يظهر أن أصدقاءنا الترك ينسون أنفسهم شيئًا ما في هذه الأيام، ويُعرِّضون أنفسهم كذلك لما لا نحب أن يتعرضوا له، فقد كنا نتمنى أن يحتفظوا بخطة الأناة والوقار والعناية بمصالحهم الخاصة كما يفهمونها وكما يحبونها، غير حافلين برضى الناس عنها أو سخطهم عليها.

فهم قد اصطنعوا هذه الخطة وفرضوها على أنفسهم منذ أتاحت لهم ثورتهم في أعقاب الحرب العالمية الأولى أن يستردوا استقلالهم ويخلصوا لأنفسهم، لا يؤذون أحدًا ولا يؤذيهم أحد. وهم قد انتفعوا بهذه الخطة فثبَّتوا استقلالهم ووطدوا مكانتهم وجنوا ثمرات الحياد الذي التزموه في الحرب العالمية الثانية؛ فخرجوا منها موفورين لم يُكْلموا كَلْمًا ولم تتعرض مرافقهم المختلفة لخطر قليل أو كثير.

فهم قد صادقوا الأعداء جميعًا أثناء الحرب العالمية الأخيرة، ولم يحفلوا بتلك الأحداث الجسام التي كانت تملأ العالم من حولهم شرًّا، والتي ملأت العالم العربي نفسه خوفًا وذعرًا، وهم أقاموا هادئين مطمئنين منتفعين حين شبت الحرب في جارتها سوريا بين الحلفاء وبين الفرنسيين المهادنين لألمانيا، وشقيت سوريا شقاء غير قليل بهذه الحرب، وجيرانها الترك آمنون وادعون لا يغضبون لها ولا يشفقون عليها ولا يمنحونها عونًا ولا يختصونها بتأييد.

بل هم قد انتفعوا من هذه الحرب الأخيرة على حساب جارتهم سوريا؛ فأخذوا جزءًا منها ثمنًا لمساومة الحلفاء، ولم ينسَ العالم العربي بعد أن الإسكندرونة قد اقتُطعت من سوريا ورُدت إلى الترك ثمنًا لهذه المسالمة دون أن يُستأمر السوريون في ذلك أو يُستشاروا.

في ذلك الوقت لم يكن الترك أصدقاء العالم العربي، ولم يكن العالم العربي يعنيهم قليلًا أو كثيرًا، وإنما كان يعنيهم أن يَسْلموا أولًا وإن دُمر العالم من حولهم، وأن يأمنوا ثانيًا وإن امتلأ العالم من حولهم هلعًا وفزعًا، وأن ينتفعوا ثالثًا وإن أوذي العرب في وطنهم وإن فُرق الإخوة ظلمًا وبغيًا وعدوانًا.

كانت هذه الخطة الآثرة هي التي التزمتها تركيا منذ وضعت الحرب العالمية أوزارها، وكانت تجد في هذه الخطة أمنها ومنفعتها، واستقرار الأمر فيها وتطور ثورتها في عافية من تدخل الأجنبي، وكان من الخير لها أن تحتفظ لمنقذها من العدوان الأجنبي؛ مصطفى كمال — أو كمال أتاتورك كما سمته — فرارًا من الصلة بينها وبين العرب؛ حتى حملها بغضها لقديمها وطموحها إلى التخلص من أوزار إمبراطوريتها والتخفف من أثقال الخلافة الإسلامية التي انتحلتها انتحالًا وأخذتها غلابًا، ولكنها خافت من جارتها روسيا وأمنت لصديقتها أمريكا. ووجدت عند صديقتها هذه فضلًا كثيرًا ومالًا غزيرًا، وأغراها الفضل بالفضل ورغَّبها المال في المال، وأرادت أن تستكثر من التقرب إلى الأمريكيين، فخرجت عن خطتها تلك، وظنت أنها أصبحت دولة عالمية تستطيع أن تشارك في تقرير مصير الدول الأخرى. وكان خروجها عن هذه الخطة حين شاركت حلفاءها فيما عرضوا على مصر سنين من حلف؛ يحفظ السِّلم في هذا من الشرق الأدنى، وقد رفضت هذا العرض في غير مناقشة ولا جدال، وكان الترك خليقين أن يحسوا لوم العرب لهم، وعتبهم عليهم؛ إنكارهم أن تعين دولة إسلامية كانت تزعم لنفسها حماية الإسلام على تدخل الأجنبي في شئون المسلمين، وتعريضهم للمشاركة في مغامرات ليس لهم فيها نفع قليل أو كثير.

كان الترك خليقين أن يحسوا ما لم يُخْفِ العرب من لوم لهم وإنكار عليهم، وأن ينتفعوا بهذا الدرس الذي تلقوه من مصر حين أبت أن تستجيب لهم كما أبت أن تستجيب للأمريكيين والإنجليز والفرنسيين. لكن الترك لم يحسوا شيئًا ولم ينتفعوا بهذا الدرس، وإنما جعلوا أنفسهم عملاء للأقوياء من دول الغرب، وكلفوا أنفسهم أن يضموا الشرق العربي راضيًا أو كارهًا إلى ذلك الحلف الذي يدفع إلى المغامرات ويغري بالحرب ويعرض الناس لأخطار لا يعلم عواقبها إلا الله.

