إذا كبر ابنك فآخه، هذا مثل مصري نطقه العامي (إن كبر ابنك خاويه)، وهو مثل صادق عميق الأثر في تربية الأبناء، وقد رأيت أمثلة توافقه، وأخرى تخالفه، ورأيت ما لموافقته وما لمخالفته من أثر في مستقبل الشاب، ومن الخير أن يتدبر الآباء والأهل هذه الأمثلة لمصلحتهم ومصلحة أبنائهم.

عرفت أبًا من المزارعين وكان له ولد يحب الزراعة وله بها غرام أي غرام، وكان هذا الولد كثير التردد على مَزارع أبيه إبان صباه، فلما كبر شعر بأن عليه واجبًا أن يراقب هذه الزراعة ويعمل ما استطاع على أن يزيد إنتاجها، ولكن والده رأى أن الولد يسلبه من سلطته ما هو حق له، وما لا يجوز للولد أن يتدخل فيه، فأخذ يضرب بكل ما يقوله ابنه عرض الأفق، ثم أخذ يُشعر الولد بأن لا شأن له بشئون الزراعة، وسرعان ما شعر الولد بالمرارة تندس إلى نفسه من جهة أبيه، وأخذ يبتعد عنه ولا يجالسه، وشعر بأن بينه وبين هذا الأب حواجز لا سبيل له للتغلب عليها. وكذلك ظلت صلاتهما جافة إلى أن اختار الله الأب إلى جواره وآن للولد أن يتولى هو إدارة الزراعة، عند ذلك شعر كأن عبئًا أزيح من فوق صدره وانفرجت أساريره التي لم تكن تعرف الابتسام، وصار مثلًا من أمثلة المزارعين الناجحين.

وعرفت، على العكس من هذا المثل، أبًا مزارعًا كذلك لم يلبث حين بلغ ولده العشرين أن أشركه معه في كل شئونه، فكان يستشيره ويشير عليه، وكان ينبهه إلى ما يقع فيه المزارع من أخطاء، وكان يحاول جهده أن يشعره بأن عليه مسئوليات نحو أسرته لا تقل عن مسئولياته هو، وَتَعَوَّدَ الابن حمل هذه المسئوليات بنجاح، وكان لها في حياته وحياة أسرته أعمق الأثر.

وليس هذان إلا مثلين لما يقع كل يوم، في الزراعة وفي غير الزراعة، ولو أن الآباء … تدبروهما لأيقنوا بأن مؤاخاتهم أبناءهم إذا كبروا حسنة الأثر في صلات الآباء والأبناء، وفي صلات الأسرة كلها، وفي ثروتها وفي كل ما يتصل بها، ثم لأيقنوا أن المثل المصري الذي صدَّرْتُ به هذه الكلمة ليس لونًا من العبث، ولكنه يصور حقيقة في التربية لا يشوبها خطأ.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.