قرأتُ مقالًا بتوقيع ابن زيدون يقول كاتبه: إن أحد الناشرين طلب إلى العقَّادِ أن يؤلف كتابًا عن الأدب العربي في مطلع القرن العشرين نظير مائة جنيه، فلمَّا أتمَّ العقَّادُ الكتابَ ذهب به إلى الناشر وجلس قليلًا يشرب القهوة ريثما يأتي الناشر بالمبلغ، ولكنه أتى بتسعين فقط واعتذر للعقاد بضيق الحال، فنهره العقاد بشدة؛ لأنه يعلم أنه كاذب وانتزع منه الكتاب المخطوط فمزقه شرَّ مُمزق وأشعل النار في أشلائه … فضاع إلى الأبد!

وفي إحدى الندوات الخاصة دارت مناقشة حامية فانقسم الحاضرون بين فريق يقول: إن الذي فعله العقاد دليل على تمسكه بالمال وحرصه عليه، وفريق يعتبر أنه توكيد لما عُرف عنكم من اعتزاز بالكلمة وحرص على الكرامة. أما أنا — يا سيدي — فلا أكاد أصدق هذه الواقعة وأرى فيها تحريفًا غير مقصود، أو لَعله مقصود ولا ندري … وأكون شاكرًا لو وضحتم لنا هذا الأمر في اليوميات.

محمد محمد مرشدي بركات، كلية الآداب، جامعة عين شمس

إذا كان لقصة هذا الكتاب فائدة غير تصحيح الخبر، فتلك هي فائدتها في دراسة تاريخ الأسطورة؛ لأنها هي بذاتها مثالٌ جيدٌ لنشأة الأسطورة في الزمن الحاضر ونشأتها — من ثم — في الأزمنة الماضية.

إن الأساطير جميعًا خليط من الخبر الصحيح والمبالغة الزائدة، وخليط من الواقع الثابت والخيال الجامح، وخليط من عمل الفكر وعمل العاطفة وعمل الذاكرة وعمل الخرافة!

وهذه هي الأسطورة في خبر الكتاب المحرق على رواية ابن زيدون.

أما «الأصل» المجرد من الزوائد والأخلاط والمبالغات فهذه خلاصته في سطور:

ذهبت إلى أسوان قبيل الحرب العالمية الأولى، فأزمعت بعد بضعة أسابيع من الفراغ المطلق أن أشغل هذا الفراغ بقراءة الكتب وتدوين المؤثرات التي أحسستها أثناء قراءتها كتابًا بعد كتاب وساعة بعد ساعة. وتم عندي من كتابة هذه المؤثرات نحو ثلاثمائة صفحة تصلح للنشر على حدة، أي مستقلة عن الكتب التي علقت عليها بعد قراءتها.

وأرسلت هذه الصفحات إلى صديقي الأستاذ المازني بالقاهرة ليعهد إلى أحد الناشرين في طبعها، فجاءني منه الرد بعد حين بما فحواه أن الناشر الوحيد الذي قبل أن يطبعها يريد أن يشتريها بخمسة عشر جنيهًا وعدد من النسخ المطبوعة بعد صدورها، ولا ينوي أن يشرع في طبعها قبل بضعة شهور.

ولا أذكر أنني شعرت بغضب في تلك اللحظة، إذا كان المقصود بالغضب ثورة الشعور في هياج واضطراب. ولكنني أخذت رزمة الصحائف المخطوطة ومشيت بها إلى ناحية الفرن بالمنزل، وألقيتها بين نيرانه المتوقدة ممزقة مبعثرة، وأنا أقول للسيدة الوالدة، التي كانت تعاتبني دائمًا على إدمان النظر في «الورق» بغير فائدة: هكذا يؤكل العيش من طريق التأليف!

وبعد أسابيع أخرى عمدت إلى التجربة من جديد، ونويت في هذه المرة أن أطبع الكتاب لحسابي إذا تم من الصفحات ما يكفي لطبع كتاب. ثم عدت بالصفحات إلى القاهرة وطبعت منها خمس ملازم حان بعدها موعد العودة إلى البلدة، فأسلمت الملازم المطبوعة إلى صاحب مكتبة بجوار المسجد الحسيني، كان قد اطلع على الملازم في المطبعة؛ لأنه يطبع فيها بعض كتبه، وأبدى لي رغبته في موالاة طبع الملازم الباقية على نفقته وتسليمي خمسمائة نسخة من الكتاب كله — على ما أذكر — بعد الفراغ من طبعه، بدلًا من حق التأليف.

وانتظرت أيامًا في أسوان فلم تصل إليَّ مسودة الملزمة السادسة للمراجعة، فأرسلت إلى صاحب المكتبة الخطاب بعد الخطاب ولا جواب، ثم علمت أنه أغلق المكتبة بعد توقيع الحجز عليها وبيع ما فيها، وسافر إلى بلدة بإقليم الفيوم.

وعاد الصيف فعدت إلى القاهرة وجلست ذات مساء على مقهى عند العتبة الخضراء على مدخل السكة الجديدة، فسمعت بائع كتب ينادي فيما ينادي عليه على كتاب «ساعات بين الكتب» للعقاد، وهو اسم ذلك الكتاب الذي اخترته له؛ لأنه مطابق لموضوعه، وموضوعه كما تقدم هو تدوين آثار الكتب في نفسي وتفكيري ساعة بعد ساعة.

وكان أول ما خطر لي أن الرجل أتم طبع الكتاب من الأصول التي تركتها عنده، فحمدت الله وناديت البائع وطلبته منه فإذا هو الملازم الخمس ولا زيادة عليها، فعجبت لهذا الكتاب المنكوب، ولم أعاود التجربة مرة أخرى، ولكني ضمنت الملازم الخمس أول مجموعة من مجاميع المقالات نشرتها باسم «الفصول».

أما كتاب «ساعات بين الكتب» الذي ظهر بعد ذلك فهو غير هذا الكتاب في طريقته وإن كان شبيهًا به في موضوعه؛ لأنه يحتوي مقالات في نقد الكتب ومناقشتها نشرتها بالصحف اليومية أو الأسبوعية التي كنت أعمل في تحريرها!

هذه هي القصة وتلك هي الأسطورة، والفرق بينهما هو الفرق بين كل أسطورة قديمة وخبرها الصحيح.

في حالة رغبتكم في إضافة تعليق، برجاء إدخال اسم المستخدم وكلمة المرور الخاصة بك. تسجيل الدخول.
إذا لم يكن لديكم حساب فعليك تسجيل بياناتك. التسجيل.

تسعدنا مشاركاتكم وتعليقاتكم التي نتمنى أن تلتزم قواعد المشاركة البناءة.