ما زال العجل الذهبي قائمًا يعبده الناس في أقطار الأرض كما قال شيطان «جوت» في قصته المشهورة الرائعة فاوست. وعُبَّاد هذا العجل لا يؤثِرون القصد والاعتدال في عبادته، ولكنهم عَبَدَةٌ يتقربون إليه بخلاصة نفوسهم، وخير ما تملك أيديهم، ثم هم لا يعبدونه عبادة مهذبة نقية كما تريد الحضارة الحديثة أن تكون العبادة، وإنما يقدمون إليه من القربان ما كان القدماء يقدمون إلى آلهتهم قبل أن تمسهم الحضارة، وقبل أن يُهذِّب العلم عقولهم، ويُصفي الفن والأدب قلوبهم وأذواقهم، يقدمون إليه أبناءهم وزهرة حياتهم ضحايا بشعة منكرة لإله بشع منكر ظامئ دائمًا إلى دم الإنسان، قرم دائمًا إلى لحم الإنسان، لا يرضى إلا إذا أُجريت له دماء الناس أنهارًا، وجُمعت له لحوم البشر أكداسًا. وهو مهما يقدَّم إليه من ذلك طامعٌ في أكثر ممَّا قُدِّمَ إليه، قد ملأ قلوب عباده غرورًا بالقوة وطموحًا إليها، لا ليحموا بها أنفسهم من عدوان المعتدين، بل ليتخذوها وسيلة إلى تقريب الآمنين الوادعين قربانًا لإلههم ذلك الظامئ إلى دم الإنسان القرم دائمًا إلى لحم الإنسان.

الإله الوحشي

تلك الحروب التي وضعت أوزارها منذ وقت قصير في الهند الصينية لم تكن إلا عبادة وحشية لذلك الإله الوحشي. قرَّب فيها الفرنسيون مئات الألوف من الآمنين الوادعين وأمثالهم من المُغِيرِينَ المعتدين، ضحيةً لرأس مالهم، ذلك الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي.

وأولئك الذين سُفكت دماؤهم، وفُرِّقت أشلاؤهم في كوريا، من الكوريين والأمريكيين والأوروبيين، لم يكونوا إلا قربانًا لرأس المال الأمريكي، الذي رمز له جوت بالعجل الذهبي أيضًا. وهؤلاء الذين سُفكت دماؤهم وما زالت تُسفك، وانتُهِكت حرماتهم وما زالت تُنتهك في شمال أفريقيا، ليسوا إلا قربانًا لهذا الإله البشع الفظيع. وهذه الثورة الثائرة والفورة الفائرة في فرنسا وبريطانيا العظمى الآن، حول قناة السويس وما أثار تأميمها من مشكلات؛ ليست إلا دعاء من ذلك الإله المنكر، إلى سفك دماء جديدة، وتفريق أشلاء جديدة؛ لأنه — كما قلت — ظَمِئٌ دائمًا لا يعرف الري، وجائع دائمًا لا يعرف الشبع، ومتى رأيت رأس المال يقنع بالقليل أو الكثير من الربح؟

الذهب أفسد الاشتراكيين

إن الفرنسيين لِيَعْتَرِفُونَ بأن رءوس الأموال التي أنفقها المسهمون في شركة القناة القديمة، قد عادت إلى أصحابها مرات، لا مرة ولا مرتين، في هذه الحقبة الطويلة التي استُغِلَّت فيها القناة بمرأى ومسمع من أجيال المصريين الذين كانوا يرون أرضهم وقناتهم التي احتُفرت بأيديهم، تُستغل لتضاعف رءوس الأموال الإنجليزية والفرنسية وهم ينظرون، لا يستطيعون أن يمدوا يدًا إلى هذا الذهب الذي كان يتدفق أنهارًا إلى عُبَّاد الذهب من الإنجليز والفرنسيين. والغريب أن عبادة الذهب هذه لا تُفسِد قلوب المحافظين والمعتدلين وحدهم في فرنسا وبريطانيا العظمى، ولكنها تفسد قلوب الاشتراكيين منهم أيضًا.

