عُدْنا إلى العملِ صباحَ الخميس ١٢ أبريل، فسمعت محاضرات كثيرة مختلفة لا أعرض لها؛ لأن الصحف السيارة لا تتسع لمثلها، ولكني أذكر محاضرة واحدة سمعتها في لجنة تاريخ الديانات؛ لأن الذي ألقاها صديق لكثير من المصريين، وهو الأستاذ «لويس ماسينيون» Louis Massinion، ولأن هذه المحاضرة أثارت مناقشة طويلة حادَّة، ولأن موضوع هذه المحاضرة يمس الإسلام وهو «أثر التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين».

والحق أني لم أفهم الغرض الذي رمى إليه المُحاضِرُ، وإن كنتُ قد اشتركت في المناقشة، لم أفهم هذا الغرض؛ لأنه لم يكن بيِّنًا، ولأن أساس البحث الذي ذهب إليه المُحاضِرُ خطأ فيما اعتقد؛ فكثير من المستشرقين أمثال الأستاذ «لويس ماسينيون» على مهارتهم وحُسْن بلائهم في فهم اللغة العربية وخدمتها يخطئون فَهْمَ هذه اللغة أحيانًا ويقيمون على أغلاطهم نظريات طويلة عريضة عميقة، ولكنها ليست بذات غناء.

لم أفهم الغرض الذي رمى إليه الأستاذ، وأحسب أن كثيرًا من الأعضاء لم يفهم هذا الغرض، ومع هذا فقد تناقشنا وتناقشنا كثيرًا، ولكن موضوع المناقشة لم يكن ما أراد الأستاذ أن يثبت من تأثير التصوف في تكوين العقائد الدينية عند المسلمين، فلم يحفل أحد من الأعضاء بهذه النظرية، وإنما كان موضوع المناقشة هو أن التصوف العربي أثر خالص من آثار العرب أو شيء للعرب فيه حظ، ولكن معظمه موروث عن الأمم الأخرى.

أما الأستاذ «ماسينيون» فكان يعتقد أن هذا التصوف عربي خالص، أو يوشك أن يكون عربيًّا خالصًا، وإن ما يمكن أن تجد فيه من موافقة لما عند الأمم الأخرى لم يُؤخَذ عن هذه الأمم، وإنما هي المصادفة وتوارد الخواطر ووحدة النظام العقلي في التفكير مهما تختلف الأمم ومهما تختلف البيئات. فليس حتمًا إذا فكَّرَ العربيُّ كما فكَّرَ اليونانيُّ أن يكون العربيُّ قد أَخَذ عن اليونانيِّ، ولكن من المعقول جدًّا أن يكون اليونانيُّ والعربيُّ قد فكَّرَا بطريقة واحدة فاهتديا إلى نتيجة واحدة، وإذن فيجب ألا نغلو في القول بأن العرب قد أخذوا عن غيرهم هذه النظرية أو تلك.

هنا اشتدت المناقشة، فمن الظاهر أن توارد الخواطر ممكن بل إنه واقع، بل إن هناك نظريات تشترك فيها أمم مختلفة دون أن تكون إحداها قد أخذت عن الأخرى، ولكن إمكان الشيء غير وجوده بالفعل وليس يستطيع التاريخ أن يكتفي بالإمكان والفرض؛ فذلك شيء قد يكتفي به الفلاسفة والمفكرون.

فأما المؤرخون فيريدون الحقائق الواقعة ولا يلجأون إلى الافتراض إلا لتفسير هذه الحقائق تفسيرًا مؤقتًا حتى يُتاح لهم استكشاف الحقائق الواقعة التي تُفسِّر ما لديهم، فإذا رأينا عند العرب فكرة صوفية أو غير صوفية تُوافِق ما رَأَيْنا عند اليونان أو عند الفُرْس كان لنا أن نفترض توارُدَ الخواطر، وكان لنا أن نفترض أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو الفرس، كان لنا أن نفترض الأمرين جميعًا، وأن نبحث عما يرجح هذا الفرض أو ذاك.

وهنا تظهر قيمة المؤرخ وتظهر قيمة التاريخ، وليس يجب أن نجد النصَّ التاريخيَّ الذي لا يحتمل الشك على أن العرب قد أخذوا عن اليونان أو عن الفُرْس لِنَنْفِيَ توارُدَ الخواطر؛ فكثيرًا ما تَضِيع النصوص دون أن يكون ضياعها مصدرًا لضياع الحقيقة. وليست النصوص كلَّ شيء في التاريخ؛ فهناك الصلات التي تختلف قوة وضعفًا وتتفاوت متانة ووهنًا بين الأمم. وهذه الصلات إذا ثبتت ثبوتًا تاريخيًّا كافيًا أباحت للمؤرخ أن يرجح تأثير الأمم بعضها في بعض.

