كان من الخير لهما أنهما ماتا.

لأن رجلًا يموت وهو يعلم أنَّ عمله الكبيرَ الذي عاش من أجله حيٌّ قائمٌ إنما يموت وله بقيةٌ باقيةٌ من الحياة، وإنما يموت منه الجسد العارض ويبقى بعده المعنى الخالد والروح الدائم.

أما من يموت وقد مات قبله عملُه الذي من أجله عاش ومن أجله سعى ومن أجله واجه الموت، فذلك هو الميت الذي لا منفذ له إلى الحياة، وذلك هو الميت الذي ينتهي أَجَلُه فينتهي عالمه وينتهي عمله وينتهي أمله في وقت واحد، وذلك هو الموت الذي من فوقه موت ومن ورائه موت؛ لأنه يبطل الحياة ويبطل معنى الحياة.

مازاريك الحاكم الحكيم أحيا الأمة التشيكية ثم مات، فلم تنقضِ سنة واحدة حتى حبط عمله جميعه أو كاد أن يشمله الحبوط، فكأنما كان أَجَلُ الجمهورية التشيكية مرهونًا بأجله، وكأنما كانت أنفاسها معلَّقة على أنفاسه.

وكارل كابيك تلميذ مازاريك ومريده الحميم، وقعت الواقعة في شهر سبتمبر فعجل الغم بموته في شهر أكتوبر، وذهب في الثامنة والأربعين وهو يحسب أنه قد شهد النهاية، فإذا الذي شهد رحمةٌ ونعمةٌ إلى جانب ما سيشهد لو أنه عاش، وإذا بأصدقائه الذين حزنوا لموته وهو على قمة الحياة يختارون خيرة الواقع ولا يحبون له الرجعة إلى الدنيا، لو كان إلى الرجعة سبيل.

***

دخلت إلى مكتبتي يوم جاءت الأنباء بمحو الدولة التي شاخ في بنائها مازاريك ونما في ظلالها شباب كابيك، فإذا بي ألمح مصنفات هذا الأديب في موضعها المقابل لنظري … كأنما يتقاضاني الأديب شيئًا من العزاء أو شيئًا من مساجلة الآراء، فلم أَرَ في وصف تلك السهرة الصامتة التي قضيتها معه قولًا أصدق من قوله هو في وصفه لصمت الإنجليز حين يجتمعون في «النادي» فيقضون السهرة وهم ساكتون متجاورون أو ساكتون متباعدون: «ليس هذا صمت رجل في العزلة، ولا هو صمت الفيلسوف الفيثاغوري في سكون الرياضة، ولا هو صمت الإنسان في حضرة الله ولا هو صمت الموت، ولا هو صمت الوجوم الأخرس المكبوت، ولكنما هو صمتٌ وحيدٌ في بابه: صمتٌ اجتماعي! صمتٌ مصقول، صمتُ رجل كريم في وسط أناس كرماء.»

***

أشبه المواقف بهذا الموقف من آراء كابيك ومصنفاته هو رأيه في سر الخلود من روايته المسرحية التي أدارها على هذا الموضوع.

هل يحق للإنسان أن يهوى الحياة مئات السنين؟ فإن عاش مئات السنين فماذا هو صانع بذلك «الحساب» الفارغ من الأرقام؟ أيكرِّر الشباب مرتين؟ أيكرر الأمل مرتين؟ أيكرر المجد والنجاح مرتين؟ أم يكررها جميعًا ثلاث مرات وأربع مرات إلى غير انتهاء؟ وهل هذه الأشياء قابلة للتكرير؟ وهل بعد امتزاج التجارب والأحاسيس وطعوم الأيام بحياة الإنسان في مذاقها المختلف من حلو ومر ومن نعمة وشقاء ومن علم وجهل ومن شوق وقنوط؛ هل بعد امتزاج هذا جميعه بحياة الإنسان سبيل إلى تكرار العمر من جديد؟ أم هو عمر آخر لا اتصال بينه وبين ما قد كان؟ أم ينتهي الإنسان من الشباب والحب والأمل والمجد والنجاح والإحساس المتجدد بالحوادث والأقدار، ثم يقضي بقية السنين فارغًا من جميع ذاك؟

كلا، كلا. لا حاجة بالإنسان إلى الخلود ولا إلى وفرة السنين، فحسبه عمر واحد يقضيه ويستوفيه ويعقب لذرية من بعده، فإذا بالحياة بعد ذلك فضول.

وقد قَبِلَ اللهُ أمنيةَ «كابيك» فلم يكد يستوفي الكأس حتى وقعت على التراب وفيها ثمالة لا تشتهيها الشفتان، ومات قبل الخمسين فلم يتَّسِع له وقت للتفكير فيما يصنع بالمائة ولا بالمئات من السنين.