الاشتراكيون أشد عنفًا

هؤلاء الاشتراكيون الذين يقيمون مذهبهم السياسي والاجتماعي على مقاومة رأس المال، وما ينتج من الأَثَرَةِ والظلم والبغي والعدوان، وما يثير من الحروب بين الشعوب. هؤلاء الاشتراكيون أنفسهم يثورون الآن أعنف الثورة؛ لأن مصر أبت أن يُفرض الفقر على أهلها، ليتاح الغنى لقلة من الأجانب في فرنسا وبريطانيا العظمى، وكرهت أن يجوع أبناؤها وهذه القلة من الأجانب تكاد تقتلها التُّخمة من المال. فكان زعيم العمال في بريطانيا العظمى — وهو اشتراكي — قد أمَّم حزبُه كثيرًا من الشركات، وحوَّل كثيرًا من رءوس الأموال عن ملك أصحابها إلى ملك الدولة. كان زعيم العمال الاشتراكي هذا أشد ثورة وأعنف غضبًا من رئيس الحكومة البريطانية نفسه، مع أنه محافظ عريق في عبادة الذهب وتقديس رأس المال.

وكان رئيس الحكومة الفرنسية الاشتراكي، الذي أمم حزبُه كثيرًا من الشركات في فرنسا، والذي أنفق حياته محاربًا لرأس المال، زاريًا عليه، ينتهز به الفرص، ويتربص به الدوائر، ويبطش به كلما وجد إلى البطش سبيلًا؛ كان هذا الرئيس الاشتراكي القديم أشد ثورة، وأعنف غضبًا، وأطول لسانًا، وأكثر هذيانًا من المحافظين الفرنسيين المُمعِنين في المحافظة على رأس المال، لا لشيء إلا لأن العمال البريطانيين طامعون في الوصول إلى الحكم، ولأن الاشتراكيين الفرنسيين حريصون على الاحتفاظ بالحكم بعد أن ظفروا به.

العجل الذهبي

أولئك وهؤلاء يتملَّقون رءوس الأموال، ويبيعون مبادئهم، ويقدمونها قربانًا بغيضًا لرأس المال، الذي رمز له «جوت» بالعجل الذهبي. وكذلك كفر الاشتراكيون من الفرنسيين والإنجليز بإلههم كارل ماركس، وعادوا إلى عبادة العجل الذهبي، كما كفر حلفاؤهم من بني إسرائيل في الزمان القديم والجديد بعبادة الله العلي القدير، حين أخرج لهم صاحبهم ذاك عجلًا من ذهب له خوار.

كفروا بكارل ماركس وضحُّوا بمبادئه تقرُّبًا إلى رأس المال، آثروا الحكم على المبادئ، وآثروا الكفر على الإيمان، والنفاق على الصراحة، واتفقوا مع المحافظين على أن يجعلوا من مسألة القناة مسألة سياسية خطيرة، ومن استمتاع مصر بحقها الطبيعي الذي لا ينكره إلا المحمقون اعتداءً على حق الأوروبيين والأمريكيين في عبور القناة أحرارًا ذاهبين آيبين، لا يصدهم عن الذهاب ولا عن الإياب صادٌّ، ولا يردهم رادٌّ، وإنما تُيَسِّرُ لهم مصر الأمور كما كانت مُيَسَّرَةً لهم من قبلُ، بل خيرًا ممَّا كانت ميسرة لهم من قبل. ثم أقاموا الدنيا وأقعدوها وظنوا أنهم قادرون على أن يملَئوا مصر خوفًا ورعبًا، بما يُجَنِّدُونَ من الجنود وبما يُهَيِّئُونَ من الأساطيل، كأنهم يستطيعون أن يثيروا الحرب متى شاءوا وكيف شاءوا وأين شاءوا، وكأن الأرض قد خلت لهم، يفعلون بها وبأهلها ما يحبون.

لن تخاف مصر

وكأن مصر ستخاف منهم اليوم كما كانت تخاف منهم في أيام مضت، وستذعن لهم اليوم كما كانت تُذعِن لهم في أيام مضت أيضًا، وكأن العالم سيخلي بينهم وبين ما يريدون من إثارة الحرب إن صدقت نياتهم في إثارة الحرب.

وقد قالت لهم مصر وما زالت تقول إنها لن تمس حرية القناة، بل ستؤمنها في المستقبل كما أمَّنتها من قبل. وهم يصدقون مصر بقلوبهم، ويكذِّبونها بألسنتهم؛ لأن رأس المال البريطاني والفرنسي لم يقنع بكل ما أُتيح له من الربح إلى الآن، فهو يتحرَّق منه إلى المزيد، ولأن إلههم ذاك الوحشي البشع لم يقنع بكل ما أُجري له من أنهار الدماء، وبكل ما قُرِّبَ إليه من أكداس الأشلاء، هو ظامئ دائمًا جائع دائمًا، يُغري عباده دائمًا بإثارة الحرب والطموح إليها.

