يسألُ الأديبُ المجتهدُ «محمد محمد المرشدي بركات» عن ضُروب من النقدِ الأدبي أو التاريخي، الذي يُنشر في هذه الأيام ويُطْلِقُ عليه النقادُ المشتغلون به اسمَ النقد على المنهج — أو على المنهج العلمي في بعض الأحيان — ويخصُّ كاتبَ هذه السطور جانبٌ كبيرٌ منه كلما تناول أولئك النقاد «العلميون» بعض مؤلفاتنا في الأدب والتاريخ.

ويشير الأديب «المرشدي» إلى موضوعات متعددة في كتابنا عن خالد بن الوليد تناولها أحدهم واكتفى في معظمها بقوله: إنها تخالف الحقيقة العلمية، أو إنها لا تستند إلى دليل من العلم الصحيح.

ولا حاجة بنا إلى تعريف النقد العلمي؛ لأنه معروف يتلخص في كلمات معدودات، فكل ما يطلب من الناقد العلمي أن يتحرى صحة الحقائق في الوقائع المقررة، وأن يتحرى صحة الاستدلال في المباحث التي تقوم على الرأي ولا تنتهي بعد إلى يقين قابل للتحقيق.

وقليل مِمَّا اطلعنا عليه من أقوال أولئك النقاد العلميين يصدق عليه وصفُ التحقيق العلمي، أو وصف الفهم والاستقصاء للمعلومات الواردة في مراجعها حول الموضوع المنقود.

وهذا القليل نادرٌ جدًّا فيما اطلعنا عليه، وهو ذلك القليل الذي توافر على كتابته باحثون فضلاء لهم نصيب من الفهم والاطلاع غير مظاهر التقاليد والألقاب.

أما الكثير من ذلك النقد المظلوم في نسبته إلى العلم فهو على نوعين مختلفين: أحدهما قد أصبح ضربًا من ضروب النصب الأدبي باسم المنهج أو «المنهش» بالجيم التي يبلغ من تعطيشها أن تلتبس بالشين. وليس لذكر المنهش في أقاويل هؤلاء النصابين غير غرض واحد، وهو: مداراة العجز وراء الادعاء الكاذب وإهدار الحقائق في سبيل الطنطنة بالألقاب والمصطلحات. ومنهم من ينقد الكُتَّاب ولم يقرأ غير العناوين وأطراف الفصول من هنا وهناك على غير فهم ولا أناةٍ ولا رغبة صادقة في الإدراك والإنصاف.

والنوع الثاني أقرب من ذلك إلى حُسنِ النِّيَّةِ ونزاهة الغاية، ولكنه يقع في الخطأ «العلمي» لوقوفه عند القليل من المعلومات وقصوره عن واجب الاستقصاء والإحاطة بالموضوع.

ونكتفي بِمَثلٍ واحدٍ من أمثلة هذا النقد فيما رواه الأديب «المرشدي» عن موضوعات كتابنا «عبقرية خالد»، وهو موضوع معرفة العرب في البادية بقيادة الجيوش الكبيرة قبل الإسلام … فإن النقد الذي رواه الأديب ينفي هذه المعرفة ويأخذ علينا أننا استشهدنا بالمناذرة والغساسنة، وهم — كما قال ذلك الناقد — سُكَّان حاضرةٍ ولا يحسبون بين أبناء البادية في الجاهلية.

فهذا المَثلُ القريب نموذجٌ للنقد الذي يخالف العِلم لنقص المعلومات وقِلة الالتفات إلى معاني الكلمات.

فالغساسنة والمناذرة — قبل كل شيء — هم أهل بادية كما هو ظاهر من نسبتهم إلى مواضعهم، وهي ماء غسان ومدينة الحيرة.

فمهما يكن من موقع غسان فهو في الأصل موقع في البادية؛ سواء كان اسم مَوضِع بِتهامةٍ، أم كان اسم ماء كما جاء في أشهر الأقوال:

إما نشأت فإنِّا معشر نجب

الأزد نسبتنا والماء غسان

وقد كان جمعهم الأكبر من سكان مشارف الشام، فلم تشتهر باسم غسان إلا القبيلة التي عُرفت باسم «آل جفنة» بعد زوال إمارة «تدمر»، وتفرق عشائرها بين جوانب الصحراء.

أما المناذرة فاسم عاصمتهم نفسها وهي «الحيرة»، هو بالسريانية «حيرتيا»؛ أي «المخيم» أو مجموعة الخيام، وقد سُمِّيَتْ بهذا الاسم كما هو ظاهر؛ لأنها كانت معسكر خيام بدوية؛ حيث نزلت القبيلة إلى جانب الفرات.

وليس قيام الأمراء في بلاد الحاضرة بمانع أن تكون القبائل كلها بادية تجول بالإبل والماشية حول مشارف العمران، فقد كان رؤساء القبائل يقيمون في مكة وصنعاء وعدن، وكانت القبائل كلها تتفرق بين جوانب الصحراء على مقربة من تلك المدن أو بعيدًا منها؛ حيث تتجه بها دواعي الترحال في طلب المرعى والسقاية.

وإذا كان الكلام عن «الجيوش الكبيرة»، فمن الواجب على الناقد العلمي أن يذكر أن أمير الحيرة، أو أمير «تدمر»، أو أمير «جلق» لا يجمع الجيش الكبير من أزقة بلدته وهي لا تتسع لجيش كبير من الرجال والنساء والأطفال، فضلًا عن الجند المسلحين المستعدين للقتال، ولا بد له من مدد القبائل التي ينتسب إليها ويقدر على حماية البادية حوله لانتشارها بين أنحائها. ولو كانت كل قوة المناذرة أو الغساسنة في المدن لَمَا احتاجت دولة الفرس ولا دولة الروم إلى الاستعانة بهم على حماية الطريق بين العراق والجزيرة العربية، أو بين العراق ومشارف الشام؛ لأن تحصين المدينة بالجند النظامي كافٍ لضمان الأمن فيها ودفع أسباب القلق من ناحيتها، ولكن البادية بعشائرها المتفرقة هي التي كانت مصدر القوة العسكرية لبني المنذر وبني غسان، وعليها كان معولهم الأكبر في تجنيد الجنود وجمع الجيوش، ومحالفة الأكاسرة والقياصرة بين وادي النهرين وعاصمة قسطنطين، وعواصم اليمن والحجاز.

هذا هو محصول «النقد العلمي» الذي يتناول ما نكتبه في الأدب والتاريخ، وغاية ما فيه أننا إذا التفتنا إليه من حين إلى حين فإنما هي عركة أذن مليحة للشاطر «العلمي» الذي يتصدى للنقد بغير عدته، ويحسب أنه ينجو بأذنه سليمة إذا أطلق لسانه «المنهشي» في غير موضع للنهش واللهاث!

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.