بل لم يتسع له الوقت ليرى نفسه يشيخ كما شاخت الشجرة التي حدَّثه عنها أستاذه مازاريك.

كانا يسيران في الخلاء كعادتهما؛ إذ يفرغان للرياضة والحديث، فقال الأستاذ لمريده كأنما يهيئ نفسه لشيخوخة سعيدة: «انظر إلى هذه الشجرة … إنها بلغت حدَّ الهرم وما فارقتها هيبتها ولا جمالها. وإني لأذكر كيف عدت إلى وطني بعد الحرب العظمى، فراعني أن أرى أصدقائي يشيخون، وأن أراهم لا يعرفون كيف يشيخون.»

وقد عرف مازاريك كيف يشيخ وعرف كيف يموت؛ لأنه مات قبل أن يرى بعينيه الموت على أسوأ ما يكون … أما تلميذه فقد عرف كيف يموت وعرف كيف يسبق الشيخوخة في منتصف الطريق.

***

وشبيه بهذا الموقف من مصنفات كابيك روايته «هر دوبال» التي يصف بها الغريب التشيكي وقد عاد إلى وطنه بعد ثماني سنوات في العالم الحديث: عاد بعد أن جاهد وغامر وجمع المال وقَفَلَ إلى بلاده لينعم بالحياة التي من أجلها ركب الأخطار وفارق الأهل والديار، وعاد وهو ينظر إلى المشاهد والحقول التي تعَّودَ أن يراها في رجعته إلى بيته كل مساء، فجمع في نفسه فرحة ألف مساء من تلك الأمسيات التي فقدها خلال تلك السنين، ثم وصل إلى قِبلةِ الرجاء وغاية المسعى وأمل الآمال من وراء ذلك الجهاد ووراء ذلك الحرمان، فإذا هم قد وطَّنوا النفوس على غيابه أبد الآبدين، وإذا بزوجته المحبوبة لها عشيق … وإذا بذلك العشيق يقتله فلا يقتل حيًّا من الأحياء؛ لأنه لم يكن يريد الحياة ولم يبقَ له مكان من الأحياء، وما كان قتله كما تقول الرواية «جريمة» كالجرائم التي نفهمها في عرف الشريعة، وإنما كان «قضاءً» لا مناص منه وختامًا في أوانه المقدور.

فماذا يقول «كابيك» في ختام الدولة التي فارقها أستاذه سليمةً وفارقها هو مبتورةً؟ هل قذف بها الرئيس «هاشًّا» في أحضان عشيق؟ وهل كانت جريمة أو كان قضاءً ما أصابها من المحو والإلغاء؟

***

لكن «كابيك» لا يكتب على هذا النمط في كل كتاب من مصنفاته الكثيرة؛ فقد فُطِر الرجل على حب الطبيعة وحب الحياة وحب الحرية، ومن كان كذلك فلا محيص له من التفاؤل والطرب والفكاهة، شاء ذلك أو حِيل بينه وبين ما يشاء.

كان أحب الأشياء إليه أن يعمل في حديقة أو يتنقل بين بلاد الله، وله كتاب اسمه «سنة البستاتي» يتجلَّى فيه حبه للطبيعة حبًّا لا يكتفي فيه بنصيب الشاعر والفيلسوف دون نصيب الفلاح العامل بالفأس والمحراث، العارف بالمواسم والغلات، الخبير بالسقي والتسميد، الذي يكتب عن البساتين فإذا هو في فلاحته شاعر وفي شعره فَلَّاح.

يقول في ذلك الكتاب من باب «جمال الخريف»:

حتى الأرباب لها مواسم وأدوار؛ ففي الصيف يؤمن الإنسان بوحدة الوجود ويحقُّ له أن يحسب نفسه جزءًا من الطبيعة، أما في الخريف فليس في وسع الإنسان إلا أن يذكر أنه آدمي من أبناء آدم … وما من نار تُوقَد إبَّان الخريف إلا وهي قربان مرفوع إلى أرباب المنزل … إن حب الإنسان لمأواه لشعيرة مقدسة لا تقل عن شعائر الأديان، وإني لأعرف كثيرًا من الصناعات الجميلة كصناعة الكتابة إلى الصحف! أو الجلوس على كراسي البرلمان! أو على كراسي مكاتب الإدارة في المصارف والشركات، أو توقيع الأوامر الحكومية، إلا أن المرء في جميع هذه الصناعات كائنًا ما كان مبلغها من الجمال والقيمة لا يعطينا منظرًا من المناظر الفنية أو صورة من الصور التذكارية كتلك الصورة التي يعطيناها رجل في يده مجراف، آه … يا له من منظر إذ أنت واقف تمسح العرق عن جبينك وقَدَمٌ من قَدَمَيكَ على مجرافك، ثم ترسل في الفضاء آهة الجهد والقدرة … أوه … إنك لتبدو ساعتئذ كتماثيل الرموز فلا حاجة بك إلى شيء أكثر من أن تؤخذ بقضِّك وقضيضك وتوضع كما أنت على قاعدة يكتبون عليها: العمل الظافر، أو سيد الأرض، أو ما شابه ذلك من النقوش …