وليس يجب أن يكون هذا التأثير ظاهرًا يعلمه الناس جميعًا، يعلمه من أثَّرَ ومن تَأثَّر؛ فأشد أنواع التأثير عملًا في الحياة الاجتماعية، بل في الحياة الدولية — إن صح هذا التعبير — هو ما كان خفيًّا يجهله مصدره كما يجهله قابله. فإذا ثبت أن اليونان مثلًا كانوا يرون هذا الرأي بعينه، وكان فلاسفتهم يشرحونه ويفسرونه ويدرسونه في المدارس المختلفة، وأن اليونان قد وصلوا إلى الشرق ونقلوا إليه علمهم وفلسفتهم وتركوا فيه عادات وضروبًا من التفكير ليس إلى إنكارها من سبيل، وإذا ثبت أن هذه الآراء أو هذا الرأي لا يلائم ما نعرف عن بداوة العرب ولا عن صدر الإسلام كان من الحق أن يرجح المؤرخ أن ظهور هذا الرأي أو هذه الآراء في الفلسفة العربية، أو في التصوف العربي بعد أن اختلط العرب بالأمم التي خضعت لتأثير اليونان، وبعد أن تعربت هذه الأمم فكتبت علمها وفلسفتها بالعربية بعد أن كانت تكتبهما باليونانية أثر من آثار الفلسفة اليونانية والعلم اليوناني لا نتيجة من نتائج الابتكار العربي.

وقُلْ مِثْلَ هذا في الفقه؛ فنحن نعلم أن العرب لم يترجموا فقه الرومان ولم يدرسوه درسًا مُنَظَّمًا، ولكنَّا لا نشك في أن الفقه الإسلامي قد تأثر بالفقه الروماني قليلًا أو كثيرًا، سواء أعلم بذلك الفقهاء أم لم يعلموا؛ ذلك لأن البلاد الإسلامية قد خضعت لحكم الرومان وقوانينهم دهرًا، ولأن هذه القوانين قد دُرِّسَتْ درسًا مزهرًا في الشام والجزيرة ومصر؛ فيجب أن يترك حكم الرومان وقوانينهم ودرس هذه القوانين آثارًا قوية في حياة الشعوب التي خضعت لها وأن تتكوَّن من هذه الآثار الاجتماعية لهذه الشعوب.

والعرب لم يهدموا كل شيء، وإنما صبغوا أكثر الأشياء التي وجدوها بالصبغة الإسلامية، فليس غريبًا، بل ليس من شك في أن كثيرًا من أحكام الفقه الروماني قد اصطبغت بالصبغة الإسلامية دون أن يشعر الفقهاء بذلك، فنحن نحسب هذه الأحكام إسلامية خالصة حين هي إسلامية رومانية.

لا يَغْضَبِ العلماء؛ فأنا أذكر الفروع لا الأصول، ولعلهم لا ينكرون أن الفقهاء يعتبرون العرف في كثير من مسائل الفقه، وأن هذا العرف إنما تكوَّنَ من النظام اليوناني والروماني والفارسي. هذه النظم التي تعاقبت على الشام، ومصر، والجزيرة.

وإذن فهناك تأثير خفي قد يكون أشد وأقوى من التأثير الواضح الذي تحدثه الأمم بعضها في بعض، ومن الإسراف أن نقطع بأن هذا الرأي، أو هذه النظرية أثر عربي خالص، أو أثر يوناني خالص، وإنما سبيل القصد في ذلك إذا لم توجد النصوص هو ترجيح تأثير الأمم بعضها في بعض حتى يظهر ما يبين خطأ هذا الترجيح.

حول هذه النقطة دارت المناقشة ولم يستطع الأستاذ «ماسينيون» أن ينكر صحة هذا الاستدلال، ولكن الذي أعجبني في هذا كله أن خمسة أو ستة اشتركوا في هذه المناقشة غير الأستاذ «ماسينيون» وغيري وكان منهم الفرنسي والإنجليزي، وكانوا جميعًا يلمون بتاريخ الدين الإسلامي إلمامًا حسنًا يمكنهم من المناقشة والاستدلال ببعض النصوص، بل إن أحدهم كان يستدل بنصوص لا نستطيع نحن في مصر أن نستدل بها مع أنها نصوص إسلامية؛ لأنها نصوص فارسية، ولأن علماء الدين الإسلامي في مصر يكتفون بدرس شيء من الكتب العربية، وليس منهم من يتخصص بدرس تاريخ الدين الإسلامي عند الفرس أو عند الهنود وبقراءة ما كتب الفرس، أو ما كتب الهنود في الدين.