وأغرب ما يمتاز به الفرنسيون والبريطانيون في هذه الأيام أنهم لا يعتبرون بالأحداث، ولا يتَّعِظُون بالخطوب، ولا يرون أن الدنيا من حولهم قد تغيرت، وأن الفَلَكَ قد أَتَمَّ دورة الاستعمار والبغي والعدوان، وبدأ دورة جديدة قوامها الحرية، ورد الحقوق إلى أهلها وإقامة العدل بين الشعوب، لا يرون شيئًا من ذلك؛ وإنما يرون أو يُخَيِّلُونَ إلى أنفسهم أنهم ما زالوا أقوياء يستطيعون أن يتحكموا في مصائر الشعوب كما تحكَّموا فيها من قبلُ. هم يجهلون شئون أنفسهم، ويجهلون شئون غيرهم من الناس. هم لا يريدون أن يشعروا بأن الضعف قد أخذ يسعى إليهم، وبأن الأيام قد أخذت تعبس لهم، وهم لا يريدون أن يروا كذلك أن القوة قد أخذت تسعى إلى المستضعفين، وأن الأيام قد أخذت تبسم للذين عبست لهم من قبل.

وهم يتملقون الأمريكيين، ويبتغون الوسائل إلى روسيا، ويؤلِّبون دول الأرض كلها على مصر، كأن مصر قد اقترفت إثمًا أخطر وأبشع من الآثام الكثيرة التي لا تُحصى، والتي اقترفوها وما زالوا يقترفونها في أقطار مختلفة من الأرض.

وأمر الفرنسيين أعجب وأشد غرابة وإثارة للضحك من أمر الإنجليز، فقدْ فَقَدَ الفرنسيون رشدهم وأضاعوا صوابهم حقًّا، وأخذهم شيء من الحمى أطلق ألسنة ساستهم وأجرى أقلام كُتَّابهم بكلام لا يمكن أن يصدر عن العقلاء الذين يضبطون نفوسهم ويسيطرون على عواطفهم. أسرفوا على أنفسهم في عبادة عجلهم الذهبي ذاك، حتى أصبحوا أشبه شيء بالمجاذيب الذين يشهدون الأذكار عندنا، فيقومون ويقعدون وينحنون وينتصبون، ويميلون إلى يمين وإلى شمال، حتى يُفلِت منهم زمام أعصابهم وإذا هم يهذون بما لا يفقهون ولا يفقهه عنهم الناس.

تجاوز آداب اللياقة

فرئيس الحكومة الفرنسية يريد أن يلقي على رئيس الجمهورية المصرية درسًا عنيفًا قاسيًا، ووزير الخارجية الفرنسية يتجاوز أيسر آداب اللياقة فيُهين السفير، مع أن التقاليد السياسية تحظُر ذلك حتى حين تُعلن الحرب.

ورئيس وزارة سابق، كان أستاذًا قبل أن يصبح سياسيًّا، يتجاوز كل قصد، ويجاوز كل اعتدال، ويصف رئيس الجمهورية المصرية بأنه لص سرق القناة من أصحابها، ولا ينسى إلا شيئًا واحدًا، وهو أن رئيس الجمهورية المصرية استرد لوطنه قناته، وأن اللصوص حقًّا وصدقًا هم الذين يسفكون دماء الجزائريين ودماءهم ويسيرون في الجزائر كما ساروا من قبل في مراكش وتونس؛ ليملَئوا أيديهم وجيوبهم بما حرم عليهم من المال.

وليت المصريين يقرءون ما تفيض به الصحف الفرنسية، وصحف المحافظين منها خاصة من الوعيد الذي يخيل إلى قارئه أن فرنسا ستسحق مصر سحقًا، وستمحق المصريين محقًا. وأنا أعترف بأني أقرأ هذا الوعيد مع من حولي من الأهل والرفاق، فلا يأخذنا خوف، ولا يملكنا إشفاق، وإنما نغرق في ضحك طويل عريض، وأتمثل أنا قول الشاعر القديم:

تمناني ليقتلني زياد

كذبت لتقصرن يداك دوني

أما بعد فمن الحق على الحكومة المصرية — فيما أرى — أن تحفظ على المصريين كرامتهم، وأن تلقي على هؤلاء الثرثارين المتفيهقين من الفرنسيين درسًا يعلمهم التفكير والتروية فيما يقولون وما يكتبون، وما أقدر حكومتنا على أن تلقي عليهم هذا الدرس القاسي إن شاءت دون أن تعدوا حقها أو تحدث في السياسة الدولية حدثًا.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.