***

ورسائل كابيك في السياحة طُرفة من الطُّرَف الأدبية الممتعة في الأدب الأوروبي الحديث، فما كتبه عن بلاد الإسبان، وأخلاق رجالها ونسائها، ودلائل أغانيها ورقصاتها، وخمورها ومُروجها وأعنابها لا تفوقُه كِتابةُ كاتبٍ قطُّ في صدق الملاحظة وحسن الأداء ولطف الدعابة.

أذكر من تحف الجاحظ في كتاب البخلاء كيف كان يقول إن البخل عند أهل «مرو» طبيعة في التربة والهواء، وليس بخصلة مقصورة على الناس، وإن الديك في كل مكان ينبش التراب عن الحبة ثم يتركها لدجاجه إلا في أرض مَرْوٍ؛ فإنه ينبش التراب عن الحبوب ويأكلها كلها لنفسه!

ومن توارُد الخواطر أن «كابيك» يقول كلامًا كهذا عن طبيعة «التفرق» أو «الروح المحلية» في أقاليم الإسبان، حتى إن الخمور التي تُعصر من أعنابها لا تشبه واحدة منها سائرها في الطعم أو النشوة: «فنبيذ قشتالة يُذْكِي النخوة والبسالة، ونبيذ غرناطة يُثير الأشجان ويلعج الأحزان، ونبيذ الأندلس يُشيع في القلب الفرح وفي الأعضاء الحقة والمرح، ونبيذ روجة ينعش العقل، ونبيذ قطلان يطلق اللسان. أما نبيذ بلنسية فيهبط إلى سواد الفؤاد …»

أما ما كتبه عن الإنجليز فلعله أَقدرُ من أضحك الإنجليز من أنفسهم بما كتبه عنهم، وتعريفه للجنتلمان الإنجليزي أوجز تعريف يجمع بين الصدق والفكاهة حيث يقول:

أما الجنتلمان الإنجليزي فلا سبيل إلى تعريفه بالدقة والتحقيق، وعليك قبل كل شيء أن تتعرف إلى خادم النادي أو عامل التذاكر في محطة السكة الحديد، أو قبل هذا وذلك نتعرف إلى رجل الشرطة في الطريق … إن الجنتلمان هناك مزيجٌ موزونٌ من الصمت والتَّحيَّة والكرامة واللعب وصحيفة الأخبار والأمانة، وقد يُغضبك الرجل الجالس أمامك في القطار ساعتين وهو يتجاهلك ولا يلتفت إليك، ولكنه يَثِبُ على حين غِرَّةٍ لِيُنَاوِلَك حقيبتك التي لا تصل إليها. وهم هنا عند بعضهم لبعض معاونةٌ يتبادلونها، وليس عندهم كلامٌ يتبادلونه في غير الجو والهواء، ولعلهم لهذا قد اخترعوا جميع الألعاب التي لا يتخللها كلام. وقد بلغ من ولعهم بالصمت أنهم لا ينطقون حتى بِسَبِّ الحكومة في الطرقات والمركبات! ومَن كان منهم على خلاف هذه الوتيرة — كلويد جورج مثلًا — فليس أمامه إلا السياسة أو التأليف … وعندئذ لا ينبغي أن يَقِلَّ الكِتَابُ الإنجليزي عن أربعمائة صفحة!

***

وللأديب التشيكي رواية يسخر فيها من الآدميين الذين يطيقون العيش في بلاد الاستبداد؛ فهم في عُرفِهِ «آدميون صناعيون» وليسوا بالآدميين الطبيعيين، وليس بعجب أن يرى هذا الرأي أديبٌ كان من «البوهيميين»، ولقد افتقر معظم الأدباء «بالبوهيمية» ولو لم يولدوا في أرضها وينشئوا على نشأتها، فكيف إذا ولدوا فيها وتوارثوا اللحم والدم من أسلافها؟ وكيف وقد أضاف تاريخهم إلى طبيعتهم فصبغ هؤلاء القوم مرة أخرى بصبغة الحرية وسلَّط عليهم من قضوا فيهم على السادة فقضوا على السيادة وعمقوا في تلك التربة جذور الطلاقة؟

ذلك هو عزاء «كابيك» في قبره، فلا استقرار لأمة «بوهيمية» على الأَسْر، ولا غِنى لهم عن الطلاقة ولو بعد حين.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.