وحسبك أن المئات من علماء الإسلام في مصر لا يعرفون إلا اللغة العربية، ولست أطالب العلماء بدرس اللغة الفرنسية أو الإنجليزية؛ فقد يكون ذلك واجبًا محتومًا، وإنما أطالبهم بشيء آخر أشد من هذا وجوبًا، وهو أن يدرسوا الدين الإسلامي كما ينبغي، والدين الإسلامي عربي، ولكن أممًا غير العربية قد اعتنقته ودرسته وكتبت فيه. وأؤكد للعلماء أن الدين الإسلامي قد أثر في هذه الأمم كثيرًا وتأثر بها كثيرًا.

وإذن؟

وإذن؛ فمن الحق على علماء الإسلام أن يدرسوا تاريخ الإسلام لا في مصر والشام وحدهما، بل فيهما وفي بلاد الإسلام الأخرى، ولو أني من علماء الإسلام ولو أن لي كلمة مسموعة بين علماء الإسلام لاقترحت وألححت في الاقتراح أن تُدرَّس اللغات الأجنبية الإسلامية في الأزهر الشريف، وأن تكون هناك فصول تتخصص في درس الفارسية وأخرى في درس التركية وأخرى في درس اللغات الإسلامية التي ليست تركية ولا فارسية. فمن المؤلم ومن المخزي أن تُدرَّس كتب الدين التي كُتِبَتْ بالفارسية أو بالتركية، أو بلغة أخرى من لغات الهند مثلًا في فرنسا وإنجلترا وألمانيا وأمريكا، وأن يجهلها علماء الإسلام في الأزهر الشريف. والأزهر الشريف يُعَدُّ هو الجامعة الإسلامية الكبرى!

هلمُّوا أيها السادة العلماء، طالبوا بأن تُدرَّس اللغات الإسلامية في جامعتكم الإسلامية درسًا مفصلًا نافعًا، فإنكم إن لم تفعلوا أضعتم على الأزهر حقَّه في أن يكون الجامعة الإسلامية الكبرى، وليس ينبغي أن تكون مدرسة اللغات الشرقية في باريس أنفع من الأزهر الشريف.

أليست المطالبة بهذا والإلحاح فيه أوفق بعلماء الدين وأجدى عليهم وعلى الدين من مطالبة من كان يطالب بأن تكون المعاهد الدينية فوق الدستور؟

أما مساء الخميس فقد كان لذيذًا، قضينا شطرًا منه نستمتع بلذة الموسيقى، وقضينا الشطر الآخر في بيت وزير المعارف. اجتمعنا الساعة الثانية في كنيسة أثرية كبرى في بروكسل هي كنيسة «سانت جودول» وكنا قد دُعِينا إلى هذا الاجتماع لا للصلاة ولا للتقديس، ولكن للدرس والتاريخ في لذة ومنفعة.

هنا خطبنا قسيسٌ فلم يتحدث إلينا في دين المسيح، ولم يُفسِّر لنا إصحاحًا من الإنجيل أو آية من التوراة، وإنما تحدَّثَ إلينا في الفن وتحدَّثَ إلينا في الآثار؛ ذلك أن هذه الكنيسة قديمة بعيدة العهد بالتاريخ بُدِئَ في إنشائها في القرن الثاني عشر، واختلفت عليها أطوار الفن والعمارة إلى آخر القرن السابع عشر، فخطبنا هذا القسيسُ ساعةً وبعضَ ساعة مبيِّنًا لنا هذه الأطوار المختلفة التي مرَّتْ بها الكنيسة، مقارنًا بين هذه الكنيسة وبين ما يشبهها من كنائس فرنسا وألمانيا من الوجهة الفنية الخالصة، مناقشًا آراء بعض الفنيين والأثريين من الألمان والفرنسيين؛ لأن هذه الكنيسة لا تزال تشغل الباحثين إلى اليوم وإلى الغد.

أعترف بأني لم أكن أفهم شيئًا كثيرًا من خطبة القسيس؛ لأني لست أثريًّا ولا فنيًّا ولا أكاد أتصوَّر فن العمارة، ولكن مع هذا كنت أُعْجَب بهذا القسيس إعجابًا شديدًا لا يعدله إلا إعجابي بقسيس آخر خَطَبَنا في المؤتمر خطبة ليس بينها وبين الدين صلة؛ لأنها كانت تتناول نسخة قديمة يختلف العلماء في تحديد العصر الذي نُسِخَتْ فيه، فيرى بعضهم أنها نُسِخَتْ في القرن العاشر وبعضهم قبل ذلك وبعضهم بعد ذلك، ويحكم القسيس بين هؤلاء العلماء المختلفين.

