يحلو للرجال أن يجعلوا المرأة وعنايتها بالتبرج وشغفها بالأزياء موضوعًا لنقدهم وتهكمهم، ويعجبهم أن يجعلوها مسئولة عن كل ما يحل بجيب الرجل من فراغ، وكل ما يصيب الميزانية البيتية من خلل، ولئن صدق القسم الأخير من هذه الدعوى في طائفة من النساء كما تصدق في طائفة من الرجال سواء بسواء، فليس هنا مجال الاتهام والتحقيق والحكم، وإنما يصح القول — من قبيل إقرار الواقع والعلم بالشيء لا من قبيل الانتقام — إنهم حضراتهم ليسوا دون النساء اهتمامًا بزينتهم وهندامهم، وإن التربية الاجتماعية وواجبات اللياقة تفرض عليهم ذلك، كما أن المرأة لا يرضيها منهم إلا أن يكونوا على هندام لائق وكياسة فطنية تبدو في تستر ورزانة. ومن الأدلة على اهتمام الرجال بهندامهم وكياستهم أنهم جميعًا — شرقيين وغير شرقيين — يشكون مر الشكوى من الردنجوت وبذلة السهرة، وما إليهما من الكسوات الرسمية وغير الرسمية التي ترهق لابسها، لا سيما في أيام الصيف وبخاصة في مصر، وهم في ذلك يحرصون على ألا يظهروا في المجتمعات إلا بالمطلوب منها، كل في حينه مهما كلفهم ذلك من المشقة والعناء، أما القميص المنشَّى الجامد والطوق المكوي الصلب، فقد أصبحا لفرط شكوى الرجال منهما في شتى لغات العالم — أصبحا صورة جديدة لطوق الحديد الذي كان من أشنع آلات التعذيب في القرون الخالية.

ولقد تطورت معاملة المجرمين منذ هاتيك الأزمان، وبات هذا الطوق الفظيع «أثرًا بعد عين» كما يقول محبو الاستعارات، أما طوق السادة الرجال الأبيض الناصع المتجمد، فإنهم هم يضعونه بيدهم في عنقهم، متأففين أو غير متأففين، ولكنهم يضعونه ويستبقونه على كل حال! وحسنًا يفعلون! ولقد اخترعوا تلك القطعة الحريرية الصغيرة الناعمة، المنقوشة المضلعة المشجرة المنقوطة المعربشة الملونة بألوان قوس قزح، والتي قد نلمح فيها كذلك ألوان ما وراء الأشعة البنفسجية وسائر الأشعة التي لم تُكتشَف بعدُ، فكسوا بها دائرة «الياقة» وجعلوها تتدلى إلى الأمام «على طول الخط»، أو هم ربطوها «فيونكة» في أعلى الصدر، فبهتت أمامها «فراشات» الطبيعة، وتضاءل عندها كل ما ابتكرته النساء من «الفيونكات»!

والغاية من ذلك هي التجمل، وإخفاء موضع الأزرار والثنية من القميص إذا كانت الربطة الطويلة، والغاية من الطول والقصر فيها جميعًا التلطيف من معاني العنت والاستياء والألم المحيقة «بلابسي الياقات المكوية»، وفي هذا ذكاء وشجاعة تليق بالسادة الرجال أرباب الذكاء والشجاعة؛ إذ لا يخفى أن الذكي الشجاع يستر علامات السخط والاستياء بإشارات الارتياح، ويتغلب على النكد والألم بابتسامة العذوبة وعدم الاكتراث!

***

أما وجميع المصريين «الألفرنكا» يستعملون ربطة العنق أو «البمباغ»، فعلامَ لم تفكر النساء المصريات إلى الآن في استغلال هذه الوسيلة التجارية القريبة المال؟ كذلك تستطيع استغلالها شركة مصر للنسيج التابعة لبنك مصر، وسائر التجار الوطنيين المتاجرين بالأنسجة المصرية العاملين على ترويجها.

وصناعة البمباغات تعد صناعة لطيفة نظيفة لا يستغني عنها أحد، إذا ما باشرتها فتاة فسرعان ما تمهر فيها، وهي طريقة حسنة لتثقيف الذوق وحسن الاختيار وإحكام الألوان وتناسبها مع بشرة الوجوه وطراز الهيئات، فإن البمباغ الذي يصلح للرجل الأشقر مثلًا ذي العينين الزرقاوين، ليس هو الذي يصلح للأسمر ذي العينين القاتمتين، والبمباغ الذي يلبسه مَن كان عاري الرأس في الاجتماعات ليس هو المرغوب فيه للابس الطربوش، وأظن أنه يجمل بلابسي الطربوش أن تظهر في ربطة عنقهم خيالات من اللون الأحمر، ولو في خطوط دقيقة ونقط واهية، ورسوم وأشكال طافية «كتومة»، كل هذا ستسرع إلى الاهتداء إليه عاملات الكرفتات وخبراء الألوان وعمال النسيج، لو هم أرادوا الاهتمام بهذه الوسيلة الصناعية الفنية الاقتصادية.

***

كم هو عدد لابسي البمباغات من المصريين؟

أعترف بعجزي عن هذا الإحصاء، ولست أدري هل هناك من يستطيع أن يأتينا به دقيقًا جليًّا؟ ولكن هَبْ أنهم مليون لا غير! وهَبْ أن كل واحد من المليون يستهلك في العام الواحد أربع ربطات (وهذا تقدير جد ضئيل!) وأن الربطة الواحدة ثمنها من الستة غروش إلى العشرين غرشًا، وفقًا لقماشها الحريري أو غير الحريري، وما يلي ذلك من الاعتبارات الفنية — أفيتفضل رجال الإحصاء في هذه الحال بإطلاعنا على مبلغ ما تجنيه مصر من الأرباح من صناعة «الكرافتات» وحدها؟ حتى ولو كان القماش المستعمل أجنبيًّا يكون الربح وفيرًا، ولكن يجب أن يكون القماش وطنيًّا ليكون الربح تامًّا والصناعة مكتملة.

