونكر، وما ينبغي أن تتصل ولا أن تعود؛ فقد كف عن الأزهر سلطان القصر، بل كف سلطان القصر عن المصريين جميعًا، وانقضى بذلك عصر الفتنة التي كانت تصيب الناس في أنفسهم، وفي دينهم، وفي رزقهم، وفي سمعتهم. كل ذلك قد انقضى، ويجب ألا يعود. وهذه الثورة لم تكن لاهية؛ حيث قامت لتقضي على الفساد والشر، وتَعصِم الناس من التورط فيهما، وتقيم الصلة بين المصريين على الحب والمودة، وعلى البر والمعروف، لا على الكيد، ولا على المكر، ولا على الدسيسة، ولا على الإغراء.

من حق الإنسان أن يخطئ، وويل لأمة يعاقب الناس فيها على الخطأ. تلك أمة لا تعرف الحرية ولا تُقدِّرها، ولا تقيم أمرها على القصد والاعتدال، وإنما تقيمه على الفتنة والغرور. وأي فتنة أشد من معاقبة الناس على أنهم رأوا رأيًا لا يعجب الرؤساء؟ وأي غرور أعظم من ادعاء الوصول إلى أسرار الضمائر ودخائل القلوب؟ وأي شر أشد نكرًا من أخذ الناس بالشبهات وقد أُمِر المسلمون أن يدرءوا الحدود بالشبهات؟

ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يعدل عن هذه القضية التي لا خير فيها للأزهر ولا لمصر ولا للإسلام، وأن يدعو إليه هذا الأستاذ فيعظه وينصح له، ويرفق به، ويدعوه إلى التثبت والاحتياط قبل أن ينشر على الناس آراءه في أمور الدين.

نعم، ما أجدر الأستاذ الأكبر أن يفعل هذا كله، وما أجدر الحكومة أن تتقدم إليه في ذلك؛ فليست مصر في حاجة إلى أن تفسد الصلات بين الناس في أمر دينهم. وحسب مصر ما تشغل به نفسها الآن من إصلاح الحياة الداخلية، ومقاومة العدوان الخارجي الذي يتكرر في كل يوم على الحدود، والاحتياط من كيد الاستعمار الذي يدبر لها هنا وهناك.

كل ذلك جدير أن يشغل مصر عن هذه الفتن الصغيرة الخطيرة التي لا تنفع أحدًا، وتضر المصريين جميعًا، وربما تجاوز شرُّها مصرَ إلى المسلمين في أقطار أخرى من الأرض.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.