كنت إذن أُعْجَبُ بهذين القسيسَيْن، ولعل مصدر إعجابي بهما لا يخفى على السادة العلماء، وأنا أعتذر إلى السادة العلماء، فلست أريد أن أغضبهم وما أبغي بهذا الحديث إلا الخير لهم ولنا؛ ذلك لأن علماءنا لا يستبدون بملك أنفسهم، فلنا عليهم بعض الحقوق؛ لأننا نريد أن يكون علماء الدين فينا أئمةً وفخرًا في وقت واحد.

ويؤلمني جدًّا أن أقارن بينهم وبين رجال الدين في أوربا؛ لأن هذه المقارنة لا تسرهم ولا ترضيهم كما أنها لا تسرنا ولا ترضينا، وكما أنها تدل على أن الفرق عظيم جدًّا بين علماء الدين اليوم وبينهم منذ قرون.

هذا قسيس قد درس دينه فأتقنه وهو يؤدي واجبه الديني، وأؤكد لك أن الواجب الديني الذي يؤديه القسيس أشق وأعسر وأشد استغراقًا للوقت من الواجب الديني الذي يؤديه العالم المسلم؛ لأن الإسلام دين هين لين سهل لا كلفة فيه ولا تعقيد، وحسبك أن صلاة المسلم تستغرق دقائق، وأن صلاة القسيس المسيحي لا تُقاس بالدقائق، وحسبك أن العالم الديني عندنا إذا صلى وأدى واجباته الدينية الشخصية، وألقى درسه أو درسيه فهو حُرٌّ، وأن القسيس ليس له من الحرية مثل هذا المقدار العظيم.

ومع ذلك، فالقسس في أوروبا لا يكتفون بدرس الدين وأداء واجباتهم الدينية، وإنما كثير منهم رجال دين ورجال علم، وكثير منهم رجال دين ورجال فن، وكثير منهم يستطيع أن يناهض العلماء والفنيين الذين اختصوا بالعلم والفن فينهضهم ويتفوق عليهم. وهذان القسيسان اللذان ذكرتهما قد اختص أحدهما بفن العمارة واختص الآخر بعلم من علوم التاريخ.

وأؤكد لك أن لجنة من لجان المؤتمر لم تكن تخلو من قسيس، وأن اللجنة التي كنت فيها كان يرأسها قسيس، وأنه أَظْهَرَ عنايةً شديدةً بصبح الأعشى، وما يشتمل عليه صبح الأعشى. وأؤكد لك شيئًا آخر، وهو أن الفلاسفة إذا ائتمروا فسيشترك معهم القسيسون، وأن علماء الكيمياء إذا ائتمروا فسيشترك معهم، وقُلْ مِثْلَ ذلك في الأطباء، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الحياة، وقُلْ مِثْلَ ذلك في علماء الرياضة. وما لي أذهب بعيدًا وفي مصر مدارس اليسوعيين ومدارس الفرير، وفي فرنسا جامعات تقوم على رجال الدين، ويدرس فيها أبناء الأرستقراطية المحافظة، فإذا تقدموا إلى الامتحانات العامة في الجامعات الحكومية لم يكونوا أقل نجاحًا من غيرهم، وربما كانوا أكثر منهم فوزًا؟!

فأحب الآن أن تُحَدِّثني عن علمائنا في مصر. مع من يستطيعون أن يأتمروا؟ أمع المؤرخين وهم يجهلون جهلًا تامًّا تاريخ أوروبا وأمريكا، بل تاريخ الشرق، بل تاريخ اليونان والرومان، وأستحيي أن أذكر تاريخ الإسلام؟!

أمع الجغرافيين أم مع الرياضيين أم مع علماء الحياة؟

سينعقد في مصر مؤتمر جغرافي بعد سنتين، فهل يشترك فيه علماء الدين؟ ذلك لأني لقيت في بروكسل أسقفًا فرنسيًّا سألني عن جمعيتنا الجغرافية الملكية، وعلمت منه أنه سيشترك في مؤتمرنا الجغرافي، وثق بأنه لن يكون الوحيد من رجال الدين المسيحي في هذا المؤتمر.

