كان السيد خروشيشيف في نقده الفني جديرًا بالإعجاب، حين أبدى رأيه في موسيقى «الجاز» وفي التصوير التجريدي، فقال: إن نغمات الجاز تصيب السامع بالمغص، وإن الصور التجريدية إنما تصلح لشيء واحد: وهو تخويف الأطفال!

إن قيمة هذا النقد كبيرة في رد الصواب إلى تلك الرءوس التي تلغط بالتجريد والفن الجديد، وأيسر ما يتعلمونه منه أن المسألة ليست — كما يتوهمون — مسألة اليسار واليمين، أو مسألة «التقدمية» و«الرجعية» التي «يبغبغون بها» وهم لا يفقهون معنًى لمذاهب اليسار ولا مذاهب اليمين، ولا يفرقون بين التقدم والتأخر كلما أداروا أعينهم إلى الوراء … ولكنها مسألة جامعة تستقل بأحكامها وأهوائها، ويتلاقى فيها أقصى اليسار وأقصى اليمين، كما يتلاقى الحكم على جراثيم الحمى والوباء في كل كشف من كشوف التحليل!

وواقع التاريخ عند تحقيق أصول هذه «الأمراض» النفسية التي تشيع باسم المدارس الفنية، أنها نشأت في روسيا على عهد الحكم القيصري قبل الثورة الشيوعية بعشر سنين، وشاعت بعد ذلك في ألمانيا النازية كما شاعت في فرنسا التي تضطرب بين أشتات هذه المذاهب من جيل إلى جيل، وقد ظهرت مع المذهب «التكعيبي» في وقت واحد، ثم مات هذا المذهب وبقيت لهذه السخافة التجريدية بقيتها الماجنة إلى اليوم؛ لأنها ارتبطت بدعوى الوعي الباطن وغرائز الجنس، فتغلبت فيها دعوى الشهوات على دعوى التفكير. ولا بد لها في النهاية من مصير كمصير التكعيبيات والمستقبليات والوحشيات التي قضي عليها اليوم كما قضي على أمثالها من وحي الهوس منذ جيلين.

وقد كان مالفيش Molevich بعد الثورة الشيوعية بأربع سنوات يدافع عن هذه السخافة، ويبلغ به الغلو أن يطلب مصادرة التصوير التشبيهي؛ لأنه بقية من بقايا الاستعمار كما قال في رسالته عن «قضية فن الأشباه». وظل يجهر بهذه الدعوة إلى أن غلبت عليه صيحة النقد «الإجماعي» وثار عليه زملاؤه من الروس يردون التهمة بمثلها ويفسرون «الفن التجريدي» بأنه: رجفة الاحتضار في الأمم التي ضلت طريقها بين بقايا الماضي وبوادر العصر الجديد.

ويوجد اللاغطون بالفن التجريدي في الغرب، كما يوجد المحتقرون له والساخطون عليه، فليست الحملة عليه خاصة من خواص العسكر الشرقي، كما يسبق إلى الخاطر من كلمة السيد خروشيشيف، بل يقع الخلاف على هذه البدع أو هذه التقاليع حيثما ظهرت أعراضها وسرت منها عدواها كما تسري كل عدوى من أمثالها إلى حين.

ومنذ أسابيع ظهر كتاب جون كانادي Ganady كبير النقاد الفنيين بصحيفة «نيويورك تايمز»، وفيه خلاصة آرائه التي كان ينشرها ويُنحي بها على دعاة التجريد من أبناء وطنه أو المهاجرين إليه. وقد كتب تسعة وأربعون منهم خطاب احتجاج شديد عليه، ونشرته الصحيفة بنصه لتتلقى آراء النقاد ومحبي الفنون الجميلة في موضوعه؛ فكان الأكثرون من المؤيدين للناقد الكبير، وكانت القلة الضئيلة التي شاركت المحتجين في احتجاجهم تردد تفاهاتها التي لا تقنع أحدًا ولا تتطلب الإقناع من أحد؛ لأنها تقوم كلها على أن «الفن» يحس ولا يفهم، وتثبت حجته بالشعور المتبادل من غير حاجة إلى إثبات … وهو زعم من مزاعم الألفاظ الجوفاء لا يسنده تبادل الشعور نفسه؛ لأن الشعور بصورة من الصور التجريدية لا يقع فيه التبادل بين إنسانين ولا بين الإنسان ونفسه على نحو يدركه الحس على وجه من الوجوه.

ومن طبيعة هذه التقاليع أنها غير قابلة للانتساب إلى مدرسة فكرية تنتظم على قاعدة وتتسع للمناقشة؛ لأن الداعين إليها أعجز عقولًا من أن يحسنوا تلفيق الكلمات، فضلًا عن تلفيق المعاني التي تداري ما وراءها من فراغ.

فليست هي يسارية ولا يمينية، وليست هي من المدارس الواقعية ولا المدارس المثالية، ولكنها قد تسخر أحيانًا لخدمة سياسة الهدم حيث يراد الهدم لتطبيق دعواته ومناوراته، فمن العسير أن يرجع بها الباحث على قاعدة من قواعد المادية أو قاعدة من قواعد المثالية الروحية، بل من العسير أن يرجع بها إلى نظرية مفهومة من نظريات فرويد التي يقولون: إنهم مهتدون بهديه في أسرار «الوعي الباطن» وخفايا الشعور واللاشعور … لأن كلمة «الوعي الباطن» وما إليها تجري على ألسنتهم كما تجري على لسان «أميٍّ» من عامة الجهلاء لا يعرف شيئًا عن فرويد غير السماع، وسماع الاسم الشائع غير مرتبط بفكرة أو كتاب.

إلا أن هذه التقاليع قد ترجع من بعض سراديبها إلى الصهيونية العالمية وأذنابها في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية، وهي تستحق من الصهيونية العالمية شيئًا من العناية الخاصة؛ لأنها صالحة للاستغلال التجاري صلاحها للاستغلال في دعاية الهدم والعبث بالنظم المقررة والأمثلة العليا، وحسب الصهيونية منها أنها تلغي القواعد والأصول المصطلح عليها في ميدان إنساني واسع كميدان الفنون الجميلة؛ فإن نجاح الصهيونية مكفول حيث يبطل العرف ويهون أمر النظام والعقيدة، ويتبعه على الدوام نجاح الأخلاق والآداب.

وليس من مجرد المصادفة أن يكون الموسيقي الصهيوني «أرفنج برلين» مؤسس «الجازباند» وناشر «الراجتايم» بعد ترويجه في صالات الموسيقى Music Hall التي تديرها شركات صهيون وتعزف فيها فرق العازفين والراقصين والراقصات من أشياع صهيون.

فإذا كمنت وراء هذه العوارض المرضية هيئات لها صبغة المذاهب العالمية، فأقرب الهيئات إلى الاستتار وراء الفنون المشوهة هي هيئات الاستغلال، ودعوات الهدم في أيدي الصهيونيين أو من يشايعونهم في طريق الهدم، ولو عملوا لغير هذا الحساب.

ومن كان غير هؤلاء من ببغاوات التجريد والتجديد عندنا، فهم أهل للعزاء الجميل — أو غير الجميل — بعد فجيعتهم في «التقدمية» التي كانوا يحسبونها جناحًا من أجنحة اليسارية؛ إذ لا أمل لهم في مرضاة غرورهم بهذه الخديعة بعد تلك الكلمة الصريحة من السيد خروشيشيف في موسيقى الجاز وفنون التجريد.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.