هذه ناحية ضئيلة إذا ما قيست بغيرها من نواحي التجارة والكسب الزكي المشروع، وهي مع ضآلتها تمكِّن مئات العمال من العمل في إخراج النسيج، وتمكِّن عشرات من الخبراء من وسيلة الابتكار في الألوان والنقوش، وتمكِّن آلافًا من الفتيات من العمل في صناعة جميلة نظيفة، وفيها تنشيط لصناعة مصرية تتعاون على تهيئتها وترويجها الحياكة والصباغة والخياطة والذوق والتجارة، ويتسنى فيها تصريف كمية من القطن اللامع الناعم الجميل، قد تكون بعضهن معالجات هذه الصناعة، ولكنها خفية غير رائجة الرواج الذي يضمن لها الربح المنظم.

***

وليس للفقيرات وحدهن أن يعالجنها، فقد سمعت من ابنة وزير مصري سابق أنها تقوم بعمل «البمباغات» لرجال أسرتها جميعًا، إلا أنها لا تجاهر بهذا العمل؛ لأنها أفضت به مرة إلى بعض صويحباتها فتبادلن فيما بينهن تلك النظرة الفاترة، وتلك الابتسامة المشبَّعة بمعنى السخرية والاستهزاء، وصرن كلَّما التقَيْنَ بها فيما بعدُ يسألنها عن «فنها»، وهل هي تقدمت فيه منذ ذلك الحين، فأجبتها بأنه إن كان هناك من يستحق السخرية والاستهزاء في هذا المعنى فهو هؤلاء الضاحكات في غباوة، وأن السخرية الغبية مصدرها معلوم عادةً، وهو مصدر لا يشرِّف، وأن أوجب واجبات المرأة تتم ضمن حدود بيتها أولًا، وإن استطاعت بعدئذٍ أن تعمل في الخارج ولنفع الآخرين فذاك، وإلا فلو هي كانت «بطلة» في الخارج وفي سبيل الغير وكانت مهمِلة جانبًا من «مملكتها الصغيرة»، فإن حياتها رغم ذلك غير منظَّمة وغير موطدة، شأن من يتعلم الفلسفة قبل أن يُحسِن التهجئة والقراءة.

وعملها في بيتها ولأسرتها لا يحول دون استكمال دراستها وتهذيبها ورُقِيِّها، بل بالعكس، فليست تخجل الأميرة الإيطالية الحسناء التي ستصبح غدًا ملكة على بلغاريا، من أن يكون تدبير المنزل فنَّها الأكبر، وليست هي الفاقة التي ساقت ولية عهد هولندا الأميرة جونيانا إلى أن تفوز بشهادة تدبير المنزل كما فازت بالدكتوراة في الحقوق والفلسفة، وإنما الخجل يحق للمرأة والفتاة التي — بصرف النظر عن كل ما لديها من المواهب والامتيازات والثروات — تجهل كيفية تنظيم المنزل والسهر على راحته والتخفيف من نفقاته، إن لم يكن من باب الحاجة اللاحة والافتقار إلى الخدم فهو من باب اللهو الذكي والتدبير الرشيد. وجماع القول أن صناعة الكرفتات اللطيفة الحريرية الرشيقة الناعمة أليق ما تكون بأيدي النساء، غنيات كُنَّ أم فقيرات، وهي وسيلة للربح المضمون والاقتصاد الحكيم في هذه الأحوال العصيبة.

حاشية

نشرت مجلة «كل شيء» في عددها الصادر أمس حديثًا أثبتت فيه مرة أخرى أن الصحافيين «خطرون جدًّا»، وأن محرري هذه المجلة على براعة في اقتناص الموضوعات، ولو من أحاديث ومساجلات لم يُقصَد بها النشر.

فقد روى محرر هذه المجلة أني اقترحت تشكيل حكومات من الجنس اللطيف لعلاج الأزمة المالية؛ لأن حكومات الرجال لم تفلح إلى الآن في نشر السلام والتفاهم بين الشعوب، وإلغاء الحرب، وأضاف أني أريد من تلك الحكومات النسوية «لجميع الأمم ما عدا مصر وما يدخل في عدادها، التي لا تحتاج في حالتها الراهنة إلى مثل هذه الانقلابات».

ونسي الصحفي اللبق أن الحديث كان عن الدول الكبرى التي تشهر الحروب طمعًا في الاستعمار، أو طمعًا في التوسع الاستعماري، وأن اقتراحي لتشكيل حكومات نسوية جاء في قالب فكاهي رغم ما في الموضوع نفسه من الأفكار الجدية العابسة، ولم يجيء ذكر مصر وغيرها من أقطار الشرق الأدنى إلا عرضًا؛ لأني لو لم أكن أريد للمرأة سوى «العلوم والصناعات التي تدخل فيها الخياطة والكرفتات والصناعات الزراعية كتجفيف الأثمار وعمل المربات»، لو لم أكن أريد إلا ذلك دون غيره — وإن لم يدخل فيما أريد لها تشكيل الحكومة — لكان كل ما ظهر لي من الكتابات والخطب والمحاضرات في هذه الأعوام من صنع غيري، ولصدق فيَّ ما يتهمنا به السادة الرجال، من أنْ ليس للمرأة في المقال الذي تنشره دون أن تفقه معناه أحيانًا، سوى التوقيع!

ولكن أليس هذا مظهرًا من براعة الصحافي ليستدرجني إلى الرد والإيضاح؟

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.