أليس يحسن؟! أليس يجب على علماء الإسلام في مصر أن يبذلوا ما يملكون من جهد وقوة ليكونوا كغيرهم من رجال الدين؟! ليكون منهم المؤرخ والجغرافي وعالم الكيمياء وعالم الطبيعة والفلكي (وإنما أريد الفلكي الحديث)، كما أريد إذا ذكرت المشتغل بالطبيعة من لا يكتفي بدرسها في إشارات ابن سينا.

أيشعر علماء الدين عندنا بهذا البون الذي يباعد بينهم وبين علماء الدين في أوروبا؟ أيشعرون بأنهم يُحْسِنون إلى أنفسهم إن أزالوا هذا البُعد ويحسنون إلى أمتهم أيضًا؛ لأنها تستطيع يومئذ أن تعتز بهم حقًّا، وأن تأتمَّ بهم حقًّا في دينها ودنياها؟

سمعنا خطبة القسيس، ثم سمعنا بعدها ضروبًا من الموسيقى الدينية القديمة التي أَحْدَثُها يرجع إلى القرن الخامس عشر، وأشهد إني أُعْجِبْتُ بهذه الموسيقى وأشهد إني طربت لهذا الغناء اللاتيني الجميل، ولكني لا أطالب بأن أسمع موسيقى أو غناء في مساجدنا، فأنا أعلم أن مساجدنا إنما أُنْشِئَتْ لذكر الله، ولذكر الله في سذاجة وسهولة. لا أطلب ذلك ولا أفكر فيه، وحسبي أن التذكر في المسجد بترتيل القرآن الكريم، وإنما أطالب بشيء وألح فيه الإلحاح كله، أطالب بأن يكون من بين علمائنا مَنْ يستطيع أن يُحدِّثنا عن تاريخ الأزهر الشريف، وجامع قلاوون، وجامع برقوق، من الوجهة الفنية كما استطاع قسيس بروكسل أن يحدثنا عن كنيسة «سانت جودول».

سمعنا الموسيقى وطربنا لها، ثم أردنا أن ننصرف فإذا إكليل من الزهر ضخم بديع قد وُضِع ناحية في الكنيسة، وإذا قوم من جماعة المؤرخين قد تقدَّمُوا فحملوه، ومضوا فتبعهم المؤتمرون في وقار وإجلال، وما هي إلا دقائق حتى وصلنا إلى قبر الجندي المجهول، فإذا هذا الإكليل يُمثِّل تحية مؤتمر العلوم التاريخية لأبناء بلجيكا الذين قضوا في الدفاع عن وطنهم.

أما ليلتنا عند وزير المعارف فلا أحدثك عنها إلا بشيء واحد، وهو أن جميع المؤتمرين كانوا في قصر الوزير، وكان معهم سفراؤهم أو وزراؤهم المفوضون إلا مصر، فلم يكن لها سفير ولم يكن لها وزير مفوض، ولم يكن لحكومتها مندوب، وإنما كان هناك طربوش حائر بين هذه الجماعات! ولولا أن وزير المعارف كان قد أُنْبِئَ بمكان هذا الطربوش لما شعر به أحد، ولكن الوزير أقبل ومعه رئيس مكتبه؛ فحيَّاني تحية حسنة، ودعاني مندوب مصر فلم أصلح خطأه.

ثم لقيت أثناء السهرة مؤرخًا شابًّا بولونيًّا تعرَّفَ إليَّ لأن زوجه تعرَّفَتْ إلى زوجي ودعاها إلى هذا التعرُّفِ الطربوشُ، وكان هذا العالم البولوني الشاب مندوبَ عصبة الأمم في مؤتمر العلوم التاريخية؛ لأن عصبة الأمم قد مثلت نفسها في مؤتمر العلوم التاريخية. وكيف لا تفعل، وقد أنشأت لجنة علمية سمتها لجنة التعاون العلمي؟!

صافَحَني هذا الشابُّ، وقال: «هناك مسألة تُحيِّرني، ولعلَّك تُجِيبني عليها. ما بال مصر لم تُمثَّل في عصبة الأمم؟! ومتى تطلب هذا التمثيل هنا؟»

أعترف أيها القارئ بأني قد كذبت ولم يكن مصدر الكذب إلا الحياء؛ ذلك لأني أجبتُ سائلِي على الفور: «ستطلب مصرُ الانضمامَ إلى عصبة الأمم في هذه السنة!» قال صاحبي: إذن فسيُرَدُّ طلبها قبل انعقاد الجمعية العمومية؟ قلتُ: أعتقد ذلك.

فهل لرئيس الوزراء أن يعفيني من خزي هذه الكذبة التي لم يضطرني إليها إلا تقصير حكومتنا وتفريطها في الاستمتاع بما لنا من حق؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.