للكاتِبَيْنِ الفرنسييْنِ الكبيرين «بيير لوتي» و«كلود فارير» قصصٌ متعددة يتحدثان فيها عن الشرق، كتباها في أوائل هذا القرن قبل أن تندلع نار الحرب العالمية الأولى في سنة ١٩١٤.

وللكاتبَيْنِ فكرة يشتركان فيها، وهي الأسف على تطور الشرق إلى ناحية الحضارة الغربية بوجه عام، والأسف بوجه خاص على خروج المرأة الشرقية سافرة إلى حياة المجتمع، وتضييقها بذلك ما كان يحيط بها من سر تحت برقعها وتحت إزارها، فقد كان لهذا الحجاب الشرقي عند الكاتبَيْنِ، وعند كثيرين من الأوروبيين سحرٌ خاص يزيد المرأة جمالًا، ويجعل منها حورية، أو ما يشبه الحورية، على ما يتصوره الغربيون. ولعلهم في ذلك العهد قد سئموا أن يروا المرأة الغربية تخالطهم في كل شئون الحياة، أو لعلهم سئموا أن يروا كل مفاتنها مكشوفة في لباس السهرة حيث تبدي أذرعها، وينكشف معظم صدرها، ومعظم ظهرها، فأرادوا أن تبقى المرأة الشرقية في حجابها؛ لتوحي إلى خيالهم الخصب بمعانٍ لا وجود لها في الواقع، ولكنها تمتع خيال الرجال بما يشتهون، وإن لم يزد الأمر على إمتاع الخيال، فإذا تكشفت الحقيقة تكشفت عن وهم، أو مدت لهذا الخيال ما يرضي طلعته متأثرًا بهذا الوهم.

ولست أدري أكان «لوتي» أو كان «فارير»، أو أضرابهما من المعجبين بحجاب المرأة الشرقية يبقون على رأيهم لو أنهم عاشوا في هذا العصر، أي في هذا النصف الثاني من القرن العشرين، ولم يبق في الشرق حجابٌ، إلا في بلاد قليلة متهمة بالتأخر عن مجاراة ركب الحضارة، والمرأة المحجبة في تلك البلاد لا تتجاوب مع الرجل إلا في أدنى ما يشتهيه، أتراها مع ذلك تعجب كتَّابًا وأدباء لهم من المكانة ما كان للوتي ولكلود فارير؟

لا أدري؛ فالشواذ في هذه الدنيا لم تنقطع في يوم من الأيام، والعبقرية بذاتها نوع من الشذوذ، قد يغري صاحبه بما يعجب له الرجل المتزن الذي يعجب بالعبقري، ثم لا يقر كل رغائبه. وأعترف بأنني في أمر المرأة وتعليمها وحجابها لا أقر ما يراه هؤلاء العبقريون أمثال «لوتي» و«فارير»، أنا لا أقره اليوم، ولم أقره قط في يوم من الأيام.

وكم أود مع ذلك أن أعرف رأي العبقريات من النساء فيما كان يقوله «لوتي» و«فارير». وهل ترى تود بعض هاتيك العبقريات أن تعود المرأة إلى حجابها وإلى حريمها؟ ألا لئن وجدت عبقرية نسوية ترى هذا الرأي، فلشد ما أتمنى أن أسمع حجتها، وأن أطلب معها المغفرة للوتي وفارير، أو من يشاركونهما في الرأي الذي كانا يرياه.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.