وهم قد مضوا في ذلك حتى ضموا إليهم العراق في حيلة لم يستروها، ولم يخفوا ما فيها من الكيد، ولم يحتاطوا لها؛ فهم لا يكادون يتمون هذا الحلف حتى يسرع الإنجليز بالمشاركة فيه، وحتى يزمع الأمريكيون أن يشاركوا فيه أيضًا، وإن آثروا الانتظار بهذه المشاركة وقتًا طويلًا أو قصيرًا.

وكذلك خرج الترك من حيرتهم تلك، ولكن خروج التابع الذي لا يعمل لنفسه وإنما يعمل لغيره، ولا يدبر الأمر ويتقن الحيلة لينتفع هو وحده، بل لينتفع غيره من الأقرباء وإن عرَّض نفسه لشر عظيم. فالترك يعلمون أنهم جيران الروس وأنهم جديرون أن يكونوا أول من يصطلي نار الحرب ويشقى بها حين تثار في يوم قريب أو بعيد، وكان ذلك جديرًا أن يحملهم على إيثار العافية والركون إلى الحياد الذي آمنهم من الخوف في الحرب الأخيرة، ولكنهم عادوا إلى المغامرة وأبوا أن يعودوا إليها وحدهم، ولم يحبوا أن تزلزَل بهم الأرض من دون جيرانهم، فجروا العراق وانجرَّ العراق لهم. وقد أغرتهم طاعة الحكومة العراقية القائمة بأن يجروا إليهم سوريا، ومن يدري لعلهم إن ظفروا من سوريا بما يحبون أن يعودوا إلى مصر ليعرضوا عليها مغامرتهم تلك مرة أخرى وليتموا لحلفائهم ما أرادوا من إخضاع العالم العربي كله لسلطانهم، وإشراكه في مغامرتهم وتعريضه لهذه الأهوال التي لا تنفعه وإنما تؤذيه كما تؤذي الناس جميعًا. ولكن سوريا أبت أن تنجر كما انجرَّت حكومة العراق القائمة. وهنا يستحيل الجد إلى لعب، وتستحيل المأساة إلى ملهاة، ويخرج الترك عن طورهم، فيغضبون وينذرون ثانيًا، ويحشدون جيشهم على الحدود السورية آخر الأمر، فيغرق العالم العربي في الضحك وإن كان ضحكًا مرًّا.

ولكن الشيء المحقق هو أن الجيش التركي المظفر لم يرهب أحدًا، ولا يمكن أن يرهب أحدًا؛ لأنه لا يستطيع أن يجوز الحدود، ولأن تركيا لا تستطيع أن تُعلن الحرب على سوريا، لا لشيء إلا لأنها لا تريد أن تشترك في المغامرات، ولأن الحرب لا تُعلَن في هذه الأيام كما كانت تُعلَن فيما مضى، وإنما تقوم دون إعلانها مصاعب لا بد من تذليلها. وليس الترك وحدهم هم الذين يستطيعون أن يذللوها، فتركيا عضو في هيئة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن نفسه، وليست تملك أن تقحم حلفاءها في حرب لا يريدونها، وهي بعد هذا كله ليست حرة في إعلان الحرب؛ لأن لها جارة تتربص بها الدوائر ولا تنتظر إلا الفرصة التي تتيح لها أن تغير. فهذا النذير التركي بجارتها سوريا عبث من العبث، لا يخيف السوريين فضلًا عن أن يخيف غير السوريين، وإنما هو يعرِّض الترك أنفسهم لشيء من الرثاء كنا نحب ألا يعرضوا أنفسهم له، وكنا نحب لهم كذلك أن يقرروا فيما بينهم وبين أنفسهم أن الأحلاف لا تكون بالإكراه، وأنها إما أن تكون بالرضى وإما ألا تكون. وكنا نحب لهم كذلك أن يقدروا في أنفسهم أن الدنيا قد تغيرت، وأن أمور السلم والحرب لم تصبح خاضعة لأهواء الناس وشهواتهم، وكنا نحب لهم آخر الأمر أن يقدروا في أنفسهم أنهم يوشكون أن يسوءوا حلفاءهم من حيث أرادوا أن يسروهم، ويضروهم من حيث أرادوا لهم النفع، ويغضبوهم من حيث أرادوا أن يبتغوا لهم الوسيلة.

فحلفاء الغرب يريدون أول ما يريدون أن تستقر الأمور في الشرق الأدنى، ويكرهون أشد الكره أن يضطرب هذا الجزء من الأرض، وإنذارهم هذا المُلِح لسوريا يوشك أن يملأ الشرق العربي اضطرابًا. وقد ينبغي أن يحسب الترك لجيرانهم شيئًا من الحساب، ومن حق العرب أن يغضبوا حين يُساء إليهم في غير ما يدعو إلى الإساءة، وأن يُستخف بهم دون ما يدعو هذا الاستخفاف. والعرب يحسنون اصطناع الحلم ويعرفون كيف يملكون أنفسهم، ولكنهم يعرفون أيضًا كيف يغضبون وكيف يثورون إذا أُثيروا. وإذا كان أصدقاؤنا الترك قد غفلوا عن هذا كله وخرجوا عن أطوارهم؛ فما أجدر حلفائهم من الإنجليز والأمريكيين أن يردوا عليهم فضل أحلامهم وأن يكفوهم عن الطيش ويعيدوهم إلى شيء من صواب، وأن يذكروا أن صغار الأمور قد تُهيج كبارها، وأن للأناة والصبر غاية ينتهيان إليها.

وأن في نفوس العرب بقية من مودة للترك، فمن الخير ألَّا يُضيعوها بإصرارهم على ما هم فيه من حمق وطيش.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.